«سيناء مستقبل الاستثمار الصناعي».. حقيقة أكدتها جهود الدولة المصرية منذ سنوات عملت خلالها على إحداث نقلة تنموية غير مسبوقة فى أرض الفيروز، مستغلة أرضها الغنية بالكنوز التعدينية النادرة، والتى ما إن وجدت الشركات العالمية الفرصة سانحة بعد تطهيرها من الإرهاب، إلا وبدأت تتهافت من أجل إقامة المشروعات عليها، خاصة بعد اكتمال مشروعات البنية التحتية من شمالها إلى جنوبها، وإقامة أهم منطقة اقتصادية فى إفريقيا، وهى المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، إلى جانب إقامة منطقة أبوزنيمة الصناعية؛ لتبدأ خطة استغلال ثروات سيناء التى تعد أغنى المناطق بالثروات المعدنية.
وفى إطار جهود الدولة لتحقيق التنمية الشاملة فى سيناء بما يضمن تلبية مختلف احتياجات الاستثمار، تم تنفيذ حزمة من المشروعات التنموية والصناعية الكبرى، بإجمالى استثمارات ضخمة تعكس توجها استراتيجيا لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، وخصصت الدولة نحو 38 مليار جنيه للمشروعات الصناعية التى تستهدف خدمة سيناء ومصر والمنطقة بأكملها، خاصة فى القطاعات التى تتمتع بميزات نسبية، وتصدر هذه المشروعات تطوير مصنع أسمنت العريش، إلى جانب استكمال إنشاء خطى إنتاج بمجمع العريش للأسمنت بشمال سيناء، ما أسهم فى رفع الطاقة الإنتاجية لتصل إلى نحو 6.9 ملايين طن سنويا، كما شملت المشروعات إنشاء مجمع الرخام بمنطقة الجفجافة بوسط سيناء بتكلفة بلغت نحو 805 ملايين جنيه وبطاقة إنتاجية تصل إلى 3 ملايين متر مربع سنويا، إلى جانب مصنع الرخام والجرانيت بمدينة رأس سدر والذى أُنشئ بتكلفة 727 مليون جنيه، ويضم أربعة خطوط إنتاج بواقع خطين للرخام وخطين للجرانيت، بطاقة إنتاجية تبلغ 1.5 مليون متر مربع سنويا، وبلغت قيمة الإنتاج الصناعى فى منشآت القطاعين العام والخاص بسيناء نحو 12 مليار جنيه، توفر فرص عمل لنحو 3.9 آلاف عامل داخل المنشآت الصناعية المسجلة، فيما وصلت التكاليف الاستثمارية لهذه المنشآت إلى نحو 5.5 مليار جنيه.
وفى السياق ذاته، تم إنشاء ثلاث مناطق صناعية كبرى فى بئر العبد والمساعيد ووسط سيناء، إلى جانب تدشين عدد من المشروعات الداعمة للصناعة، من بينها مصنع لإنتاج شكائر الأسمنت بطاقة 100 مليون شيكارة سنويًا، ومصنع لإنتاج الفوم بمنطقة بحيرة البردويل، فضلًا عن إنشاء مجمع صناعى متكامل للرخام والجرانيت بما يعزز من فرص التنمية الصناعية، ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار فى سيناء.
ومن هذا المنطلق، أكد الدكتور طه زيدان، عضو مجلس إدارة غرفة صناعات مواد البناء، أن تحقيق التنمية فى سيناء من خلال تنفيذ المشروعات اللازمة واستغلال كافة مواردها يسهم بشكل كبير وجذرى فى تعميرها ويساعد فى تخفيف الضغط السكانى بمناطق القاهرة الكبرى والدلتا، هذا بالإضافة إلى تقليل نسبة البطالة فى مصر وخلق فرص عمل كثيرة، كما أن تشجيع الاستثمار فى سيناء يساعد على إدخال تقنيات حديثة ومتقدمة وفرص تدريبية جيدة تساهم فى رفع المستوى الفنى للعمالة المصرية، فالاستثمار الصناعى والتعدينى أهم محاور تحقيق التنمية المستدامة فى سيناء، والذى لا بد وأن يأخذ أهمية قصوى نظرا لاستيعابه عددا كبيرا جدا من العمالة المدربة وإنشاء مدن صناعية متخصصة تعتمد على المصادر الطبيعية والخامات الموجودة بها مثل الرمال البيضاء بمنطقة جبل أبو حيثيات وهى ذات جودة عالية، بالإضافة إلى إمكانية الحصول على الكاولين عالى الدرجة والحجر الجيرى والمنجنيز والذهب والفضة والنحاس ورواسب الطفلة والجبس بجانب الملح من هذه الرمال، مما يشكل مصدرًا اقتصاديا كبيرا.
