توالت ردود فعل قوية على مقالتى السابقة التى تطالب بتأسيس هيئة وطنية مستقلة للتراث الثقافى غير المادى، تتمتع بشخصية اعتبارية، وتتبع مجلس الوزراء، ويحميها قانون نافذ. هناك منْ تحمس للفكرة بوصفها ضرورة ملحة، وليس مجرد رفاهية ثقافية. وهناك منْ اعتبرها مشروعا وطنيا وجب على الدولة المصرية تبنيها والبدء فى تأسيسها. والبعض طرح قضية جدلية حول تبعية الهيئة المقترحة. هل وزارة الثقافة أحق بإدارتها أم أنها تحتاج إلى صلاحيات مجلس الوزراء الأكبر والأكثر تأثيرًا على بقية الوزارات والجهات التى تعمل كالجزر المنفصلة فى المجال التراث غير المادى فى مصر. مما أثار شجون آلاف ممن يحملون شعلة التراث الإنسانى المتناثر ويحلمون باليوم الذى يتأسس فيه كيان واحد قوى يحتضن كل ما تملكه بلادنا من كنوز بشرية حية. ويكون قادرا على تحويل تلك الذاكرة المتوارثة المهددة بالاندثار إلى قوة فاعلة داخل المجتمع وذات أبعاد اقتصادية كبيرة. بشكل يمكنها من صون تراث الآباء والأجداد ومواصلة مسيرته الحياتية بين الأبناء والأحفاد والمجتمع ككل.
على الرغم من الثراء المذهل للتراث غير المادى فى مصر، إلا أنه يبدو كأرخبيل من الجزر المنعزلة، كل جزيرة تمتلك كنزا خاصا بها يحوى تاريخا ممتدا من التفاعل الإنسانى، حرفا يدوية، فنونا شعبية، أو حتى طقوسا احتفالية، فى ظل غياب رؤية واضحة أو جسر يربط بين تراث تلك الجزر المتناثرة. وتلك هى المشكلة فى كل أرجاء مصر من النوبة، سيوة، وحتى وسط أحياء القاهرة القديمة، حيث تتجاور عوالم التراث الشعبى المتوارث دون أن تتلاقى، مبادرات فردية هنا، مشروعات فنية وثقافية متفرقة هناك، جمعيات ومؤسسات وكيانات أهلية، كلها محاولات فردية قد تندرج تحت إطار مؤسسات الدولة أو وزاراتها، لكن تتفرق فيما بينها دماء التراث، فتظل محدودة الأثر وسريعة التلاشي. خاصة أنهم يتنافسون إلى حد التناحر، عندما يتحول ما تصنعه أياديهم إلى سلع يمكن بيعها داخل السوق المحلى أو الخارجي، كل ذلك، نتيجة طبيعية لعدم وجود هيئة أو كيان قانونى يجمع شملهم وينظم نشاطهم ويحميهم بشكل يضمن الاستدامة.
لذا فإن مشروع تأسيس هيئة وطنية مستقلة لا يعنى جمع البيانات فقط، إنما إعادة رسم خريطة التراث غير المادى المصرى بأكمله، بحيث تتحول تلك الجزر المتناثرة هنا وهناك إلى شبكة متصلة من تبادل الخبرات والمعارف لضمان استمراريتها بشكل قادر على بناء ذاكرة وطنية موحدة. وهنا تكمن الحاجة إلى تحديد «جهة التبعية» التى تحدد مصير الهيئة كتفصيلة، ليست إدارية فقط لكنها فاعلة ومؤثرة فى بناء الهيئة ككيان قادر على القيام بالمهام الصعبة.
وهنا يأخذنا الحديث إلى وزارة الثقافة المصرية على اعتبار أنها من أهم الجهات الحكومية المعنية بالهوية الثقافية الوطنية، فهل تتبع الهيئة وزارة الثقافة على اعتبار أنها منوطة بتراث يرتبط بالهوية الثقافية؟ خاصة أنها الوزارة التى تأسست بشكل مستقل فى عام 1965 بغرض بناء منظومة قيم ثقافية إيجابية تقوم على احترام التنوع والاختلاف، وتمكين الإنسان المصرى من الوصول إلى المعرفة والإبداع، وتعزيز تفاعله مع معطيات العصر. وكان من أهم مساعيها، طبقا لتعريفها لدورها، هو ترسيخ الوعى بتاريخ مصر وتراثها الحضارى؛ كى يصبح للثقافة دور فاعل فى دعم التنمية الشاملة، ومصدر لقوة مصر الناعمة إقليميا ودوليا. وبالتالى فإنها الوزارة المعنية بتعزيز الانتماء للهوية المصرية والارتقاء بالحياة الثقافية من خلال دعم المبدعين والموهوبين، ونشر الفنون والآداب دون تمييز، وتحقيق العدالة الثقافية فى مختلف ربوع مصر.
