تقدر بعض التقارير الصحفية مثل «الجارديان» البريطانية حجم الاستثمارات التى قد تغادر منطقة الخليج ما بين 300 إلى 500 مليار دولار بحثًا عن ملاذات آمنة لتبرز مصر كإحدى أقوى الوجهات المرشحة لاستقبال جزء من هذه الاستثمارات حيث تصدرت قائمة الدول العربية الأكثر جذبا للاستثمار الأجنبى المباشر فى بداية 2026 متفوقة على دول الخليج .
وفى هذا السياق، قال طارق شلبى، رئيس جمعية خبراء السياحة العرب، رئيس جمعية المستثمرين بمرسى علم السابق: هناك معوقات وتحديات يجب مواجهتها نتيجة الصراعات التى طرأت على المنطقة بأكملها خارجة عن الحكومة والقيادة السياسية وهى زيادة أسعار الطاقة والخدمات والخامات بأكملها، وهى بالفعل ستؤثر بل إنها من ضمن المعوقات الحقيقية، فلابد من تسهيلات تقدمها الحكومة الحالية وفقا للإمكانات الخاصة بها، وهنا المجموعة الاقتصادية هى وحدها القادرة على تحديد كيفية مواجهة هذه التحديات وإزالة هذه المعوقات وفقاً لما يتاح لها.
«شلبى»، أضاف أنه «فيما يتعلق بإمكانية جذب استثمارات جديدة فى ظل الظروف الحالية، هناك جزء من الاستثمارات سينتقل إلى مصر مع ارتفاع وتيرة وحدة الصراعات فى المنطقة الخليجية، فالمؤكد فى الوقت الحالى أن الدولة المصرية هى الأكثر استقرارا، والدولة المصرية عليها فى هذا التوقيت أن تعمل على مسارين أولهما أن تحافظ فى المقام الأول على الاستثمارات الحالية الموجودة داخل البلد، وأن تقدم لها كافة الحوافز والتسهيلات وتزيل كافة المعوقات التى أمامها، حتى لا تهرب وسط الإغراءات التى تمارسها الدول المنافسة فى جذب رؤوس الأموال الاستثمارية إليهم، والمسار الثانى أن تسعى لجذب رؤوس أموال جديدة وتحديداً ممن يبحث عن ملاذ آمن ومنطقة آمنة بعيداً عن الصراعات الحالية».
كما أكد رئيس جمعية خبراء السياحة العرب، على أهمية وضع خطة لجذب الاستثمار على المستوى القريب، يتم تنفيذها على وجه السرعة، تأتى فى مقدمتها ترسيخ قاعدة حق المستثمر فى أخذ حقوقه، وحرية التعامل فى النقد وحرية التقاضى وسرعة الحصول على حقوقه عبر سرعة التقاضى، من أجل أن يضمن المستثمر حقه فى الاستثمار والمحافظة عليه، دون وجود قرارات متغيرة فى الرسوم والأسعار، سواء بصفة مستمرة أو بأثر رجعى.
وطالب «شلبى» بضرورة ضبط قانون الاستثمار وتفعيل بعض المواد به، على أن يتم الإعلان عنها عبر البوابة الرقمية المصرية، لتكون هناك سهولة وسرعة فى الوصول إلى المسئول لإيضاح هذه القرارات، لأن هناك استفسارات لا يجد المستثمر إجابة عليها لدى البوابة الإلكترونية أو الموظفين العاديين، منوهًا بأن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء حضر جميع التغييرات والقوانين التى يمكن استدعاؤها مباشرة مع نصائح الخبراء والمتخصصين من أجل وضع مشاريع قوانين فى زمن قياسى لا تتعدى الأيام والتى يمكنها أن تضبط المنظومة الاستثمارية.
وأضاف: الضبط التشريعى يتبعه أن تكون المنظومة الإلكترونية تحقق التواصل على مدار الـ 24 ساعة، وأن يتم ضخ كافة البيانات والمعلومات الدقيقة عن كافة أشكال الاستثمار، والإجراءات المطلوبة، وتضم محتوى عن المواد الخام وأسعارها، الأراضى الصناعية وتكلفتها، مع مراعاة المنافسة فى طرح الأسعار والتسهيلات والحوافز مقارنة بالدول الأخرى، على أن يتم توصيلها بمسئولين لتقديم ردود سريعة عن استفسار المستثمر، وهى ما تحقق مردوداً عالياً على بساطتها، كما يجب ضبط أوضاع المستثمر المصرى المحلى وتذليل كافة العقبات أمامه، لأنه الواجهة أمام العالم كله، فهو مرآة المستثمر الأجنبى، فعندما يجد أموره مستقرة ويعمل فى ظل ضوابط واضحة ومحددة، هنا يمثل المستثمر المصرى عنصر جذب للأجنبى، ويشجعه على الانتقال للعمل داخل مصر، حتى إنه يبدأ فى شراكة مع المستثمر المحلى أولا قبل أن ينفرد باستثماراته الخاصة.
