ما بين إعلان جزيرة رأس محمد بجنوب سيناء كأول محمية طبيعية فى مصر عام 1983، والإعلان عن منطقة نيزك جبل كامل بمحافظة الوادى الجديد بوصفها المحمية رقم 30 فى مارس 2012، باتت المحميات الطبيعية الثلاثون فى مصر، محل أنظار واهتمام المستثمرين ورجال المال والأعمال، وذلك نظرًا لما تحتويه هذه المحميات من مناظر خلابة وطبيعة جبلية وشعاب مرجانية وصحراء بيضاء وحيوانات ونباتات وطيور نادرة، تجذب الزائرين وتصبح أماكن استثمار جيدة، تنقصها فقط رغبة الحكومة المصرية فى طرحها للاستثمار بما لا يخلّ بالتوازن البيئى والتنوع البيولوجى بداخل تلك المحميات، والمنتشرة فى أنحاء متفرقة بمحافظات الجمهورية، ولا سيما فى جنوب سيناء والبحر الأحمر والوادى الجديد والفيوم والقاهرة والجيزة.
ومؤخرًا.. أعلنت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن الدولة تولى أهمية قصوى لتعزيز الاستثمار البيئى، باعتباره مسارًا حيويًا لتنمية موارد المحميات الطبيعية ودعم الاقتصاد الأخضر والسياحة البيئية المتزايدة، مشددة على أن أى استثمار داخل المحميات الطبيعية يجب أن يتم وفق ضوابط صارمة تضمن حماية النظم البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية من أى ضغوط أو تأثيرات سلبية، من خلال مشروعات تراعى خصوصية كل محمية وتستخدم مواد وتصميمات متناغمة مع البيئة المحيطة، والتراث الثقافى لكل محمية، وأن تسهم فى رفع جودة التجربة السياحية دون الإضرار بالموارد الطبيعية، لا سيما أن المحميات المصرية تمتلك مقومات فريدة تؤهلها لتكون مقصدًا مميزًا للسياحة البيئية العالمية.
إيرادات المحميات الطبيعية، وفق ما أعلنته «د. منال»، حققت طفرة غير مسبوقة فى إيرادات المحميات الطبيعية، حيث سجلت بنهاية عام 2025 نحو 600 مليون جنيه لأول مرة فى تاريخها، وأرجعت وزيرة البيئة سبب هذه القفزة فى الإيرادات إلى تفعيل منظومة التحصيل الإلكترونى وتطوير البنية الأساسية للزوار، وهو ما يراه خبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية محمد سيد أحمد، إيرادًا قابلاً للزيادة بأرقام مضاعفة تتخطى سبعة مليارات جنيه فى العام الواحد.
خبير الحياة البرية، أكد أن هذه الأرقام من المتوقع أن تتحقق فى حالة طرح بعض المحميات الطبيعية للاستثمار البيئى وإقامة مشروعات سياحية فى أكثر 13 محمية جاذبة للاستثمار النوعى القائم على الأنشطة المتعددة ما بين تسلق الجبال والسفارى وتسوق المنتجات اليدوية عالية القيمة، مثل محميات وادى دجلة ووادى الريان ووادى الحيتان ووادى الجمال والمتحف المفتوح فى قبة الحسنة، فضلاً عن جميع المحميات البحرية فى البحر الأحمر وجنوب سيناء القائمة على رياضة الغطس، مع إضافة أنشطة ترفيهية ورياضية جديدة، لم يسبق طرحها من قبل.
وتابع «سيد أحمد»: إقامة فنادق بمخططات عمرانية بدوية على أطراف المحميات الطبيعية تعزز من فرص الجذب السياحى وزيادة الإيرادات، هذا فضلا عن الاستمرار فى التصدى بقوة للصيد الجائر فى المحميات الطبيعية، لضمان عدم حدوث خسائر كبيرة مثلما حدث قبل عدة سنوات.
محميات البحر الأحمر، يراها خبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية، بمثابة «الدجاجة التى تبيض ذهبًا»، إذا جرى استثمار معالمها البحرية وكنوزها الجبلية بشكل جيد، وخصوصا أن البحر الأحمر يستقبل سنويا قرابة «5 – 6» ملايين سائح لممارسة رياضة الغوص لمشاهدة الشعاب المرجانية والكائنات البحرية النادرة، ولا سيما فى منطقة أبو رمادة، وتحتوى على حطام إحدى السفن القديمة والتى يعود غرقها للقرن التاسع عشر، وهى توجد على أعماق 17 مترًا، وتظهر فيه أسماك نابليون الضخمة.
وأضاف: «منطقة أبو جالوم فى جنوب سيناء، مصدر جذب آخر للاستثمارات على مستوى كبير، لا سيما أنها تتمتع بطبيعة طوبوغرافية خاصة، حيث تقترب الجبال من الشواطئ، وتضم أصنافًا كبيرة ومتنوعة من الشعاب المرجانية والكائنات البحرية والحشائش البحرية واللاجونات والأنظمة البيئية الصحراوية والجبلية، ليس هذا فحسب، جبالها ووديانها وصحاريها الممتدة على مساحة 500 كم مربع عامرة بالحيوانات والطيور والنباتات البرية مما يجعلها منطقة جذب سياحى لهواة الغوص والسفارى ومراقبة الطيور والحيوانات، فضلا عن انفرادها بأكثر من 40 نباتا نادرا غير متوفر إلا فى أبو جالوم، بالإضافة إلى الكهوف المائية التى تميز المحمية والموجودة فى عمق يزيد على 80 مترًا، كل هذه العوامل تزيد من فرص الاستثمار داخل محميات البحر الأحمر وجنوب سيناء وغيرها من المحميات الطبيعية الأخرى».
بدوره، قال الدكتور محمد كامل، أستاذ مساعد التنوع البيولوجى بكلية الدراسات العليا والبحوث البيئية بجامعة عين شمس، الباحث البيئى السابق بمحمية سانت كاترين: يمكن تحويل المحميات الطبيعية فى مصر إلى كيانات اقتصادية قابلة للاستثمار فيها، عبر تطوير أنشطة السياحة البيئية منخفضة التأثير داخل المحميات الأكثر جاهزية مثل محميات البحر الأحمر وسيناء، وتفعيل برامج الهايكنج والسنور كلينج والرحلات العلمية، مع إدارة هذه الأنشطة وفق آليات تراخيص واضحة، وتوجيه جزء من العائد لتحسين إدارة المحميات، كما يمكن الاستفادة اقتصاديًا من خدمات التنوع البيولوجى مثل التعليم الميدانى، والبحوث العلمية، وبرامج تدريب المتخصصين.
«كامل»، أضاف: لدينا أيضا فى المحميات الطبيعية أنشطة الغوص والسفارى التصويرية، وبيع منتجات المجتمع المحلى، وهى أيضا تدر عوائد اقتصادية، وبالنسبة للمناطق الأكثر جذبا للاستثمارات داخل المحميات الطبيعية، فهى عبارة عن المحميات البحرية ذات الشعاب المرجانية، والمحميات الجبلية ذات المسارات الطبيعية، والمحميات القريبة من مناطق سياحية قائمة، مثل محميات جنوب سيناء والبحر الأحمر.
وحتى نحافظ على رونق المحميات فى مصر دون أن يتوغل عليها الاستثمار، قال «د. محمد»: لا بد من التحكم فى أعداد الزوار والمركبات داخل المحميات الجبلية والبحرية، ومنع البناء الدائم داخل النطاقات الحساسة، والاكتفاء بمنشآت خفيفة، مع حماية مسارات الحياة البرية ومنع النشاط العشوائى الذى يؤثر على الموائل، فضلا عن مراقبة الأنشطة البحرية لحماية الشعاب المرجانية ومنع الصيد الجائر.
كما شدد على وجوب توافر الاستثمار البيئى المستدام والسياحة البيئية المستدامة ضمن عملية الاستثمار فى المحميات الطبيعية فى مصر، وهو يتحقق من خلال الالتزام بحدود القدرة الاستيعابية لكل محمية وعدم تجاوزها، خصوصًا فى محميات البحر الأحمر، وإشراك المجتمعات المحلية فى سيناء والبحر الأحمر كمكوّن أساسى فى الخدمات السياحية، مع اعتماد نظام رقابة بيئية مستمر على الأنشطة السياحية، خصوصًا تلك المرتبطة بالشعاب المرجانية أو الحياة البرية الجبلية، مشيرا إلى أن نجاح منظومة الاستثمار داخل المحميات الطبيعية مرهون بإحداث توازن بين التنوع البيولوجى والاستثمار داخل كل محمية على حدة، ويتحقق التوازن عبر تطبيق Zoning داخل كل محمية إلى مناطق حماية مطلقة، ومناطق استخدام مضبوط، مع إجراء تقييم أثر بيئى لأى نشاط جديد داخل حدود المحمية، ومنع أى تدخل يسبب تدهورًا للشعاب المرجانية أو الموائل الجبلية، مع تفعيل نظام مخالفات وغرامات على الأنشطة التى تترك أثرًا بيئيًا، ومتابعة التنوع البيولوجى دوريًا لضمان عدم تراجع حالته بسبب الأنشطة الاقتصادية.
من جهته، أوضح الدكتور عبدالله ناجى، الباحث بمحمية سانت كاترين سابقا، أستاذ علم الحيوان بكلية العلوم جامعة الأزهر، أن «تحويل المحميات إلى كيانات اقتصادية لا يعنى إعادة تعريفها كمشروعات ربحية، بل إدارتها كرأس مال طبيعى يولّد عوائد من خلال الخدمات البيئية، مثل السياحة والحماية البيئية، أى نموذج استثمارى يجب أن ينطلق من تقييم هذه الخدمات، ثم تنظيم استخدامها ضمن حدود بيئية واضحة، مع ربط العوائد بإدارة المحمية نفسها».
«د. عبدالله»، لفت إلى أن «الإشكالية ليست فى نقص فرص الاستثمار بداخل المحميات الطبيعية، بل فى غياب نماذج حوكمة تضمن أن الاستثمار لا يتحول إلى استنزاف للأصل البيئى، ومؤكدا على وجوب إعداد تقييم اقتصادى للخدمات البيئية لكل محمية، وتصميم نظام امتيازات بشروط بيئية ملزمة، وربط الإيرادات ببرامج الحماية والصيانة، إلى جانب فصل نسبى فى إدارة الموارد المالية لضمان إعادة الاستثمار».