رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

"جلابية" مصرية في شوارع لندن


6-3-2026 | 19:28

.

طباعة
بقلم: الإعلامي خالد مصطفى

في مدينة عالمية مثل لندن حيث تختلط اللغات، والثقافات والوجوه القادمة من كل أنحاء العالم قد يظن المرء أن لا شيء يلفت الانتباه لكن أحياناً قطعة قماش بسيطة تحمل تاريخاً وثقافة كاملة تستطيع أن تغيّر المشهد فالجلابية المصرية بوقارها وبساطتها تفعل ذلك تماماً.

ففي صباح بارد من صباحات لندن حيث تختلط لهجات العالم، وتتشابك ثقافات الشعوب كانت الجلابية المصرية تشق طريقها بهدوء بين المارة. لم تكن الجلابية مجرد ثوب تقليدي يلف جسد رجل قادم من ضفاف النيل، بل كانت حكاية وطن كامل تمشي على قدمين في هذه المدينة تتقاطع طرق العالم، وتلتقي وجوه الحضارات قد يمرّ الناس مسرعين لا يلتفتون إلا لخطواتهم القادمة لكن أحياناً يكفي حضور بسيط ليوقظ الذاكرة ويستحضر التاريخ هناك وسط صخب العاصمة البريطانية. لقد كانت الجلابية المصرية تمشي بهدوء وكأنها تحمل معها قروناً من الحكايات فى London حين يسير الناس مسرعين بين القطارات والمقاهي وأصوات الحافلات الحمراء يظهر مشهد بسيط لكنه غير مألوف رجل مصري يمشي بهدوء مرتدياً جلابيته البسيطة في شكلها لكنها تحمل في خيوطها تاريخاً طويلاً من الأرض والشمس والنيل حين يمشي مصري مرتدياً جلابيته في شوارع London فهو لا يرتدي مجرد لباس تقليدي بل يحمل معه جزءاً من الذاكرة المصرية رائحة النيل وصوت الأسواق القديمة وبساطة الحياة في القرى والنجوع، فالجلابية هنا تصبح رسالة صامتة تقول إن الهوية يمكن أن تسافر مع صاحبها أينما ذهب. لقد سافرت بها من مصر لا لأنها مريحة فحسب، ولا لأنها عادة متوارثة، بل كنت أشعر أنني أحمل معي قطعة من تاريخ بلادي، فالجلابية ليست قماشاً يُفصل ويُلبس بل ذاكرة تمتد عبر قرون طويلة من حياة المصريين من الحقول الخضراء من دلتا النيل إلى القرى الهادئة في صعيد مصر حيث ارتبطت ببساطة الإنسان المصري وكرامته وهدوئه. فلم تكن الجلابية التي سافرت بها مجرد ثوب تقليدي بل كانت وطناً صغيرا أرتديه في خيوطها شيء من دفء الشمس التي تعانق الحقول وفي اتساعها بساطة القرى التي تعلّمت منها فى مصر معنى الطمأنينة، وحين وضعتها على كتفي شعرت كأنني لا أحمل قماشاً؛ بل أحمل ذاكرة أرض عريقة ارتوت بمياه النيل، وازدهرت بعرق أهلها. فالجلابية ليست مجرد لباس إنها ذاكرة لصورة الفلاح وهو يقف عند ضفة الماء وصوت المؤذن في قرية بعيدة ونسيم المساء الذي يمر فوق الحقول وعندما تنتقل هذه القطعة من ضفاف النيل إلى شوارع لندن الباردة يحدث شيء يشبه الحوار الصامت بين عالمين لكن التجربة ليست مجرد استعراض للثقافة في أوقات عالمية مضطربة عندما تتصدر الأخبار توترات وصراعات في الشرق الأوسط مثل الحديث عن الحرب أو التوتر مع إيران تتغير طريقة قراءة الناس للرموز قد تتحول الجلابية في عيون البعض من لباس تقليدي جميل إلى علامة مرتبطة بصورة أكبر عن الشرق بكل ما تحمله من تصورات مسبقة. فالناس ينظرون بعض نظراتهم تحمل إعجاباً صريحاً في مدينة تعيش على التنوع فيبدو الزي التقليدي كقطعة فن تمشي بين الجموع لكن آخرون ينظرون بفضول ربما يتساءلون من أين جاء هذا الرجل وما القصة التي يحملها معه ولهذا تنقسم النظرات بعضها نظرات إعجاب وفضول رغم ذلك بدت الجلابية كأنها رسالة صامتة تقول إن الهوية لا تضيع مهما ابتعدت المسافات فكان المارة ينظرون أحياناً بخوف وربما بابتسامة لكنني كنت أدرك أن ما يرونه ليس مجرد لباس مختلف بل أثر حضارة عريقة حملت إلى العالم العلم والفن والإنسانية. فكانت نظرات المارة مختلفة مابين الخوف والدهشة وربما إعجاب صامت لكن ما لم يدركه كثيرون أن تلك الجلابية لم تكن مجرد مظهر تقليدي يلفت الانتباه