رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فضائح «إبستين» تفتح ملف علاقاته المشبوهة بإسرائيل


15-2-2026 | 11:27

.

طباعة
تقرير: دعاء رفعت

منذ تفجرت قضية فضائح جيفري إبستين المتعلقة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، وما تبعها من تسريبات ووثائق وشهادات، لم تتوقف التساؤلات حول شبكة علاقاته الواسعة التي ضمت سياسيين، ورجال أعمال، وأكاديميين، وشخصيات نافذة داخل الولايات المتحدة وخارجها، ومع توالي التحقيقات الصحفية، برزت خيوط متشابكة تربط إبستين بإسرائيل، وبعدد من المؤسسات اليهودية، وشخصيات سياسية إسرائيلية بارزة، حتى أنه تم اتهامه مباشرة بالعمل لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد»، ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة هذه العلاقات، وحدودها، وخلفياتها السياسية والمالية والأيديولوجية.

في خضم هذه الفضائح، أعادت تقارير إعلامية غربية تسليط الضوء على اهتمام «إبستين» بما يُعرف بـ «الكابالا اليهودية»، وهي مدرسة صوفية داخل التراث اليهودي، غالبًا ما تُقدم في الإعلام الشعبي باعتبارها محط اهتمام بعض النخب الثرية في الغرب، والتي تتضمن طقوسًا غريبة، وترتكز الكابالا على مفاهيم رمزية معقدة، من أبرزها «شجرة الحياة» المؤلفة من عشرة تجليات روحية تُعرف باسم «السفيروت»، يُعتقد أنها تمثل مراحل تجلي الإله في العالم المادي، وقد أسهم الغموض الذي يكتنف الكابالا، إلى جانب توظيفها المعاصر في ثقافة المشاهير والنخب الثرية، في تضخيم صورتها في الإعلام الغربي، ووصمها أحيانًا بـ«الطقوس الغريبة»، غير أن هذا الاهتمام، مقترنًا بعلاقاته الواسعة بمؤسسات وشخصيات إسرائيلية، أسهم في تغذية الشبهات والتكهنات حول الدور الذي لعبته هذه الروابط في حماية إبستين لسنوات طويلة من المساءلة القضائية.

وبالطبع برزت قضية تبرعات «إبستين» للمنظمات اليهودية وعلى رأسهم منظمات ومؤسسات تابعة للجيش الإسرائيلي، فلطالما شكلت التبرعات الخيرية وسيلة فعالة لتعزيز الصورة العامة لرجال وول ستريت من المليونيرات والمليارديرات، إذ تمنحهم وضعًا اجتماعيًا مريحًا بوصفهم داعمين للعمل الإنساني والخيري.

وفي هذا الإطار، قدّم جيفري إبستين ملايين الدولارات كتبرعات لجهات مختلفة، دعمت قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية وإيديولوجية، شملت جامعات مرموقة، ومنظمات ثقافية، ومراكز بحثية، إضافة إلى مؤسسات صحية وبرامج تطعيم ضد الأمراض، غير أن قائمة الجهات التي تلقت دعمًا ماليًا من «إبستين» ضمت أيضًا مؤسسات ذات طابع سياسي وأمني، من بينها جمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي (FIDF)، وهي منظمة غير ربحية تعمل على جمع التبرعات لصالح جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة.

تشير التقديرات إلى أن ثروة إبستين تجاوزت 500 مليون دولار عند الإفراج عنه بعد قضائه عقوبة بالسجن لمدة 13 شهرًا في ولاية فلوريدا، بينما بلغت قيمة تبرعاته الخيرية أكثر من 30 مليون دولار على مدى نحو عقدين، قبل سجنه في يونيو 2008.

وأسس «إبستين» أربع مؤسسات خيرية غير هادفة للربح، مسجّلة وفق البند الضريبي الأمريكي 501 (سي) (3)، وهي: إبستين إنتريست، ومؤسسة سي أو يو كيو، وشركة الامتنان الأمريكي، إضافة إلى مؤسسة أُنشئت في جزر العذراء (جزر فيرجن) الأمريكية، وتقدّم هذه المؤسسات إقرارات ضريبية سنوية عبر نموذج 990، الذي يكشف تفاصيل مصادر التمويل وأوجه الصرف.