«شلبى»، أشار إلى أن «مصر حققت نهضة عمرانية وبنية تحتية أساسية، بالأخص شبكة الطرق والكبارى خلال السنوات العشر الماضية، هو عنصر مهم وجاذب لتحويل مصر لمركز إقليمى صناعى، فلديها كل المقومات والإمكانات، وبالتالى فتوطين المستثمر المحلى، وهو بدوره سيجذب المستثمر الأجنبى فى شراكة، داعيًا لتقديم حوافز وضمانات وإعفاءات قدر الإمكان لجذب مستثمرين جدد، وهو الأمر الذى تنفذه كافة الدول المنافسة «المغرب وتركيا»، حتى دول الخليج حينما تخرج من ظروف الحرب ستقدم حوافز وقروضا وإعفاءات لمدة عشر سنوات، نتائج هذه الإجراءات تحقق أضعاف الشروط الصعبة التى تقع على المستثمر فى البداية، فالمستثمر يأتى بحثاً عن المميزات.
وأضاف «شلبى» أن «مصر عليها هى الأخرى جذب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة مع رؤوس الأموال الكبيرة رغم صعوباتها فى التنقل من المقرات التى اعتادت عليها لسنوات، لأن التركيز على جذب رؤوس الأموال المتوسطة والصغيرة يمثل عنصر جذب لكثير من المستثمرين وهم بدورهم يقومون بعمل دخل كبير وقاعدة صناعية كبيرة بدورها تنمو لتتحول لرؤوس أموال كبيرة».
رئيس جمعية خبراء السياحة العرب، أنهى حديثه قائلا: لا يمكننا الارتكان إلى أن مصر ملاذ آمن لجذب المستثمرين فى ظل المنافسة الشرسة مع المغرب وتركيا، وعلينا أن نأخذ خطوات استباقية وأن نسوق بشكل علمى ومحترف لرؤوس الأموال الثلاثة الكبيرة والمتوسطة والصغيرة للقدوم لمصر، فالاستباقية والجاهزية العالية والحوافز هى التى ستحسم أمر انتقال رؤوس الأموال بين الدول المتنافسة واستقرارها فى هذه الدول وتمثيلها عنصر جذب لغيرها من المستثمرين الجدد.
فى السياق، قال أسامة التابعى نائب رئيس اتحاد المستثمرين، رئيس جمعية مستثمرى دمياط الجديدة: هناك منافسة شرسة على جذب رؤوس الأموال الاستثمارية بين ثلاث دول (مصر، تركيا، والمغرب)، بسبب حالة الاستقرار بهم، وإن كان هناك تفوق تركى فى إعطاء حوافز أكثر للمستثمرين لجذب رؤوس الأموال، ومميزات متعددة، بالإضافة إلى الثبات فى القوانين والرسوم إلى حد ما، حيث يتم فرضها لمدة زمنية كبيرة دون تغيير أو تعديل، وحتى تنجح مصر فى جذب المستثمرين لا بد فى البداية من توفير الأراضى الصناعية اللازمة، ونبحث عن أسباب ارتفاع التكلفة الصناعية، وتتم محاولة إزالة جميع المسببات التى ترفعها، ولدينا ارتفاع فى تكلفة الصناعة، فليست كل جهة حرة فى فرض رسوم.
«التابعى»، طالب بأن تكون هناك جهة أو هيئة واحدة تتعامل مع المستثمر بشكل مباشر، وتوفر له جميع المعلومات وتنهى جميع الإجراءات، والمفترض أن هيئة التنمية الصناعية تقوم بهذا الدور، لكن الواقع أن هناك جزءا معها، وجزءاً مع هيئة الاستثمار، وآخر مع هيئة التنمية الصناعية، وجزءاً الأراضى مع هيئة التنمية العمرانية للمدن العمرانية الجديدة.
«لابد فى البداية من حل المعضلة الإدارية»، أمر آخر ألقى عليه «التابعى» الضوء فى سياق حديثه عن «المعوقات التى تقف أمام المستثمرين»، وقال: علينا أن نسرع من تعديل وضعنا الإدارى من أجل جذب المستثمرين وعمل ثوابت واضحة أمام كل مستثمر، فنحن فى حاجة إلى ثورة إدارية.