بل كانت رسالة غير منطوقة رسالة تقول إن الهوية ليست ما نرتديه فقط بل ما نحمله في أعماقنا من تاريخ وانتماء واعتزاز فهناك أشخاص يرون في الجلابية شيئاً أنيقاً ومختلفاً أو ربما يسألون عنها وبعضها نظرات حذرة أو مترددة ناتجة ليس عن الشخص نفسه بل عن الخوف الذي تصنعه الأخبار والصور النمطية لكن هناك نوعاً آخر من النظرات الحذرة والمترددة التى شكلتها الأخبار عن صراعات الشرق الأوسط فقطعة لباس قد تتحول في ذهن البعض إلى علامة عن عالم كامل لا يعرفونه لكن يبقى المشهد جميلًا بطريقة ما فأن تمشي في مدينة عالمية مرتدياً لباسك التقليدي هو نوع من الشجاعة الهادئة ليس تحدياً لأحد بل هو إعلان بسيط عن الذات المصرية بتاريخها العريق لأن الإنسان المصرى هو جزء مهم من العالم دون أن يخلع جذوره في تلك اللحظة فبين ناطحات الزجاج وصفارات الحافلات تصبح الجلابية أكثر من لباس تصبح جسراً صغيراً بين قرية مصرية هادئة ومدينة لا تنام بين ثقافة دافئة وتاريخ حضري صاخب فتصبح الجلابية شيئاً أكبر من مجرد لباس تصبح حضوراً ثقافياً هادئاً ورسالة بسيطة للعالم ولعل هذا هو جمال المدن الكبرى أنها مسارح هائلة لقصص صغيرة فقصة رجل يمشي في الشارع اللندنى بلباس بلده قد تبدو تفصيلاً عابراً لكنها في الحقيقة لحظة إنسانية عميقة حيث يلتقي الماضي بالحاضر والجنوب بالشمال والبساطة بضجيج الحداثة وربما أجمل ما في الأمر أن الجلابية رغم كل تلك النظرات المختلفة تظل كما هي بسيطة صادقة ومتصلة بجذورها كأنها تذكر صاحبها بأن الإنسان قد يسافر بعيداً لكن بعض الأشياء الجميلة من وطنه تستحق أن تبقى معه في كل مكان لكن تبقى التجربة مثيرة للاهتمام فهي تكشف شيئاً عميقاً عن العالم الذي نعيش فيه كيف يمكن لقطعة لباس بسيطة أن تفتح حواراً صامتاً بين الثقافات وكيف يمكن للهوية أن تكون مرئية بوضوح وسط مدينة ضخمة لتشعر ولو للحظات بأن المسافات تتلاشى فهنا نهر التايمز يمضي هادئاً بين الجسور العتيقة وهناك في الذاكرة يجري النيل منذ آلاف السنين شاهداً على حضارة علمت العالم كيف تُكتب أولى صفحات التاريخ وبين النهرين يقف إنسان بسيط يرتدي جلابية مصرية لكنه يحمل في قلبه وطناً كاملاً. فالمصريون أينما ذهبوا لا يسافرون وحدهم بل يسافر معهم شيء من رائحة النيل ومن طينة الأرض الطيبة ومن حكايات الجدات في ليالي الصيف ومن صبر الفلاحين الذين صنعوا من البساطة قيمة ومن العمل كرامة وحين ترتدي الجلابية بعيداً عن الوطن تدرك أنها لم تعد مجرد لباس لقد أصبحت جسراً بين مكانين وذاكرة تمشي في شوارع مدينة بعيدة وهكذا وسط الأبنية الحديثة والوجوه القادمة من كل بقاع الأرض كانت الجلابية المصرية تقول حكايتها بصمت نبيل عن حكاية شعب عريق لا يحتاج إلى ضجيج ليعلن حضوره لأن التاريخ نفسه يتكلم عنه. وهكذا كانت الجلابية المصرية في شوارع لندن ليست مجرد ثوب تقليدي بل علم غير مرفوع وتاريخ غير مكتوب ورسالة هادئة تقول إن مصر لا تسافر في الحقائب فمصر في حقيقتها لا تُختصر في حدود الجغرافيا ولا تسكن فى الخرائط وحدها مصر تسكن الإنسان الذي يحملها في قلبه وقد تسافر أحياناً في جلابية بسيطة لكنها تاريخ بين خيوطها عظمة وطن كامل وفي النهاية تبقى الجلابية كما هي بسيطة صادقة وواثقة من نفسها تتحرك مع الريح الخفيفة في شوارع لندن كأنها تقول للعالم كله إن الإنسان قد يسافر بعيداً جداً لكنه أحياناً يحمل وطنه معه في قطعة قماش وربما لهذا السبب تحديداً تبقى التجربة فريدة لأن كل خطوة في شوارع لندن لا تحمل جسداً فقط بل تحمل قصة إنسان جاء من مكان بعيد ومعه قطعة من وطنه يتركها ترفرف بهدوء وسط العالم فالمدن الكبرى تعلّمنا شيئاً مهماً أن الاختلاف ليس صداماً دائماً بل أحياناً يكون مجرد حكاية تمشي بين الناس..

أخبار الساعة

الاكثر قراءة