أعرب الرئيس الأوكرانى عن قلقه إزاء تداعيات الحرب فى الشرق الأوسط على الصراع بين كييف وموسكو، مؤكدًا فى مقابلة مع «رويترز» أن «إدارة الرئيس ترامب تمارس ضغوطًا على أوكرانيا للتنازل عن أجزاء من دونباس الشرقية الذى لا يزال الجيش الأوكرانى يسيطر عليها مقابل ضمانات أمنية أمريكية».
«زيلينسكي»، صرح أيضا بأن «روسيا سعت لابتزاز الولايات المتحدة من خلال عرض وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية مع إيران، مقابل أن تقطع واشنطن فى المقابل معلوماتها الاستخباراتية عن أوكرانيا، وهو ما تنفيه موسكو».
وقد أبرزت مقابلة الرئيس الأوكرانى مع وكالة «رويترز» مدى التباعد بين موقفى كييف وموسكو فى محادثات السلام، التى تعثرت منذ بدء الحرب فى إيران أواخر الشهر الماضي، ويتوافق الموقف الأمريكى مع مطلب روسى يقضى بأن تتخلى أوكرانيا عن منطقة تُقدر بنحو 50 ميلًا طولًا و40 ميلًا عرضًا فى إقليم دونيتسك، وهو جزء من دونباس الأكبر، كشرط لإنهاء الحرب. بينما ترفض أوكرانيا ذلك، معتبرة أن التخلى عن هذه المنطقة المحصنة بشدة سيمنح روسيا نقطة انطلاق لشن هجمات مستقبلية قد تهدد أوروبا أيضًا، وفقًا لما أفادت به صحيفة «نيويورك تايمز».
تاريخيًا.. لطالما كان وضع «دونباس» إحدى أكثر القضايا تعقيدًا فى أى نقاش حول السلام بين أوكرانيا وروسيا، وعند اندلاع الحرب عام 2022، طالب الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أوكرانيا بالاعتراف بأجزاء من المنطقة كدول انفصالية تُدار عبر وكلاء روس. فى ذلك الوقت، اعتُبرت هذه المطالب، إلى جانب الدعوات بالاعتراف بشبه جزيرة القرم والتخلى عن الانضمام إلى حلف الناتو، غير مقبولة فى كييف. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأى مؤخرًا أن عددًا متزايدًا من الأوكرانيين يُقر الآن باحتمالية خسارة البلاد للمنطقة، رغم أن الجيش يرفض أى اقتراح بالانسحاب.
ودعت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبى للشئون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، الولايات المتحدة إلى تصعيد الضغط الاقتصادى على الكرملين، الذى يستفيد من ارتفاع أسعار النفط نتيجةً لهذا الصراع، مشددة على ضرورة عدم نسيان أوكرانيا فى ظل تصدر الحرب فى الشرق الأوسط جدول الأعمال الجيوسياسى فى اجتماع مجموعة السبع، ويأتى ذلك فى الوقت الذى خفف فيه البيت الأبيض العقوبات المفروضة على النفط الإيرانى والروسي، فى محاولة لتهدئة أسواق الطاقة المضطربة، مما أثار استياءً واسعًا بين الأوروبيين.
وقد أدى الارتفاع الكبير فى أسعار النفط إلى عكس مسار التراجع الذى أثقل كاهل الاقتصاد الروسي. والآن، تبرز موسكو كفائزة من فوضى الطاقة العالمية، وفى غضون ذلك، أدى تصاعد حدة الحرب فى الشرق الأوسط إلى تغيير جذرى فى الطلب العالمى على الأسلحة والذخائر، مما يُهدد بتعقيد حصول أوكرانيا على أنظمة الدفاع الجوى التى تحتاجها لصد النيران الروسية.
