تستهدف الحكومة مصروفات إجمالية بقيمة 5.1 تريليون جنيه بنمو قدره 13.2 فى المائة، بينما تخطط لجمع إيرادات تصل إلى 4 تريليونات جنيه بزيادة طموحة تبلغ 27.6 فى المائة. وفى سعيها لاستعادة الثقة الدولية وتحجيم أثر الفجوة التمويلية، تضع الدولة تحقيق فائض أولى بنسبة 5 فى المائة (نحو 1.2 تريليون جنيه) كحجر زاوية لخفض نسبة الدين العام إلى 78 فى المائة بحلول يونيو 2027، وتقليص العجز الكلى ليصل إلى 4.9 فى المائة، بالرغم من الضغوط التى تفرضها تكلفة الاقتراض العالمية المرتفعة.
وفى المسار الموازي، تضع الموازنة «الحماية الاجتماعية» كركيزة لامتصاص الصدمات التضخمية الناتجة عن اضطراب سلاسل التوريد، حيث تم تخصيص 832.3 مليار جنيه لهذا القطاع بنمو سنوى قدره 12 فى المائة. وتتزامن هذه المخصصات مع استهداف معدل نمو اقتصادى بنحو 5.4 فى المائة، مدفوعاً بحوافز للنشاط الاقتصادى بقيمة 90 مليار جنيه، مع الالتزام بتحسين هيكل الأجور لضمان نمو حقيقى يتجاوز معدلات التضخم التى تأثرت بشكل مباشر بتكاليف الشحن والطاقة الإقليمية. وبذلك، تقدم الموازنة الجديدة رؤية تقنية لإدارة المخاطر، توازن فيها بين الالتزامات الدولية لخفض المديونية وبين الضرورات المحلية للاستقرار الاجتماعي.
المستهدفات الطموحة لمشروع موازنة العام المالى القادم (يوليو 2026 -يونيو 2027)- تطرحها الحكومة فى ظل واقع اقتصادى عالمى هش فرضته الحرب الإيرانية الأمريكية، حيث تراجعت توقعات صندوق النقد لمعدلات النمو إلى نحو 2.9 فى المائة، بدلاً من 3.3 فى المائة كمعدل سابق للحرب، بالتزامن مع تصاعد معدلات التضخم عالمياً إلى قرابة 4 فى المائة، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد عقب حرب إيران، وما صاحبها من ضغوط على حركة التجارة وتكاليف الشحن.
كما تشهد الأسواق المالية ارتفاعاً فى تكلفة الاقتراض، فى ظل مستويات دين عالمية قياسية تتجاوز 348 تريليون دولار، بما يخلق اقتصاداً عالمياً مضطرباً يفرض تحديات إضافية أمام الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر؛ وهو ما يطرح تساؤلات حول أولويات الموازنة الجديدة وقدرة السياسات المالية المنبثقة عنها فى تحقيق المستهدفات العامة لها.
وحول الأهداف العامة لموازنة العام المالى الجديد وأولوياتها، قالت منى عبد السلام، محلل الاقتصاد الكلى بأحد بنوك الاستثمار، إن «الموازنة للعام المالى 2026-2027 تمثل رؤية طموحة للحكومة المصرية لمواجهة التحديات الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة. من خلال التركيز على الانضباط المالي، وترشيد الإنفاق، وتنمية الموارد، وتعزيز الحماية الاجتماعية، تسعى الموازنة إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة».
وأوضحت «عبد السلام» أن «المرتكزات الرئيسية لمشروع موازنة العام المالى القادم تتضمن أربعة أهداف، هي: تحقيق شراكة حقيقية بين وزارة المالية ومجتمع الأعمال، إلى جانب استهداف سياسة مالية متوازنة تضمن استمرار الانضباط المالى بالتوازى مع مساندة النشاط الاقتصادى وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى وضع استراتيجية متسقة ومتكاملة تضمن تحسن مؤشرات المديونية وخفض أعباء خدمة الدين على المدى المتوسط، وأخيراً تعزيز جهود الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية ورفع مستوى معيشة المواطن».
وحول آليات الانضباط المالى وترشيد النفقات، يشير منشور إعداد مشروع الموازنة -الذى حصلت «المصور» على نسخة منه- إلى أن الحكومة وجهت جميع أجهزة القطاع الإدارى والقطاع العام لترشيد النفقات الحكومية نفسها من خلال رؤية عامة تركز على كفاءة الإنفاق العام، وتستند هذه الرؤية إلى خفض مدفوعات الفوائد لتهيئة مساحة مالية تتيح زيادة مخصصات الإنفاق الأولى فى القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، مع وضع سقف مالى سنوى ملزم للاستثمارات العامة؛ لضمان إفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة وتحفيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتسق مع التوجهات الرامية لزيادة الصادرات وتعزيز القاعدة الصناعية.
كما تشمل إجراءات ترشيد الإنفاق الحكومى استبعاد بنود الإنفاق التى لا ترتبط بشكل مباشر بالأهداف التشغيلية للجهات الرسمية، حيث وجه منشور إعداد الموازنة جميع أجهزة القطاع الإدارى للتشديد على السفر للخارج وقصرته على المهام الرسمية الضرورية، مع تحميل الجهات الداعية التكاليف كلما أمكن ذلك، أيضاً امتدت إجراءات الضبط؛ لتشمل حظر الإعلانات والدعاية والمجاملات المدفوعة الأجر، مع إلزام المؤتمرات والمهرجانات بتغطية تكاليف إقامتها ذاتياً، باستثناء الفعاليات ذات الصبغة السياسية أو القومية، بالإضافة إلى توجيه الجهات الحكومية بضرورة استنفاد المخزون السلعى الراكد لديها قبل الشروع فى أية تعاقدات جديدة للشراء.
وعلى مستوى الأصول والاستثمارات، تتبنى الموازنة سياسة إحلال وتجديد تعتمد على المنتج المحلي، حيث حظرت شراء سيارات الركوب (الصالون، والجيب، والاستيشن) إلا من الإنتاج الوطني، مع التوسع فى تحويل المركبات للعمل بالغاز الطبيعى بدلاً من تسييرها بالبنزين والسولار. كما وضعت الوثيقة حداً للتوسع فى المشروعات الاستثمارية القائمة التى تمتلك طاقات غير مستغلة، ومنعت إدراج اعتمادات لصيانة وتشغيل المقرات القديمة للجهات التى تم نقلها بالكامل للعاصمة الإدارية الجديدة، فضلاً عن تقنين استخدام الطاقة والمياه والاتصالات. وتكتمل هذه المنظومة بحظر تخصيص أية مكافآت تحت مسمى «أبحاث أو دراسات» أو نفقات إيرادية مؤجلة تتعلق بالمكافآت بغرض زيادة نظم الإثابة للعمالة الدائمة بموازنة الجهة إلا ما هو مرتبط بالمشروعات الاستثمارية.
وحول إمكانية نجاح مشروع الموازنة الجديد فى تحقيق أهدافه الرئيسية فى ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية العالمية مجهولة المدى، قال الدكتور على عبد الرءوف الإدريسي، أستاذ الاقتصاد، إن الموازنة العامة للعام القادم أمام معادلة صعبة؛ فهى تحاول تحقيق الانضباط المالى وتوفير احتياجات المواطنين، وكذلك السيطرة على التضخم العام، وهو ما يمثل تحدياً فى ظل الوضع الاقتصادى العالمى الحالى الذى دفع الحكومة لاتخاذ عدة إجراءات تقشفية حتى قبل الموازنة الجديدة لتقليل آثار التداعيات العالمية على السوق المحلى.
وأوضح «عبدالرءوف»، أن «مشروع الموازنة يستهدف زيادة الإيرادات العامة بحوالى 27 فى المائة عن العام المالى الحالي، من خلال زيادة نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلى الإجمالى لتصل إلى نحو 15.2 فى المائة بحلول العام المالى 2029-2030، مقارنة بنسبة 12.3 فى المائة فقط فى العام المالى 2024-2025، بالإضافة إلى الالتزام بتحويل الفوائض من قبل كافة الجهات، واستخدام حصيلة بيع الأصول والتخارج»، لافتاً إلى أن زيادة الإيرادات ليست أمراً صعباً فى ظل وضع اقتصادى مستقر عالمياً ومحلياً، ولكن تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية تجعل من زيادة الإيرادات العامة مهمة صعبة وليست مستحيلة؛ نظراً لأن الإجراءات التقشفية ستكون متبوعة بطبيعة الحال بخفض نمو النشاط الاقتصادى من جانب، كما أن زيادة معدلات التضخم ستدفع معدلات الطلب على السلع والخدمات للتراجع، مما يؤدى لخفض معدلات نمو الأنشطة التجارية المختلفة، وبالتالى تراجع أرباحها بشكل نسبى مما يهدد نمو الحصيلة الضريبية».
وفى السياق نفسه، يصف «الإدريسى» استهداف مشروع الموازنة لخفض الدين العام بـ«الأمر الإيجابى»، موضحاً أن «الحكومة كانت قد أعلنت عن خطة خفض الدين العام، والتى تتمثل فى وضع مسار دين أجهزة الموازنة للناتج المحلى الإجمالى فى مسار انخفاض قوي؛ ليصل إلى أقل من 70 فى المائة بحلول العام المالى 2029-2030. كما تهدف الخطة إلى خفض فاتورة الدين لتصل إلى 35 فى المائة من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، بالإضافة إلى خفض نسبة الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة بنحو 10 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى على المدى المتوسط».
وعلى صعيد الالتزامات الدولية، تستهدف الموازنة خفضاً سنوياً للدين الخارجى لأجهزة الموازنة قدره 1-2 مليار دولار، إلى جانب تنويع مصادر وأدوات وأسواق التمويل، والعمل على خفض تكلفة الاقتراض المحلي، والاعتماد على الاقتراض الخارجى الميسر بدلاً من الاقتراض التجاري؛ وهو ما يمثل محاولة لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة وتأمين مسار أكثر استدامة للمالية العامة للدولة.
وبذلك تضع موازنة 2026-2027 الاقتصاد المصرى أمام مرحلة «إدارة المخاطر القصوى»؛ فهى موازنة صِيغت بأدوات تقشفية حادة لتناسب واقعاً إقليمياً متفجراً، مراهنةً على أن الانضباط المالى وترشيد الإنفاق الحكومى هما السبيل الوحيد للحفاظ على استقرار الجنيه ومحاصرة التضخم، وبين مستهدفات طموحة لخفض الدين وأرقام ضخمة للحماية الاجتماعية، تبقى العبرة فى قدرة السياسات المالية على الصمود أمام «متغيرات الحرب» التى لا تزال تعيد رسم خارطة التكاليف والفرص فى المنطقة، مما يجعل من نجاح هذه الموازنة ضرورة قومية لتجاوز واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية فى العصر الحديث.