وأوضح أن «تعدد الرسوم التى يتم فرضها رغم تكلفتها القليلة بشكل منفرد، لكن حين يتم جمعها بشكل كامل فى النهاية سنجد أنها تكلفة كبيرة على المنتج، وهناك بعض المنتجات التى يتم تصنيعها محلياً غير قادرة على المنافسة مع المنتجات التى يتم استيرادها من خارج بلدنا، فالمنتجات الصينية أو التركية تشكل منافسا»، وفسر «التابعى» هذه المنافسة للمنتجات المحلية فى الأسواق المصرية؛ أنها ترجع إلى التكلفة الصناعية حيث إنها فى هذه الدول قليلة مقارنة بالتكلفة الصناعية داخل مصر، وبالتالى سعر المنتج يقل بما يشكل منافسا داخل السوق المحلى، فما بالك بالمنافسة فى الأسواق الخارجية، لافتًا إلى أن «المستثمر المصرى يعانى من عدم الاستقرار فى الرسوم، فكل يوم هناك جديد، وهنا يلزم أن تكون هناك خطة لتثبيت الرسوم التى تفرض على المستثمر على مدار خمس أو عشر سنوات حتى يكون لديه إلمام بما يفرض عليه، وهذا للمستثمر المحلى، والمستثمر الأجنبى الذى نرغب فى جذبه للاستثمار داخل مصر».
كما أشار إلى أن «وزارة المالية نجحت فى إعادة ضبط المنظومة الضريبية بشكل واضح للجميع، فقدمت حوافز مميزة، فكافة المستثمرين لمسوا ذلك بشكل عملى، سواء فى التسهيلات وحوافز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو الشغل الإلكترونى والفاتورة الإلكترونية والإقرار الإلكترونى، كل هذا مثل خطوة قوية ومتطورة أتت ثمارها وأشاد بها الجميع، ومثل نقطة مضيئة ومميزة أمام كل مستثمر يرغب فى الاستثمار داخل مصر».
«جذب الاستثمارات الأجنبية ليس أمراً مستحيلاً»، أمر آخر أكده «التابعى» بقوله: المستثمر يبحث عن الاستقرار، ومصر من أفضل الدول التى تشهد استقرارا داخل المنطقة ولديها بنية تحتية جديدة وهى سوق تجارى كبير ويمكنها الانتقال للأسواق فى الدول المجاورة، فمصر كمقر للاستثمار فرصة مميزة لكل مستثمر سواء محلياً أو أجنبيًا لكن تنقصنا هذه الإجراءات البسيطة الإدارية، وعوامل الجذب، وفرق قادرة على التعامل مع المستثمرين.
وتابع: الوقت الحالى وما يحيط المنطقة من صراعات جيوسياسية يتطلب منا التقدم بخطوات استباقية، ليس مجرد تهيئة الأوضاع والإجراءات، ولكن علينا التحرك بخطوات استباقية وأن نذهب لمستثمر ونعرض عليه الاستثمار فى مصر، بفرق للتسويق والترويج لكل مستثمر يتم التخطيط لاستهدافها، وهنا لا نركز على الاستثمار العقارى، لكن نركز بشكل أكبر على الاستثمار الصناعى حيث نجحت مصر فى الفترة الأخيرة فى جذب كبار الشركات فى مجال الاستثمار العقارى، لكن علينا الاستثمار فى المجال الصناعى، من أجل توطين العديد من الصناعات المتعددة فى كافة المجالات.
كما أشار إلى أن «الاستثمار الصناعى يشمل توطين صناعات جديدة، واستغلال مواد الخام المصرية وزيادة القيمة المضافة لها بدلا من تصديرها فى شكلها الخام، تشغيل قدر كبير من العمالة المصرية، وهى عمالة ماهرة، وقادرة على التعلم بسرعة، وهنا يمكننا تصنيع منتجات متعددة تطرح فى السوق المصرى وفى الأسواق المجاورة والأسواق المحلية».
وحذر «التابعى» من الاستسهال وأن مصر منطقة آمنة وهى ملاذ رؤوس الأموال فى ظل الصراعات فى المنطقة، وقال: المنافسة شرسة من كافة البلدان، والأسبق فى طرح حوافزه وتهيئة كافة عناصر الجذب لرؤوس الأموال سيتلقى أكبر قدر، ولنا فى تجربة انتقال إحدى شركات السيارات العالمية (مرسيدس) من مصر إلى المغرب مثال، بعد أن نجح المغرب فى تقديم كافة التسهيلات لهذه الشركة العالمية وكان عنصر جذب لها لتستقر هناك بدلا من مصر.