فى وقت تتسابق فيه الدول لتعظيم عوائدها من الصادرات غير التقليدية، تبرز صناعة تجفيف الخضر والفاكهة كأحد أهم المسارات الواعدة التى بدأت مصر فى استغلالها بقوة خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن كان «التجفيف» مجرد وسيلة بدائية لحفظ الطعام فى البيوت والقرى، أصبح اليوم صناعة متكاملة تفتح أبوابًا واسعة لجذب العملة الصعبة، وتعزيز القيمة المضافة للإنتاج الزراعى.
مع التغيرات المتسارعة فى أنماط الاستهلاك عالميًا، واتجاه الأسواق نحو المنتجات المجففة والمجمدة باعتبارها أكثر ملاءمة من حيث التخزين والنقل، وجدت مصر فرصة حقيقية للانطلاق فى هذا المجال، مستفيدة من وفرة إنتاجها الزراعى وتنوع محاصيلها، وتأتى «الطماطم» فى صدارة هذا التحول بلا منازع، إلى جانب قائمة متزايدة من الخضر والفاكهة التى دخلت مؤخرًا دائرة التصنيع.
تشهد منطقة حبال المطاعنة بمدينة إسنا جنوب غرب الأقصر لأول مرة فى مصر بدء موسم تجفيف وتخليل الفلفل الأحمر والأخضر تمهيدا لتصديره للأسواق التى يتم تصدير الفلفل الحار لها بعد تجفيفه، أكبرها السوق الأمريكى. كما توجد أسواق أوروبية ومنها إيطاليا وألمانيا وفرنسا، ويأتى ذلك بعد النجاح الكبير فى تصدير الطماطم المجففة خلال السنوات الماضية.
وفى هذا السياق، قال حاتم نجيب، رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة: إن «إعادة توجيه المنتجات الزراعية نحو عمليات التجفيف أو التجميد تمثل خطوة استراتيجية تدعم الاقتصاد بشكل مباشر»، موضحًا أن «هذه الصناعة لا تقتصر أهميتها على الحفاظ على المحاصيل فحسب، لكنها تسهم فى زيادة حجم التداول داخل السوقين المحلى والخارجى، حيث إن إدخال قيمة مضافة على الخضر والفاكهة من خلال التجفيف أو التجميد يرفع من قدرتها التنافسية، سواء فى مواجهة المنتجات المستوردة محليًا أو فى الأسواق التصديرية، هذا فضلا عن أن هذه العمليات تفتح آفاقًا واسعة لخلق فرص عمل جديدة فى مجالات التصنيع والتعبئة والنقل والخدمات اللوجستية».
«نجيب»، أوضح أن «التوسع فى هذا القطاع من شأنه تقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية، خاصة فى مواسم الذروة، وتحقيق استفادة اقتصادية أكبر من الإنتاج المحلى»، مؤكدًا أن «مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتعزيز مكانتها فى سوق المنتجات الزراعية المصنعة، إذا ما تم دعم هذه الصناعة بالتكنولوجيا الحديثة وتيسير إجراءات الاستثمار والتصدير، حيث إن أنماط الطلب العالمى على المنتجات الزراعية لم تعد تقتصر على الخضراوات الطازجة فقط، لا سيما أن هناك أسواقًا تفضل استيراد المنتجات فى صورة مجمدة، بينما تتجه أسواق أخرى إلى الخضراوات المجففة وفقًا لطبيعة الاستهلاك وسلاسل الإمداد لديها».
كذلك، شدد «نجيب»، على أن «تنويع أشكال التصدير بين الطازج والمجمد والمجفف يعزز من القدرة التنافسية للمنتج المصرى فى الأسواق الخارجية، ويسهم فى زيادة العائد من العملة الأجنبية، إلى جانب دوره فى توفير فرص عمل جديدة والتوسع فى إقامة مشروعات مرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية، حيث إن الاستثمار فى هذا القطاع يمثل فرصة حقيقية لتعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعى، وتحويله من مجرد خام يصدر فى صورته الأولية إلى منتجات ذات قيمة مضافة قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية أكبر».