فى سياق متصل، تتصاعد حدة الهجمات المتبادلة بين «موسكو» و«كييف» مستهدفة بشكل كبير منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، حيث شنت القوات الروسية هجومًا ربيعيًا واسع النطاق فى شرق أوكرانيا، مستخدمة أكثر من ألف طائرة مسيرة، وعشرات الدبابات والمركبات المدرعة. فى المقابل، استهدفت «كييف» مصافى نفط وموانئ روسية بالمسيرات لتقويض مكاسب «موسكو» من ارتفاع أسعار النفط.

فى هذا السياق، قال بسام البني، الكاتب الصحفى والباحث السياسى من موسكو، إن «هذه من أكثر القضايا تعقيدًا فى المشهد الجيوسياسى الراهن، حيث تداخلت جبهتا أوكرانيا والشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، فقد كشف الرئيس زيلينسكى أن إدارة ترامب تربط تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا بشرط أساسى هو التخلى عن منطقة دونباس لصالح روسيا، ورغم اعتراف زيلينسكى بوجود هذا الموقف الأمريكي، فإنه شدد على أن الجزء الشرقى من بلاده يُعد جزءًا من ضماناته الأمنية»، مشيرًا إلى صعوبة قبول هذا الشرط. حيث تعتبر كييف أن التنازل عن الأراضى دون الحصول على ضمانات قوية قد يشجع موسكو على شن هجمات جديدة فى المستقبل، مع أن روسيا لا تريد ذلك لأسباب عديدة.
وأضاف «البني» أن «المسئولين الروس، بمن فيهم المبعوث الخاص كيريل دميترييف، أبدوا ارتياحًا كبيرًا لهذه التصريحات، معتبرين أن زيلينسكى أدرك أخيرًا أن الدعم الأمريكى مشروط بانسحاب أوكرانيا من دونباس».
وتابع أن «الحرب الأمريكية - الإسرائيلية» على إيران، التى اندلعت أواخر فبراير، أعادت تشكيل الأولويات الدولية بشكل جذري، مما أثر بشكل مباشر على مسار الحرب فى أوكرانيا، حيث دخلت المفاوضات الثلاثية (أمريكا- روسيا-أوكرانيا) «منطقة الخطر» وتم تعليقها فعليًا. وتم تأجيل الجولة المقررة فى أبوظبى فى الخامس من مارس بشكل غير محدد، وأعلن الكرملين أن المجموعة الثلاثية فى «توقف ظرفي».
وأوضح الباحث السياسى أن «واشنطن أصبحت تركز مواردها العسكرية والدبلوماسية على العملاء فى الشرق الأوسط، ما أدى إلى تأخير شحنات الأسلحة الحيوية لأوكرانيا، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي، حيث أعطت الولايات المتحدة الأولوية للاحتياجات فى الشرق الأوسط، وفى ظل انشغال الإدارة الأمريكية، توقفت واشنطن عن فرض عقوبات جديدة على قطاع الطاقة الروسي، ما سمح لموسكو بالاستفادة من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب فى الشرق الأوسط (حوالى 150 مليون دولار إضافية يوميًا) .
كما لاحظ المراقبون أن «الرئيس ترامب امتنع عن انتقاد روسيا أو فرض ضغوط عليها فى سياق حرب إيران، بينما بدا أن الرئيس بوتين يتبنى موقفاً «صديقاً» تجاه واشنطن. هذا التبادل الإيجابي، كما يصفه مسئولون أوروبيون، يهدف إلى إعطاء موسكو أفضلية فى المفاوضات المستقبلية. مؤكدًا أنه مع انشغال واشنطن، أصبحت أوكرانيا فى موقع الضعيف. وقد أعرب الرئيس ترامب مرارًا عن «خيبة أمله» من «زيلينسكي»، محملاً إياه مسئولية تعثر المفاوضات.
وختم «البني» حديثه بقوله: الأمور تسير نحو فرض تسوية تحت الضغط، حيث تحاول واشنطن إنهاء الصراع بسرعة - حتى لو كان ذلك على حساب تنازلات أوكرانية إقليمية- لتتمكن من التركيز بشكل كامل على الملف الإيراني، بينما تحاول روسيا استغلال هذا الانشغال لتحقيق أقصى مكاسبها على الأرض.