للوهلة الأولى يبدو أن وزارة الثقافة هى الأحق بالتبعية، لكننا نجد أنفسنا أمام مشكلتين أساسيتين فى التعامل مع التراث كملف ثقافى فقط هما: تضييق نطاق التراث على الثقافة فقط، بالرغم من تقاطعه مع السياحة، التنمية المحلية، التعليم، الصناعة، التضامن الاجتماعى، الاستثمار والتجارة. وبالتالى فإن إلحاق الهيئة بالثقافة قد يضعها فى إطار الفعاليات والأنشطة بدلا من تحوله إلى مشروع تنموى شامل.
علاوة على مخاطر تزايد البيروقراطية وفقدان الاستقلالية المطلوبة فإذا نظرنا داخل وزارة الثقافة نجدها تحوى عددا من الجهات المعنية بالتراث غير المادى متناثرا كالجزر بين مختلف أذرعها. المجلس الأعلى للثقافة يحتضن لجانا تتابع كل ما يخص التراث غير المادى بتنويعاته، صندوق التنمية الثقافية يحتضن مركز الفسطاط للحرف اليدوية التراثية وبيت التراث المصري، الهيئة العامة لقصور الثقافة تضم لجانا متخصصة فى التراث الشعبى غير المادي، قطاع الفنون التشكيلية يحتضن مركزا للتدريب على الحرف التراثية داخل وكالة الغورى، أطلس الفلكلور، ومعهد الفنون الشعبية التابع لأكاديمية الفنون، وغيرها من الجهات والفعاليات والأنشطة والمعارض المعنية. كلها جهود مبذولة لكنها تسير على طريق طويل غير ممهد يحتاج بشكل ملح إلى الكيان الجديد الذى نقترحه من أجل توفير الحماية الكاملة لكل ما يندرج تحت مسمى «تراث مصر غير المادي».
فى حين نجد أن تبعية الهيئة لمجلس الوزراء من شأنه فتح مجالات التعاون والتنسيق فى المجالات المعنية بالتراث غير المادي؛ حيث إن طبيعة التراث أنه متشابك مع عدة جهات وعابر للوزارات. فهو يحتاج إلى السياحة للتسويق، وإلى الصناعة لدعم الحرف، والتعليم لضمان نقل المعرفة، وللتنمية المحلية لتمكين المجتمعات، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال جهة تملك سلطة التنسيق، وجرأة إصدار القرارات، والقدرة على التمويل. وبالتالى فإن مجلس الوزراء والهيئات التابعة له يحظى بمرونة أكبر فى توفير التمويل وإطلاق المبادرات القومية أو حتى الشراكات الدولية، وبالتالى التعامل مع التراث كملف قومى لا مجرد نشاط ثقافي.
تبعية الهيئة لمجلس الوزراء يجب أن يستمر كأسلوب إدارى ذكي، ويتجنب فقدان الصلة بالواقع الذى يعيشه أهل التراث غير المادى حتى لا تصبح مجرد كيان إداري. لذا وجب أن تتضمن الهيئة مجلس إدارة متعدد التخصصات فيه خبراء تراث، ممثلون عن وزارات الثقافة والسياحة والصناعة والمجتمعات المحلية.
وهنا لا يقتصر دور الهيئة المقترحة على تسجيل العناصر أو إعداد الملفات الدولية كما هو الحال اليوم، بل يمتد إلى إدارة دورة الحياة الكاملة للتراث غير المادى وأهله وصانعيه ومبدعيه فى كل محافظات مصر. وبالتالى يكون لتلك الهيئة القدرة والأدوات اللازمة لجمع ما تملكه بلادنا من تراث غير مادي. والحرص على الجمع والتسجيل والتوثيق كل ما هو موروث. وإنشاء سجل قومى يحوى كل المعلومات عن هذا التراث. والأهم هو احتضان البشر المبدعين حاملى التراث واعتبارهم «كنوزا بشرية حية»، وهو المفهوم الذى تبنته منظمة اليونسكو لحماية التراث غير المادي، والذى لا يزال بحاجة إلى تفعيل مؤسسى واضح، علاوة على توثيق كل ممارساتهم وإبداعاتهم واعتماد برامج نقل وتدريب لضمان توارث ما يملكون من تراث. بل المطلوب من تلك الهيئة يتجاوز ذلك، حيث إنها منوطة بتعليم الأجيال الجديدة، وخلق فرص عمل حقيقية تحقق دخلا ماديا لهم، وتوفير حماية اجتماعية لهم، وضمان وجود نظام تأمين صحى واجتماعى شامل يضمن لهم حياة كريمة. ووضع خطط استراتيجية لدعم الصناعات الإبداعية التراثية. فمن غير المنطقى أن يظل أصحاب تراثنا الحى ينتظرون بيع قطعة من منتجاتهم أو تقديم عرض من فنونه؛ كى يحصلوا على دخل يقتاتون عليه. من المهم الاعتراف بالملكيات الفكرية لتلك المعارف التقليدية وحمايتها وتقديرها ماديا بشكل جيد يضمن استمرارها على قيد الحياة وتوريثها للأجيال المقبلة.
