دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية أسبوعها الخامس على مشهد متصاعد، يوحي بطول استمرار الضربات، دون هدنة يُبحث عنها لتجنب تداعيات أكثر مأساوية تتجاوز بكثير حدود الإقليم، لتمتد إلى العالم بأكمله، لا سيما اقتصاديًا، إزاء التوتر عند مضيق هرمز.
واستُهلّ الأسبوع الخامس بدخول جماعة أنصار الله «الحوثي» في اليمن إلى الحرب، عبر استهداف العمق الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على توجه الولايات المتحدة إلى شن عمل بري ضد إيران، لا سيما بعد وصول نحو 3500 جندي أمريكي إلى المنطقة.
وفي المقابل، تتواصل جهود باكستانية مصرية تركية، بحثًا عن تسوية لهذه الحرب، بهدف تجنيب الإقليم الانزلاق إلى فوضى شاملة، وتداعياتها الوخيمة على الاقتصاد العالمي.
بيد أن خبراء يقولون، في حديث لـ«دار الهلال»، إن المشهد لا يشي بتسوية قريبة لهذا الصراع، في ظل تضاد الرغبات بين الأطراف وتضارب التصريحات، لا سيما من الجانب الأمريكي.
وهو ما يتقاطع مع حديث رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، حيث قال إن «العدو يبعث برسائل لإجراء الحوار والمفاوضات في العلن، بينما يخطط سرًا لتنفيذ هجوم بري».
ويتقاطع ذلك ميدانيًا أيضًا مع تحرك الولايات المتحدة نحو حشد قوة عسكرية في المنطقة، تعطي لها القدرة العملياتية على تنفيذ عمل بري ضد إيران.
تصدير النصر
ويؤكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أن المشهد في المنطقة في ظل الحرب على إيران يحوي تطورات متلاحقة ومتعددة أمام نوع من المضادات تظهر في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تأتي في فترات متقاربة، وتعكس تناقضًا واضحًا.
وفي ظل ذلك، يضيف بدر الدين في تصريح خاص لـ«دار الهلال» أن المشهد له أكثر من سيناريو، حيث إن على صعيد الدبلوماسية هناك وساطة من باكستان ومصر وتركيا والمملكة العربية السعودية تسعى إلى نزع فتيل الأزمة.
وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أن الضربات المتلاحقة التي توجهها إيران إلى إسرائيل، بما فيها من استهداف مناطق حيوية وعسكرية، تشكل بدورها عامل ضغط يدفع نحو التفاوض، وبالمثل لما ينزل بالولايات المتحدة من خسائر بشرية واقتصادية.
وفي المقابل، يقول أستاذ العلوم السياسية إن الولايات المتحدة لا تريد أن تذهب للمفاوضات إلا أن حققت اختراقًا بحيث يبدو الأمر أنها لم تُهزم.
وأوضح أن هذه هي المشكلة التي تؤدي إلى طول أمد الصراع، حيث إن كل طرف يريد ألا يظهر بمظهر المنهزم، فكل طرف يريد أن يحقق إنجازًا يسوقه لنفسه على أنه انتصار.
ووسط هذا المشهد المتضارب، يقدّر بدر الدين أن الحرب ستستمر خلال الفترة المقبلة، مشددًا على أنه يجب أن يُؤخذ في الاعتبار موقف أطراف أخرى غير متصارعة، وعلى الأخص روسيا والصين، فضلًا عن ارتفاع أسعار الطاقة إثر إغلاق مضيق هرمز، وما يشكله ذلك من ضغط على العالم بأكمله، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويشير بدر الدين إلى أن تداعيات استمرار الحرب خطيرة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني، ولذا لا بد من تضافر الجهود الدولية لوقفها، مؤكدًا أن استمرار الوضع كما هو عليه يعني ازدياد المشهد تعقيدًا.
ويبيّن أن عامل الضغط القادم من الولايات المتحدة «مهم جدًا»، حيث شاهدنا احتجاجات واسعة في الولايات المتحدة رفضًا للحرب، كذلك موقف «الكونجرس» مهم في ظل حاجة الإدارة الأمريكية إلى تمويل الحرب بمبالغ طائلة.
وعلى الصعيد الإقليمي، حيث يزداد المشهد تعقيدًا يومًا تلو الآخر، يقول أستاذ العلوم السياسية في إجابة على تساؤل حول إمكانية أن تفعل دول خليجية وعربية حقها في الرد على هجمات إيرانية طالتها، إن «هذه الدول التي تضم قواعد أمريكية منخرطة في الحرب رغم إراداتها».
ومضى موضحًا: «تمثل هذه القواعد منطلقًا للهجمات الأمريكية، وهو ما يستلزم ردًا من الجانب الإيراني»، متابعًا: «هذا الانخراط ليس بناءً على رغبة الدول، بل بناءً على أنها تضم قواعد أمريكية».
رمادية المشهد
من جانبه، يؤكد الدكتور علاء السعيد، خبير الشؤون الإيرانية، أن منطقتنا الشرق أوسطية لا تُدار باليقين بقدر ما تُدار بالاحتمالات، وبذلك يصبح السؤال عن «ما الذي سيحدث» سؤالًا مشروعًا، لكن الإجابة عليه لا يمكن أن تكون يقينًا بقدر ما هي قراءة في مشهد رمادي تتداخل فيه الإرادة السياسية مع الحسابات العسكرية، وتتصارع فيه النوايا المعلنة مع الوقائع الخفية.
وعليه، يوضح السعيد في تصريح خاص لـ«دار الهلال» أن الحديث عن احتمالية توقف الحرب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قرارًا يُتخذ فجأة، بل هو نتاج توازن دقيق بين الكلفة والعائد لدى جميع الأطراف.
ويقول السعيد إن الحروب في منطقتنا لا تنتهي لأن أحدهم انتصر، بل لأنها أصبحت مكلفة أكثر مما ينبغي أو لأنها حققت ما كان مطلوبًا منها سياسيًا.
وبالتالي، يضيف إن احتمالية التوقف تظل قائمة، لكنها ليست مرهونة بالتهدئة بقدر ما هي مرهونة بوصول الأطراف إلى نقطة تشعر فيها أن الاستمرار لن يحقق مكاسب إضافية تُذكر، بل ربما يفتح أبوابًا لا يمكن السيطرة عليها.
أما ما يُثار حول إمكانية تحرك بري ضد إيران، فهو سيناريو، وفق السعيد، يحمل قدرًا كبيرًا من التعقيد، ليس فقط بسبب الطبيعة الجغرافية لإيران، بل بسبب حجمها وتركيبتها الداخلية، وقدرتها على تحويل أي مواجهة برية إلى استنزاف طويل الأمد.
التحرك البري، بحسب السعيد، إن حدث لن يكون قرارًا عسكريًا فقط، بل مقامرة سياسية كبرى، لأن الدخول إلى الداخل الإيراني لا يشبه توجيه ضربات جوية يمكن احتواؤها أو إنكارها، بل يعني فتح جبهة يصعب إغلاقها سريعًا.
ولذلك، يوضح أنه تظل احتمالية هذا السيناريو محدودة نسبيًا في المدى القريب، إلا إذا حدث تطور كبير يغير قواعد الاشتباك الحالية.
وفيما يتعلق برد الفعل الإيراني على ذلك، يرى أن القراءة الأكثر ترجيحًا لا تشير إلى رد مباشر متكافئ بالضرورة، بل إلى نمط معروف يعتمد على توسيع ساحات الضغط بدلًا من تركيز المواجهة في نقطة واحدة.
وأوضح أن الرد إن جاء قد لا يكون في نفس المكان أو بنفس الشكل، بل عبر أدوات متعددة، سواء من خلال الأذرع الإقليمية أو عبر الضغط في ممرات استراتيجية أو استهداف مصالح غير مباشرة.
أما عن احتمالية التصعيد على نطاق أوسع، برأي السعيد، فهي تظل قائمة دائمًا في ظل هذا النوع من الصراعات، لكن يجب الانتباه إلى أن جميع الأطراف، رغم خطابها الحاد، تدرك جيدًا أن الانفجار الكامل للمنطقة لن يكون في مصلحة أحد.
لذلك قد نشهد تصعيدًا محسوبًا، أو ما يمكن وصفه «التصعيد تحت السقف»، حيث ترتفع حدة الضربات والخطاب دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
في النهاية، يقول إننا أمام مشهد لا تحكمه النوايا المعلنة بل توازنات دقيقة تتغير يومًا بعد يوم، وما يبدو اليوم تصعيدًا قد يتحول غدًا إلى تهدئة مؤقتة، والعكس صحيح. ولذلك، فإن أي قراءة تظل في إطار التقدير لا في إطار الجزم، لأن هذه المنطقة بطبيعتها لا تعطي أحدًا رفاهية اليقين.