ووفقًا للسجلات، قدم «إبستين» تبرعات مالية كبيرة لعدد من المؤسسات الأكاديمية، من بينها جامعة ولاية أوهايو وجامعة هارفارد، كما مول أبحاثًا لعدد من العلماء البارزين، من بينهم الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينج، كما كشفت الوثائق عن دعمه المالي الواسع لمنظمات يهودية مختلفة داخل الولايات المتحدة.

أظهرت الإقرارات الضريبية، التي اطلعت عليها صحيفة ميامي هيرالد، أن «إبستين» ساعد أكثر من 12 منظمة يهودية غير ربحية ومؤسسة تعليمية، شملت جماعات طلابية يهودية في جامعات أمريكية، ومنظمات تُعنى بدعم النساء اليهوديات، ومدارس ودور رعاية أطفال، إضافة إلى مركز متخصص بدراسات الهولوكوست، وعدد من المعابد اليهودية. كما تضمنت قائمة الجهات المستفيدة منظمة «بدرور السلام»، التي تأسست بهدف جمع طلاب مدارس إسرائيلية وفلسطينية في مخيم صيفي بولاية مين الأمريكية، في إطار برامج حوار وتعايش.

وفي سياق متصل، أثارت علاقة إبستين بإسرائيل قدرًا كبيرًا من الجدل، خاصة بعد الكشف عن علاقة وثيقة جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، استمرت لنحو عقد من الزمن، وأظهرت وثائق وتقارير صحفية أن «باراك» زار منزل «إبستين» في نيويورك أكثر من 30 مرة بين عامي 2013 و2017، وهو ما نفاه الأول لاحقًا باعتباره ذا طابع اجتماعي وشخصي.

وفي إحدى التسريبات، تحدث باراك مع إبستين، في تسجيل صوتي وُصف بـ«الخطير» عن حاجة إسرائيل إلى «مليون روسي» لإحداث تغيير جذري في بنية الدولة من أجل التغلب الديموغرافي على المواطنين الفلسطينيين، واعتبر «باراك» أن هذا العدد كفيل بإحداث تحول «دراماتيكي للغاية» ليس فقط على المستوى الديموجرافي، وإنما أيضًا في البنية الاقتصادية والثقافية للمجتمع الإسرائيلي.

وكشفت السجلات أيضًا أن «إبستين» قدم عام 2005 تبرعًا بقيمة 25 ألف دولار لـجمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي (FIDF)، وهي منظمة غير ربحية أُسست عام 1981، وتُعد الجهة الرئيسية المخوّلة بجمع التبرعات لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، وتهدف الجمعية إلى تلبية احتياجات جنود الجيش الإسرائيلي عبر برامج تعليمية واجتماعية وثقافية وترفيهية، فضلًا عن دعم عائلات الجرحى والقتلى من صفوف الجيش. وتجمع المنظمة سنويًا مئات الملايين من الدولارات من خلال شبكة مكاتب تضم نحو 20 فرعًا في ولايات أمريكية مختلفة.

ومن ناحية أخرى، أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة ماريلاند في نوفمبر الماضي، على عيّنة من 1017 أمريكيًا، أن 44 فى المائة من المشاركين يرجّحون وجود ارتباط بين إبستين وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وهي نتائج عكست حجم الشكوك الشعبية المحيطة بالقضية.

وفي السياق ذاته، صرح الإعلامي والمحلل السياسي الأمريكي تاكر كارلسون بأن جيفري إبستين ربما كان يعمل لصالح جهاز استخبارات أجنبي، مضيفًا أن الجميع يعرف أنه كان يعمل لصالح إسرائيل، وتحديدًا جهاز الموساد، وهي تصريحات لم تؤكدها أي جهة رسمية، لكنها أسهمت في إعادة إشعال الجدل حول الأبعاد السياسية والأمنية لقضية «إبستين».

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة