منذ الإعلان عن عرضه بالموسم الرمضانى الحالي، فرض مسلسل «صحاب الأرض» نفسه على خريطة الدراما العربية كواحد من أكثر الأعمال إثارة للنقاش والجدل، ليس فقط بسبب موضوعه الحساس، ولكن أيضا بسبب حجم التفاعل النقدى والجماهيرى الذى أحاط به قبل وبعد عرض حلقاته، فالعمل الذى يتناول الواقع الإنسانى فى غزة من زاوية درامية، لم يمر مرورًا عاديًا ضمن السباق الدرامى الرمضاني، بل تحوّل سريعًا إلى حالة ثقافية وإعلامية، تصدّرت قوائم التريند على منصات التواصل الاجتماعي، وفرضت نفسها كمادة للنقاش بين النقاد والجمهور على حد سواء.
وتعامل النقاد فى مصر مع المسلسل بوصفه تجربة مختلفة داخل سياق الدراما الرمضانية التقليدية التى يغلب عليها الطابع الاجتماعى أو الكوميدي، فمنهم منْ رأى أن «صحاب الأرض» خرج إلى مساحة أوسع تمزج بين الدراما الإنسانية والطرح السياسي، معتمدًا على لغة بصرية مكثفة وأداء تمثيلى اتسم بالهدوء والتعبير الداخلى أكثر من الخطابة المباشرة، ومنهم منْ رأى أن قوة العمل لا تكمن فقط فى موضوعه بل فى قدرته على خلق حالة وجدانية لدى المشاهد، جعلته يتفاعل مع الشخصيات باعتبارهم بشرًا يعيشون تفاصيل يومية قاسية، لا مجرد رموز لقضية.
على مستوى الجمهور، تحول مسلسل «صحاب الأرض» إلى ظاهرة متكررة على منصات التواصل الاجتماعي، فتصدرت مشاهد محددة واجهة التفاعل وتداول المستخدمون مقاطع مقتطفة من الحلقات مرفقة بقراءات وتعليقات حادة أحيانا، ولم يقتصر الصدى على الداخل المصرى بل امتد إلى عدة دول عربية، وتردد اسمه فى وسائل إعلام خارج المنطقة، متجاوزًا إطار العمل الرمضانى الموسمى إلى مساحة أوسع من الأبعاد الثقافية والسياسية، أما ردود الفعل الخارجية سواء المؤيدة أو المنتقدة فى تل أبيب، فقد عكست حجم الأثر الذى أحدثه المسلسل، وأعادت طرح تساؤل جوهرى حول وظيفة الدراما فى تناول القضايا الكبرى: هل تكتفى بسرد الحكاية، أم تمضى نحو التأثير فى تشكيل الوعى بها؟
الناقد الفنى عماد يسري، أكد أن مسلسل «صحاب الأرض» هو أحد أبرز تجارب الدراما المصرية فى رمضان 2026، بعدما تجاوز حدود المنافسة التقليدية ليدخل دائرة الجدل الثقافى والإعلامى الواسع، فالعمل لم يحقق فقط حضورًا جماهيريًا لافتًا داخل مصر والعالم العربي، بل امتدت أصداؤه إلى الخارج، حيث صدرت تعليقات وردود أفعال رسمية وإعلامية تناولت مضمونه بشكل مباشر، فصدور بيانات وتصريحات إسرائيلية تنتقد ما جاء فى المسلسل يعكس حجم التأثير الذى أحدثه، إذ نادرًا ما تحظى الأعمال الدرامية بردود فعل سياسية علنية بهذا الوضوح.
وقال يسري: إن الجدل الخارجى سواء جاء فى صورة نفى أو اعتراض على ما طرحه العمل يُعد مؤشرًا على أن الدراما لم تعد مجرد مساحة للترفيه، بل باتت فاعلًا مؤثرًا فى تشكيل النقاش العام، فحين يصل تأثير مسلسل تلفزيونى إلى مستوى استدعاء ردود رسمية؛ فإن ذلك يعنى أنه نجح فى اختراق الحواجز التقليدية، وأصبح جزءًا من معركة السرديات والروايات المتباينة حول القضايا الكبرى، وهنا يبرز مفهوم «القوة الناعمة» بوصفها إحدى أهم أدوات التأثير الثقافي؛ إذ تمتلك الدراما قدرة استثنائية على الوصول إلى وجدان الشعوب بلغات مختلفة، بعيدًا عن الخطاب السياسى المباشر، فالفن بطبيعته الإنسانية يستطيع أن يطرح أسئلة معقدة فى قالب سردى مؤثر، وأن يفتح مساحات للنقاش ربما تعجز عنها البيانات الرسمية أو المنابر التقليدية.