وبناء عليه، أقترح أن تتكون تلك الهيئة الوطنية من ثلاثة أقسام. الأول يضم لجنة عليا لإدارة شئونها، وتنظيم العمل داخلها واتخاذ القرارات المصيرية، وضع قانون منظم تمهيدا لعرضه وإقراره، على أن تتكون اللجنة العليا من عدد محدد من أساتذة التراث الشعبى وغير المادى والمعنيين والمهمومين بالأمر وممثلى الوزارات المعنية. ثم يأتى القسم الثانى ليتضمن اللجان والشعب التى يندرج فيها كل أنواع التراث من غناء، موسيقى، أداء، طقوس، أكل وغيرها من تنويعات التراث المصري. والأهم هو القسم الثالث وفيه تقوم الهيئة بضم كل منْ يحمل تراثنا الوطنى على كاهله أبا عن جد ويمارسه فى بيئته الأصلية. وهو الأمر الذى يجعله وأبناءه بعده، يشعرون بقيمة ما يحملون من تفاصيل حياتهم. فالتحدى الحقيقى اليوم هو توفير حياة كريمة لهم وتحقيق مكاسب مادية لما تصنعه أياديهم، من أجل ضمان استمرار الذاكرة اليومية لتراث مصر. فالمطلوب هو إنشاء سجل وطنى للكنوز البشرية وتقديم دعم مالى ومعنوى لهم وإدماجهم فى برامج تدريبية لنقل خبراتهم للأجيال الجديدة، إلى جانب توثيق معارفهم بالصوت والصورة والنص. كلها خطوات ملحة كى نحفظ التراث ونعيد إليه الحياة عبر استمرارية حامليه.
بعد تأسيس الهيكل التنظيمى للهيئة المقترحة، يظهر الدور الاقتصادى للتراث غير المادي. حيث إنه ينطوى على موارد مادية تمثل استثمارا حقيقيا كبيرا يسهم بنسبة ضخمة فى الناتج القومى للدولة. ما ينتجه ويصنعه حاملو التراث من حرف يدوية، فنون شعبية، المأكولات التقليدية، الطقوس والاحتفالات وغيرها من عناصر قادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد الوطني. وبالتالى ضرورة ربط الحرفيين بالأسواق الحديثة، تطوير التصميم مع الحفاظ على الهوية التراثية، دعم الصناعات الثقافية الصغيرة، الحرص على دمج التراث فى خطط التنمية الثقافية. كى تصبح الهيئة المقترحة جهة «حافظة» للتراث، و«محركا» للاقتصاد الثقافى بشكل يعزز مفاهيم التنمية المستدامة.
ولو عدنا إلى تجارب الدول التى سبقتنا ونجحت فى تحويل تراثها إلى قوة اقتصادية ناعمة، نجد أن دولة مثل المغرب نجحت فى تحويل الحرف التقليدية إلى صناعة قائمة على التصدير. وفى اليابان، كرمت الدولة كبار الحرفيين لديها ومنحتهم ما يستحقونه من مكانة اجتماعية واقتصادية رفيعة. فى حين اعتبرت فرنسا بعض المأكولات وفنونها الغذائية جزءا أصيلا من هويتها الوطنية. وهو ما يعنى أن الاستثمار التراثى لا يعنى دعم الاستهلاك فقط لكنه يهتم بطريقة إدارته بشكل واعٍ.
الخلاصة أن تأسيس هيئة وطنية مستقلة للتراث غير المادى ليس مجرد إجراء إدارى بل خطوة مهمة لتعريف ذاكرتنا الحية، وهى دعوة للتعامل مع ماضٍ بحفاوة وإعادة استثماره كمورد رزق للبشر وللدولة فى آن واحد.
وللحديث بقية.