«نجيب»، أكد أن «الطماطم تعد من أبرز المحاصيل التى تحقق فيها مصر وفرة إنتاجية كبيرة، ما يتيح توجيه كميات ضخمة منها لعمليات التصنيع والتجفيف، كما أنها من أهم السلع التى تشهد طلبًا متزايدًا فى الأسواق الخارجية، وتتصدر محافظة أسوان خريطة تجفيف الطماطم فى مصر، مستفيدة من طبيعة مناخها الجاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يجعلها بيئة مثالية لعمليات التجفيف الطبيعى بجودة عالية.
وأضاف رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة: هناك توسع ملحوظ فى تجفيف عدد من الفواكه إلى جانب الخضراوات، مثل التين والمشمش والخوخ والبرقوق والبلح والتمور، وهذه المنتجات تمثل اتجاهات جديدة فى السوق وتلقى قبولاً متزايدًا لدى المستهلكين فى الخارج.
من جانبه أكد المهندس عبدالكريم دياب، المسئول عن منشر الطماطم المجففة بمحطة الفرز التابعة لوادى النسيم، أن «الطماطم تعد من أبرز المحاصيل التصديرية فى مصر، حيث جاءت ضمن قائمة أهم 10 محاصيل يتم تصديرها طازجة»، مشيرًا إلى أن «حجم صادراتها تجاوز 67 ألف طن خلال عام 2025، كما أن الأهمية الاقتصادية للطماطم لا تقتصر على تصديرها فى صورتها الطازجة فقط، بل تمتد إلى ما تحققه من قيمة مضافة كبيرة من خلال عمليات التصنيع، سواء فى صورة مركّزات الطماطم أو الطماطم المجففة، وصادرات هذه المنتجات المصنّعة تتجاوز 100 مليون دولار سنويًا».
«دياب»، أوضح أن «التوسع فى تجفيف وتصنيع الطماطم يمثل أحد المسارات الواعدة لتعظيم الاستفادة من الإنتاج المحلى، خاصة فى ظل وفرة المحصول خلال مواسم الذروة، وهو ما يسهم فى تقليل الفاقد وزيادة العائد الاقتصادى من المحصول، حيث إن مصر تحتل حاليًا المركز الثانى عالميًا فى إنتاج الطماطم المجففة، بعد الصين التى تتصدر هذا المجال، وهو ما يعكس التطور الكبير الذى شهدته هذه الصناعة خلال السنوات الأخيرة»، مشيرًا إلى أن «الطماطم المجففة المصرية تصدر إلى عدد من الأسواق العالمية المهمة، من بينها دول الاتحاد الأوروبى وعلى رأسها إيطاليا، إلى جانب الولايات المتحدة والبرازيل وعدد من الدول العربية، نظرًا لجودتها العالية وتوافقها مع متطلبات هذه الأسواق؛ إذ إن الأهمية المتزايدة لهذا المنتج ترجع إلى استخداماته الواسعة فى الصناعات الغذائية، حيث تدخل الطماطم المجففة فى إعداد الصلصات والوجبات الجاهزة، وتعد مكونًا أساسيًا فى صناعة البيتزا والعديد من الأطعمة العالمية، ما يجعل الطلب عليها مستمرًا ومتناميًا فى الأسواق الدولية».
وأضاف «دياب»، أن «النجاح الكبير الذى حققته تجربة تجفيف الطماطم خلال السنوات الماضية شجع على نقل هذه التجربة إلى عدد من المحاصيل الأخرى، فى إطار تعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعى، حيث إن الباذنجان الأسود يأتى فى مقدمة هذه المحاصيل المرشحة بقوة للتجفيف، نظرًا لتوافره بكميات كبيرة فى السوق المحلى، ومصر تحتل المركز الثالث عالميًا فى إنتاجه بعد الصين والهند، بإجمالى إنتاج يقترب من 1.5 مليون طن سنويًا، والتوسع فى تجفيف محاصيل جديدة يفتح آفاقًا واعدة أمام الصناعات الغذائية، ويسهم فى زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، إلى جانب تقليل الفاقد وتحقيق عوائد اقتصادية أعلى من خلال التصدير».