وأشار إلى أن الرمال البيضاء أيضا تستخدم فى العديد من الصناعات الهامة منها: أنواع الزجاج الفاخرة وأدوات المائدة والزجاج الأبيض والعبوات الشفافة والزجاج البصرى والكريستال بجانب الزجاج الملون، كما يتواجد الكاولين بكميات تقدر 95 مليون طن ويستخدم فى صناعات كثيرة جدا مثل السيراميك والأدوات الصحية والأسمنت الأبيض والورق والصناعات الطبية والمطاط والطوب الحرارى والحراريات والبلاستيك والمنسوجات، كما أن الحجر الجيرى يتواجد بوفرة كبيرة جدا فى مناطق متفرقة بسيناء ويستخدم فى صناعة الأسمنت والصناعات الكيماوية والأسمدة والبويات وأعمال البناء والطرق، بالإضافة إلى الدولوميت المستخدم فى أعمال الطرق وحماية أرصفة الموانئ والخرسانة المسلحة، كما ينتج أكاسيد الماغنسيوم والذى يستخدم فى صناعة الأدوية ومواد التجميل، بجانب المنجنيز والذى يتواجد بكثرة فى دهب وشرم الشيخ ويستخدم فى الصناعات الدوائية والبطاريات والألومنيوم والبرونز.
ومن جانبه، عدد الدكتور عبد العال عطية، خبير التعدين، أنواع الخامات التى تحتضنها رمال سيناء، ويأتى فى مقدمتها رمل الزجاج وهو المكون الرئيس لصناعة الزجاج بكل أنواعه والموجود بكثرة فى مناطق سيناء المختلفة، وكذلك خام «البنتانايت» وهو نوع من الطفلة تستخدم فى تنقية الزيوت وآبار حفر البترول وله قيمة اقتصادية كبيرة، فسيناء غنية أيضا بالحجر الجيرى والجبس وأحجار الزينة والأحجار الكريمة كـالفيروز، إلى جانب وجود خام الكاولين بكثرة والمستخدم فى إنتاج الخزف وأطباق الصينى والسيراميك، ومن المخزى أن مثل هذه الخامات تُصدَّر للخارج بدون استغلال ونعود لاستيرادها بالعملة الصعبة، ورغم هذه الكنوز الموجودة إلا أن نسبة استغلال موارد سيناء لا تزيد عن 25 فى المائة، غير أن مصر تحاول الاستفادة منها حيث صدر مؤخرا قرار جمهورى بإنشاء مدينة أبو زنيمة الصناعية التعدينية بجنوب سيناء، والتى ستنشأ بها مصانع الجبس والطفلة والرخام بأنواعه، مطالبا المستثمرين بضرورة تكثيف أنشطتهم لاستغلال ثروات ارض الفيروز.
وأشار إلى أن سيناء بمقدورها أن تصبح مدينة عالمية حرة فى الصناعة بفضل موقعها المتميز وطبيعتها الملائمة لكل أنوع الاستثمار سواء كان زراعيًّا أو سياحيًّا، فضلًا عن إمكانية إقامة منطقة صناعية كبرى بها اعتمادًا على الخامات التعدينية الموجودة بالجبال والرمال، والمطلوب هو حسن إدارة التنمية بسيناء لفهم طبيعة المكان من أجل الاستغلال الأمثل لثرواته وتكييف الأيدى العاملة للاندماج فى منظومة الاقتصاد المزمع تنفيذها، مع الوضع فى الاعتبار الاختلافات الديموغرافية بين سكان البدو والحضر، كما أن منطقة وسط سيناء يوجد بها خامات حجرية بكل أنواعها، وتزخر بثروات طبيعية وتعدينية هائلة فى مقدمتها الرمل الجيرى ورمال الزجاج، إلى جانب سلاسل جبلية غنية بالرخام خاصة فى قرية المغارة، فضلًا عن وجود منجم للفحم فى قرية المنجم، وتبرز محطة بحوث الصحراء بمدينة الحسنة كأحد المراكز البحثية الواعدة؛ حيث نجحت فى إنتاج نبات «الجوجوبا» الذى تستخلص منه زيوت عالية الكفاءة تستخدم فى الصناعات الثقيلة ووقود الطائرات، وهو نبات نادر لا يتوافر عالميا سوى فى منطقتين فقط هما ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية ومدينة الحسنة بوسط سيناء، كما تنتشر خامات «رمال الزجاج» عالية النقاء فى عدد من المواقع، أبرزها مناطق المنشرح وجبل الخِرم وعريف الناقة ووادى رمانة ووادى المرتة، الذى يشتهر باحتوائه على ملايين الأطنان من هذه الخامات المستخدمة فى إنتاج أجود أنواع الزجاج، وتتكامل هذه الموارد مع مناطق أخرى على حدود جنوب سيناء، والتى تزخر بعناصر تعدينية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة تمثل قاعدة لانطلاق صناعات كبرى تسهم فى دعم الاقتصاد الوطني.
بينما أوضح الدكتور سمير عبدالله، خبير الطاقة، أن التوجه نحو تنمية شبه جزيرة سيناء فى مختلف القطاعات وعلى رأسها مشروعات البترول والثروة المعدنية، يمثل أولوية رئيسية ضمن الخطة الاستراتيجية للدولة المصرية فى ضوء ما تمتلكه المنطقة من مقومات طبيعية وثروات واعدة قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، فسيناء تزخر بأنقى أنواع المعادن والموارد الطبيعية مثل الرمال البيضاء، والمنجنيز، والكبريت، وكلوريد الصوديوم، وغيرها من الخامات التى تدخل فى العديد من الصناعات الحيوية، ومن أبرز المزايا التى تتمتع بها «أرض الفيروز» وجود رمال عالية النقاء تصلح للاستخدام فى صناعة الخلايا الشمسية، وهو ما يفتح المجال أمام توطين هذه الصناعة محليا، واستغلال هذه الرمال فى تصنيع خلايا الطاقة الشمسية من شأنه دعم التوسع فى إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة، والمساهمة فى خفض تكاليف الألواح الشمسية، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بارتفاع تكلفة الإنتاج والتكنولوجيا المستخدمة، فالصين تفوقت على أوروبا فى هذا المجال وهناك جهود حكومية لتعزيز التعاون معها بهدف نقل وتوطين تكنولوجيا تصنيع الخلايا الشمسية فى مصر، ورغم توافر الثروات المعدنية الطبيعية فى صحراء سيناء، لكن هناك تحديا كبيرا وهو تمويل المشروعات الجديدة، وهو يمثل بعدا استراتيجيا لمصر لأنه يعتمد على موافقة الدولة على الشركاء والمستثمرين الذين سيقومون بالعمل فى المشاريع، حيث إن هناك كثيرا من الممولين لمثل هذه المشروعات ولكن بشرط جدية التعاقد وأهمية الشريك، خاصة أن سيناء تمثل أهمية كبيرة للدولة المصرية.
فيما بين الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى،أن شبه جزيرة سيناء تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قلعة تنموية بفضل وضع خطط تنميتها على رأس أولويات القيادة السياسية، فأرض الفيروز أصبحت تضم المجمعات الصناعية والزراعية والمجتمعات العمرانية الحديثة، وزادت نسبة الأراضى الزراعية المستصلحة بها، إضافة إلى تنمية ومد الطرق والجسور والأنفاق وكافة أوجه التنمية الاقتصادية، والمشروعات القومية فى سيناء ومدن القناة سيكون لها دور مهم فى زيادة الإنتاج الإجمالى المحلى وجذب الاستثمار وزيادة الدخل القومى المصرى،كما تم إطلاق مشروعات قومية فى جميع القطاعات باستثمارات تفوق 700 مليار جنيه.
ومن جانبه، قال المهندس أحمد حمزاوى عضو جمعية رجال الأعمال المصريين، إن الصناعة أسرع الطرق لتحقيق تنمية سريعة وحقيقية لسيناء؛ حيث تمثل 17 فى المائة من الناتج المحلى،وحققت طفرة فى زيادة الصادرات نحو 32 مليار دولار، بالإضافة إلى أنها تستوعب 25 فى المائة من العمالة، فتوطين الصناعات فى سيناء هام جدا وخطوة كبيرة ستحقق نقلة كبيرة للتنمية فى سيناء، وهناك جهود واضحة من الحكومة لإحداث ذلك بالتنسيق مع الشركات العالمية من أجل جذبها للاستثمار فى القطاعات المتوفر خاماتها فى سيناء من خلال إقامة مناطق صناعية متخصصة، وهو يمثل فرصة كبيرة لتحقيق رؤية وتطلعات القيادة السياسية لنمو الصادرات إلى 145 مليار دولار، وتنمية سيناء الآن أصبح أسهل بعدما نجحت الحكومة فى السنوات الماضية فى تحسين بيئة الأعمال لنمو القطاع الصناعى وجذب الاستثمارات من خلال المشروعات القومية فى الطرق والبنية التحتية وإنشاء الموانئ الجافة وإقامة 17 منطقة صناعية فى 15 محافظة تضم 5300 منشأة صناعية، والقيادة السياسية تركز فى هذه المرحلة على تنمية العامل والصانع لرفع كفاءة العامل نفسه بالاهتمام بالتنمية البشرية، بعدما حققت إنجازات غير مسبوقة فى تهيئة مناخ الاستثمار، وذلك بتشجيع إنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية وتطوير التعليم الفنى،وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى العديد من المناسبات.