رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

معــركـة إضعــاف الـدولار


26-2-2026 | 15:46

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

لا شك أن الأسواق ضربت بكل القواعد الاقتصادية والمالية الحاكمة عُرض الحائط، وأصبحت الإجابة القطعية لا توجد فى واشنطن أو وول ستريت، بل فى حالة الانهيار الدراماتيكى للأسواق المالية العالمية التى تدخل حقبة اقتصادية جديدة؛ لذلك نحن أمام نسخة محدثة لكنها أكثر شراسة مع الإنفاق الحكومى الزائد فى العالم كله.

هنا نقول إن ساعة الصفر للأسواق المالية ليست توقيتا زمنيا، وهنا تبرز أهمية السؤال الذى يتردد فى العالم وهو هل قررت أمريكا تخفيض قيمة الدولار عمدا ولماذا؟.

فى عالم يتبدل سريعاً وبشكل غير مسبوق، ويتجاوز كل القواعد، تحتفل أقوى دولة فى العالم بتراجع عملتها، وكأن الانهيار بات سياسة لا خطأ، وخلف التصريحات المطمئنة تُدار عملية هندسة مالية معقدة هدفها تذويب الديون عبر تآكل قيمة السيولة، وقد اختارت أمريكا أمام حرب العملات إضعاف الدولار لتأهيل الأسواق المالية العالمية للانفجار الأكبر حين تجف السيولة ويفقد الكاش كله قيمته بهدوء؛ لتعاد كتابة خريطة الثروة فى العالم من جديد.

تغير مزاج الأسواق، وأصبح مليئا بعدم اليقين والمضاربات والضباب، ونحن جميعا لا نلاحق الضجيج السطحى؛ لذلك لابد من التفكير العميق، فالملاذات الآمنة تصعد وترتد نتيجة البيع على المكشوف فى حالة من الرالى المفتوح عالمياً.

الاقتصاد يحدث دوما عاصفة فوق سماء السياسة بسبب سوء الفهم المنظم، وهو ما يحدث حالياً فى حروب العملات، فهناك اتجاه للصين نحو عولمة اليوان، مع الأخذ فى الاعتبار أن النظم الجديدة لا تولد فجأة بل تسبقها سنوات من الاشتباك الاقتصادى والتكنولوجى والمالى، هذا النموذج من الصراع الصينى الأمريكى الذى يكلف العالم ما لا يقل عن 10 تريليونات دولار. وفى هذه الحرب الجذرية بين الأسواق والعملات إلى أين تتجه القوى الكبرى.. وهل يفرضون على العالم واقعا اقتصاديا جديدا أم واقعا سياسيا؟.

هناك تسويات عقلانية أم أن هناك حرباً مكلفة تُعيد هندسة العالم بالقوة، الصين بدأت فى الاستغناء عن حيازة السندات الأمريكية حتى التجارة العالمية باليورو ارتفعت من 2 فى المائة إلى 8 فى المائة،  لغة الاقتصاد والعقل والتفكير المالى العميق تقول إن الوقت ما زال مبكراً للحكم على هذا الأمر، ولكن هناك فعلاً معركة بدون صوت ضد الدولار، فهناك عملاق كبير فى السوق العالمية يقوم بامتصاص الذهب العالمى ويحير العالم بكذبة كبيرة.

وهنا يبرز سؤال كبير: هل الصين لديها المفتاح السحرى لسر الزر النووى المالى العالمى عندما تشترى وتخزن الذهب منذ 13 شهرا على التوالى بدون انقطاع؟ قد تكون الصين قد تجاوزت الـ5 آلاف طن أو أكثر طبقا للبيانات الرسمية.

الأمر لا يتعلق بالمال فقط وإنما انظر لحال الأسواق المالية مع بداية عام 2026 الذى بدأته أمريكا بفوضى عارمة أطلقتها أمريكا بضربة مفاجئة على فنزويلا ورسوم جمركية تضرب بها هنا وهناك، وتوترات  على مسألة تايوان وتصاعد الدخان فى الحرب التجارية بين أمريكا والصين، وهنا قرأت الأسواق ما بين السطور وبدأت الثقة فى هيمنة الدولار تهتز بعمق، وكل ذلك مرتبط بتراكم الذهب اللامحدود لدى  الصين.

