للأسبوع الثاني تستمر الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وسط استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، وتصريحات متبادلة بين الجانبين بشأن موعد نهايتها، فبينما يعلن الجانب الأمريكي أن الحرب أوشكت على الانتهاء يرد الجانب الإيراني أنه من سيحدد موعد نهاية الحرب، ويقول خبراء سياسيون إن الأمر يؤدي لاتساع دائرة الصراع مع دخول أطراف إقليمية على خط المواجهة وارتفاع المخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.
وقال الحرس الثوري الإيراني، إن إيران هي من ستحدد نهاية الحرب في الشرق الأوسط، مؤكدا أنه "أصبحت معادلات المنطقة ووضعها المستقبلي الآن في أيدي قواتنا المسلحة. القوات الأميركية لن تنهي الحرب".
جاء ذلك بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منتصف الأسبوع الجاري، بأن الحرب في إيران انتهت إلى حد كبير، قائلا: "ليست لديهم بحرية، ولا اتصالات، وليست لديهم قوة جوية. صواريخهم تناثرت. ويتم تفجير طائراتهم المسيرة في كل مكان، بما في ذلك تصنيعهم للطائرات المسيرة. إذا نظرت، لم يتبق لديهم شيء. لم يتبق شيء بالمعنى العسكري".
ولفت إلى أن الولايات المتحدة متقدمة للغاية عن الإطار الزمني للحرب المقدّر بأربعة إلى خمسة أسابيع، مؤكدا في الوقت ذاته أن أن قرار إنهاء الحرب مع إيران سيكون مشتركاً ويتخذ بالتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال ترامب، في مقابلة مع صحيفة "تايمز أوف إسرائيل": "أعتقد أن القرار مشترك… إلى حد ما. لقد كنا نتحدث، وسأتخذ القرار في الوقت المناسب، لكن سيتم أخذ كل شيء في الاعتبار".
سيناريوهات قرار نهاية الحرب في إيران
ويقول الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلاقات الدولية، إن توقيت وقرار إنهاء الحرب في إيران يرتبط بمجموعة من المحددات والمعايير الخاصة بالأطراف المشاركة فيها، وهو أمر معروف في كل الحرب، كما يرتبط أيضاً بالأهداف الحقيقية التي بدأت الحرب من أجلها منذ البداية.
وأضاف "الشيمي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه فيما يتعلق بالحرب الحالية والضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، يبدو أن هذه الحرب لا تمتلك حتى الآن ملامح واضحة أو أهدافاً ثابتة يمكن تحديدها بدقة، موضحا أنه يمكن الحديث فقط عن مجموعة من الأهداف المرنة أو المتغيرة، حيث قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب عدد من القادة الأوروبيين، أن الأهداف الواضحة لهذه الضربات وهذه الحرب لا تزال غير محددة المعالم.
وأوضح أن مسألة نهاية الحرب، ترتبط بدرجة كبيرة بمدى تحقيق الأهداف لدى أحد الطرفين، فإذا نجح الجانب الأمريكي في تحقيق أهدافه – والتي قال إنها تتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو تغييره، وتقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وخاصة في المجال النووي، إلى أقصى حد ممكن، فقد يكون ذلك مدخلاً لإنهاء الحرب، وقد تحدث عن هذه الأهداف كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة.
وأشار إلى أن كثير من هذه التصريحات في إطار الحرب الإعلامية والنفسية، فهذه التصريحات تعد جزءاً من الحرب النفسية التي يمارسها قادة الولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف التأثير في الروح المعنوية داخل إيران، وخاصة لدى الرأي العام الإيراني، وغالباً ما تركز على الحديث عن تدمير كامل لقدرات الدفاع الجوي الإيراني أو إلحاق خسائر كبيرة بإيران، إلا أنه من الصعب الجزم بدقة هذه المعلومات، نظراً لتضارب الروايات في كثير من الأحيان.
وأكد أن ترامب تحدث قبل أيام عن إمكانية انتهاء الحرب، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى احتمال استمرارها لتحقيق الأهداف الأمريكية، وهذا يعكس حالة من التناقض الظاهري التي يمكن تفسيرها في إطار الحرب النفسية ومحاولة تحقيق مكاسب معنوية على حساب الطرف الآخر، مشيرا إلى أنه فيما يتعلق بإسقاط النظام الإيراني، فلا يزال هذا الهدف بعيد المنال، وليس من السهل تحقيقه كما توقع الجانب الأمريكي-الإسرائيلي قبل بدء الضربات.
ولفت إلى أنه بالنسبة لسيناريوهات الحرب خلال الفترة المقبلة، فإن احتمال التصعيد يرتبط بعدة عوامل، من بينها قدرة الاقتصاد العالمي، وخاصة الاقتصاد الأمريكي، على تحمل الصدمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب، مشيرا إلى أن هذه الصدمات قد تكون مؤلمة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط وما يترتب عليه من تأثيرات على قيمة الدولار الأمريكي، إضافة إلى زيادة معدلات التضخم في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وأضاف أن مسألة إنهاء الحرب تتأثر أيضاً بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل نفسها، حيث تظهر بين الحين والآخر بعض الخلافات بشأن طبيعة الأهداف، فالجانب الأمريكي قد يكون أكثر ميلاً إلى تحقيق أهداف محددة، بينما يبدو أن إسرائيل أكثر تمسكاً بهدف إسقاط النظام الإيراني بشكل كامل.
وأكد أنه يمكن القول إن انتهاء الحرب يرتبط بواحد من مسارين رئيسيين، المسار الأول يتمثل في اكتفاء الجانب الأمريكي بما تحقق من أهداف، والدخول في عملية تفاوضية قد تشمل أطرافاً إيرانية رسمية مثل الرئيس الإيراني أو وزير الخارجية، مع قبول أمريكي وإسرائيلي باستمرار هذه المفاوضات.
وأشار إلى أن المسار الثاني فهو استمرار الحرب في صورة حرب مفتوحة، خاصة إذا رأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن أهدافهما لم تتحقق بعد، إذ إن إسقاط نظام سياسي بحجم النظام الإيراني لا يمكن تحقيقه من خلال الضربات الجوية وحدها، بل قد يتطلب مواجهات مباشرة أو تحركات برية، مشددا على أن محاولات تحريك بعض الجماعات المسلحة أو دعم أطراف داخلية ضد النظام الإيراني لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن.
وأضاف أنه يبقى احتمال الحرب المفتوحة قائماً، مقابل احتمال آخر يتمثل في العودة إلى المفاوضات والاكتفاء بما تحقق من أهداف، كما حدث في بعض جولات التصعيد السابقة.
إنهاء الحرب في يد إيران
ومن جانبه، قال الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، إن مسألة انتهاء الحرب في إيران أو تحديد توقيت نهايتها ترتبط بدرجة كبيرة بإيران، إذ إن قرار إنهاء الحرب في النهاية قد يكون بيدها، مضيفا أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بدأتا الحرب، وبالتالي فإن الحديث الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قرب انتهاء الحرب أو تحقيق الولايات المتحدة لأهدافها، مثل القضاء على الصواريخ الباليستية أو تعطيل البرنامج النووي الإيراني، لا يعني بالضرورة أن الحرب قد حُسمت.
وأكد "غباشي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة تورطت في هذه الحرب، ويظهر ذلك من خلال الهجمات التي وقعت مؤخراً خلال الليلة الماضية، حيث أُطلق نحو مئة صاروخ من قبل حزب الله اللبناني باتجاه إسرائيل، مستهدفة مدناً مثل حيفا وعسقلان، إضافة إلى مواقع مهمة داخل الأراضي الإسرائيلية.
وأشار إلى أنه على الرغم من الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران، فإن حجم الدمار الذي أصاب الداخل الإسرائيلي يُوصف بأنه كبير، كما أن المقارنة الجغرافية بين البلدين تُظهر الفارق الكبير؛ فمساحة إيران تقارب مليوناً وستمائة وسبعة وثمانين ألف كيلومتر مربع، بينما تبلغ مساحة إسرائيل نحو اثنين وعشرين ألف كيلومتر مربع فقط، وهو ما يبرز اختلاف القدرات على تحمل تبعات الحرب.
وأوضح أنه تشير التقارير إلى أن الحياة داخل إسرائيل شهدت تعطلاً ملحوظاً، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى نحو مئة دولار للبرميل، كما تكبدت الأسواق الأمريكية خسائر يومية تُقدر بنحو مليار دولار، بينما تتراوح تكلفة الحرب على الولايات المتحدة بين 800 مليون ومليار دولار يومياً، وهو ما يضع واشنطن أمام تحديات اقتصادية كبيرة.
وأكد أن مدة الحرب، وما إذا كانت قد تستمر لفترة طويلة أو تنتهي خلال أسابيع، فإن ذلك يعتمد إلى حد كبير على القرار الإيراني، فإذا رأى المرشد الأعلى لإيران والحكومة الإيرانية أن الرد على ما وصفوه بالثأر لمقتل علي خامنئي المرشد الراحل أو "الخيانة الدبلوماسية" قد تحقق، فقد تقرر طهران إنهاء المواجهة.
وأضاف أن إيران استهدفت عدداً من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، حيث تحدثت تقارير عن تدمير نحو تسع عشرة قاعدة، كما طُرحت إشارات إعلامية تفيد بأن واشنطن طلبت صوراً لتلك القواعد قبل الضربات وبعدها لتقييم حجم الأضرار، موضحا أن مضيق هرمز الآن أصبح شبه مغلق، مع تهديدات إيرانية بإمكانية إغلاق ممرات بحرية أخرى، ومن شأن أي تعطيل لحركة السفن، خاصة ناقلات النفط، أن يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة.
وأشار إلى أنه رغم أن إيران تكبدت بعض الخسائر، فإن التقديرات تشير أيضاً إلى خسائر كبيرة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي، مؤكدا أن الخوف الحقيقي في المرحلة المقبلة، فلا يتعلق فقط بتصاعد مستوى التصعيد العسكري، بل بإمكانية دخول أطراف جديدة إلى الصراع، حيث أعلنت بعض الميليشيات المسلحة في العراق مشاركتها بشكل صريح، كما يُتوقع احتمال انخراط جماعة الحوثيين في اليمن في المواجهة.
ولفت إلى أنه يُعتقد أن دخول الحوثيين في الصراع قد يؤدي إلى تعطيل واسع للتجارة الدولية، خصوصاً في الممرات البحرية الحيوية، وهو ما قد يرفع أسعار النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل، ويزداد هذا الاحتمال في ظل تهديدات إيرانية مباشرة بالرد على أي استهداف للبنية الاقتصادية داخل إيران بضربات مماثلة، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد خطير في المنطقة.