وأوضح أن مسلسل «صحاب الأرض» لم يكن مجرد عمل رمضانى ناجح، بل تجربة تؤكد قدرة الدراما المصرية على استعادة دورها فى التأثير الإقليمى والدولى عبر سردية فنية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس قضايا أوسع، وتعيد التذكير بأن الفن حين يُقدَّم بجودة ووعى يصبح أداة حقيقية للتأثير الثقافى العابر للحدود، فالإعلام والفن كانا ولا يزالان الوسيلة الأصدق لنقل صوت المعاناة الإنسانية إلى وجدان الشعوب، وما تشهده الأرض الفلسطينية من أحداث لم يكن ليصل بهذا العمق والتأثير لولا الدور الذى تقوم به الدراما فى إعادة صياغة الواقع إنسانيًا، ومسلسل «صحاب الأرض» يمثل نموذجًا واضحًا لهذا الدور، إذ تجاوز حدود الترفيه ليصبح عملًا يحمل أبعادًا توثيقية وإنسانية، ويطرح أسئلة جوهرية أمام المشاهد العربى والأجنبى على السواء.
وبيَّن يسرى أن المخرج بيتر ميمى قدّم فى هذا العمل محطة فارقة فى مسيرته الفنية، فالتجربة كشفت عن نضج بصرى ودرامى مختلف، وقدرة على إدارة ملحمة إنسانية بحساسية ووعى بتفاصيل الصورة والإيقاع، فالعمل لم يكن مجرد مشروع فنى موسمى بل تجربة تحمل مسئولية ثقيلة تعامل معها فريقها بانحياز واضح للبعد الإنساني، حتى الأداء التمثيلى كان متميزا، فالفنانة منة شلبى قدمت أداءً مغايرًا لما اعتاده الجمهور، واعتمد على التعبير الداخلى الهادئ والمؤثر، فيما أظهر إياد نصار قدرة كبيرة على ضبط الانفعال وتقديم شخصية متماسكة تعكس عمق الأزمة، وكذلك حضور عصام السقا وبقية الفنانين، صدق أدائهم كان واضحًا وكأنهم ينقلون إحساسًا عاشوه وتابعوه مثل الجمهور.
وأضاف أن الأدوار المركبة ومنها شخصية المتحدثة الإسرائيلية التى جسدتها روان الغابة، جاءت ضمن رؤية درامية متكاملة تخدم السرد وتمنحه بعدًا واقعيًا، ورغم صعوبة التصوير فى أماكن الحدث فإن فريق العمل عوّض ذلك بحرفية عالية فى تنفيذ الخدع والمؤثرات الصوتية والبصرية، ما جعل المشاهد يعيش التجربة وكأنه داخل قلب الأحداث، مشيدا بالدور الذى قامت به الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى دعم إنتاج عمل بهذا الحجم والحساسية، معتبرًا أن ذلك يعكس توجهًا نحو دراما تحمل مضمونًا إنسانيًا عميقًا وقادرًا على الوصول إلى جمهور عابر للحدود، خاصة مع ترجمة العمل وإتاحته دوليًا.
ونوه يسرى إلى أن «صحاب الأرض» يعيد إلى الأذهان تجارب درامية مصرية بارزة مثل الاختيار، التى أثبتت أن الدراما يمكن أن تكون جزءًا من معركة الوعى من خلال الحكاية والصورة والإحساس، لا عبر الخطاب المباشر، فالعمل يمثل ملحمة إنسانية تؤكد أن القوة الناعمة المصرية ما زالت قادرة على التأثير، وأن الدراما حين تتسلح بالصدق والحرفية تصبح شهادة على زمن وصوتًا يصل إلى كل من يريد أن يسمع.
الدراما الوطنية
وفى السياق ذاته، أوضح الناقد الفنى عصام زكريا، أن المسلسل نجح فى تحقيق توازن نسبى بين الطرح الإنسانى والبعد السياسي؛ إذ لم يتعامل مع القضية باعتبارها خطابًا مباشرًا، بل انطلق من حكايات أشخاص يعيشون تفاصيل يومية قاسية، ما منح السرد طابعًا وجدانيًا خفّف من حدة الشعارات، فقوة العمل لم تكن فى موضوعه فقط بل فى طريقة تقديمه؛ حيث حضرت السياسة كخلفية ضاغطة، بينما تصدرت الإنسانية المشهد، وعلى مستوى الكتابة، فإن الشخصيات الرئيسية رُسمت بملامح نفسية واضحة، وبدت دوافعها مفهومة ومبررة دراميًا، وهو ما ساعد على خلق تعاطف حقيقى لدى المشاهد.
وفيما يخص الإخراج أشاد زكريا بإخراج العمل وجميع المشاركين، معتبرا أن الصورة عنصر محورى فى نقل أجواء الضيق والحصار من خلال الإضاءة الخافتة، وزوايا الكاميرا القريبة، والاعتماد على لقطات صامتة طويلة تحمل شحنة شعورية عالية، فالعمل اعتمد على الصورة أكثر من الحوار فى لحظات مفصلية، ما منح المشاهد مساحة للتفاعل الداخلي، كما لعبت الموسيقى التصويرية دورا داعمًا للحالة النفسية، دون أن تتحول إلى عنصر ضاغط أو مبالغ فيه، والأداء التمثيلى من ضبط الانفعالات والابتعاد عن المبالغة كان هائلا، فالأداء اتسم بالهدوء والصدق وهو ما انسجم مع طبيعة العمل الواقعية، وحتى الشخصيات الثانوية بالمسلسل استطاعت أن تترك أثرًا لافتًا بفضل عفوية أدائها، فأحيانًا لا يقلون تفوقا عن أبطال الخط الأول، وهو ما يحسب لصالح إدارة الممثلين داخل العمل.
وبشأن الجدل الذى رافق المسلسل وتصدره قوائم التريند، قال الناقد الفني: إن حساسية الموضوع لعبت دورًا فى جذب الانتباه الأولي، لكن استمرار التفاعل يعود إلى المعالجة الفنية الجادة، فالنقاش الجماهيرى على مواقع التواصل غلب عليه الطابع السياسي، فى حين ركزت الدوائر النقدية على تفكيك العناصر الفنية من كتابة وإخراج وأداء، كما اعتبر بعضهم أن السوشيال ميديا ساهمت فى توسع دائرة الاهتمام.
بينما أكد الخبير الإعلامى حسن هويدي، النائب الأسبق لرئيس قناة النيل الدولية، أن مسلسل «صحاب الأرض» لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد عمل درامى عابر، بل هو عمل يحمل دلالة واضحة منذ عنوانه، فاختيار هذا الاسم فى حد ذاته يحمل رسالة مباشرة حول هوية الأرض وأصحابها، وهو ما يجعله بطبيعة الحال مثيرًا للجدل، فحساسية العنوان تعكس جوهر القضية، لأن الحديث عن “أصحاب الأرض” يعيد طرح السؤال التاريخى حول منْ يملك الحق ومنْ يعيش على أرضه منذ البداية.
وأشار هويدى إلى أن ردود الفعل والهجوم الذى شنّه الإعلام العبرى على المسلسل حتى قبل الخوض فى تفاصيله، يُعد دليلًا على قوة تأثيره، فمجرد اسم العمل كان كافيًا لإثارة القلق، ما يؤكد أن الدراما قادرة على تحريك نقاشات تتجاوز حدود الشاشة، وهذا الهجوم يعكس إدراكًا بأن مصر حين تتناول قضية ما فنيًا فإنها لا تزوّر الواقع أو التاريخ بل تقدم سرديتها انطلاقًا من معطيات تاريخية وإنسانية واضحة، وهنا المسلسل لا يكتفى برصد المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطينى من فقدان البيوت إلى قسوة الظروف المعيشية، بل يعيد إحياء القضية فى الوعى العام ويذكّر الأجيال الجديدة بتفاصيل قد تغيب وسط زحام الأحداث، فتوثيق هذه الوقائع دراميًا يرسخها فى الذاكرة الجمعية أكثر مما تفعل البيانات أو التقارير السياسية.
وأوضح هويدى أن ترجمة العمل وعرضه على نطاق أوسع عالميًا يمكن أن يسهم فى نقل الرواية العربية إلى جمهور دولي، لأن الفن لغة عابرة للحدود، وأتمنى أن يُعرض المسلسل على شاشات الدول العربية كافة، فذلك يعزز وحدة الموقف الثقافى ويؤكد أن الدراما يمكن أن تكون جسرًا للتواصل بين الشعوب، ودور مصر التاريخى فى دعم الشعب الفلسطينى يجب أن يُذكر فى الدراما والتاريخ معًا، لأن المواقف المصرية الممتدة منذ عام 1948 تعكس انحيازًا ثابتًا لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما ينبغى أن يبقى حاضرًا فى وعى الأجيال، وما يقدمه «صحاب الأرض» يبرهن على أن القوة الناعمة المصرية ما زالت الأكثر تأثيرًا فى محيطها، وأن الدراما حين ترتبط بالقضايا الكبرى تتحول إلى أداة فاعلة فى تشكيل الوعى وصناعة التأثير الثقافي.