الشيطان دوما يكمن فى التفاصيل، فسويسرا مثلا صدرت للصين حوالى 35 طنا من الذهب فى شهر واحد، وفى نوفمبر 2025 تضاعف الرقم وهذا هو رأس جبل الجليد، فالصين خفضت الاستهلاك المحلى للمجوهرات إلى 3,55 فى المائة  بدلاً من 5 فى المائة، وهناك منْ يقول إن الصين لديها 8 آلاف طن من الذهب.

هذا كله يعنى أن هناك استعدادا لحرب مالية، والاستغناء عن 700 مليار دولار من السندات الأمريكية يعنى استعدادا تقنيا لإزالة الدولرة فى عملية تغيير لفصيلة دم العالم، وأن الأمر حقيقى وليس شعارات.

هناك حالة من الغموض الاستراتيجى تتدفق على مستوى العالم، فالذهب يتدفق من الشرق إلى الغرب، هو ليس تجارة عابرة وإنما عملية جراحية لتحرك استراتيجى للمستقبل، فالذهب يخرج من لندن إلى هونج كونج عبر الوسطاء.

الدولار أصبحت له عيون شاخصة على الأحداث الجيوسياسية، وهنا أصبح وجود لاعبين جدد يحركون الأسواق المالية العالمية أمراً طبيعياً وهم صائدو القيعان، مما يجعلنا أمام بداية نظام عالمى مالى جديد تتغير فيه قواعد اللعبة التى اعتدنا عليها.

واليوم تواجه أمريكا أكبر اختبار فى التاريخ؛ لأن صاحب الدين الكبير هنا هو أكبر اقتصاد فى العالم وأقوى جيش، والبنك الذى تعتمد عليه فى التسليف هو الصين أصبح أكبر منافس ويسعى إلى عولمة اليوان.

فى لحظة قررت الصين أن زواج المصلحة بينها وبين أمريكا مهدد من مخاوف التجميد والعقوبات، فقررت أن تتحول من تمويل مريح بفعل السندات الأمريكية إلى نزيف بطىء، لذلك يبدو أن الدولار يعانى من ضغط الصين.

فهل ستكون فى السنوات القادمة استراتيجية صينية لزعزعة الدولار، وأن الصين تمتلك عملة قوية تستخدم على نطاق واسع فى التجارة العالمية، والاستثمار وأسواق الصرف تتساءل: هل تكون هناك عملة احتياطية عالمية فى القريب أم الوقت ما زال مبكرا؟، حيث قال ترامب لا توجد أى فرصة لأن تحل عملة لبريكس مثلا مكان الدولار وأى دولة تحاول ذلك فلتقل مرحبا بالرسوم الانتقامية، فهل تهديدات ترامب تحول دون وصول اليوان إلى المحافظ المالية  للدول أم أن الحديث عن قرب نهاية الدولار سابق لأوانه؟.

النظام العالمى لم ينضج بعد والدولار صامد منذ 80 عاما، وما يحدث اليوم يعد مسارا تدريجيا تراكميا لأمريكا؛ حيث لم تعد القوة المهيمنة الاقتصادية الوحيدة فى العالم، وهناك تعددية اقتصادية، والأمر فى يد العالم والدول الناشئة ماذا تفعل؟، فالتبادل بالعملات المحلية أصبح واقعا يمثل 47 فى المائة  من النظام العالمى، و20 فى المائة يتم باليورو، و57 فى المائة  من النظام النقدى بالدولار، فهل ما زال الوقت مبكراً على إنهاء الدولرة؟ أم التعددية الاقتصادية أصبحت واقعا وصعود الصين تاريخيا وأمريكا عدوة نفسها بل ألد أعداء نفسها بالسياسات العقابية المالية لترامب فى عسكرة واضحة لملف الاقتصاد والدولار.

الدول الناشئة عليها أن تفكر فى الفرار من سيف الدولار المسلط عليهم وعصا الرسوم العقابية، عبر تنويع مصادر التمويل وكذلك سلة العملات المحلية والدولية، وأن تحصن نفسها بالذهب، فالمستقبل الاقتصادى للدول يقول إن شكل التجارة العالمية والتعامل بالدولار سيختلف آجلا أم عاجلاً.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة