رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ما بين فيلم وثائقى وأوبرا «توت عنخ آمون».. زاهى حواس يروى قصته مع الآثار


15-2-2026 | 11:27

الدكتور زاهى حواس

طباعة
كتبت: أمانى عبد الحميد

لم يكن يومًا مجرد عالم آثار بل ظل عقودًا طويلة يبحث عن دور مختلف يتجاوز ذلك، ظل يسعى حثيثًا كى يتحول إلى مشروع أثرى ثقافى نشط، لم يهدأ يومًا، ظلّ طوال مسيرته يعيش حالة اشتباك مع كل ما يحيط به، مع الحفائر والاكتشافات، الصحافة والإعلام، الفن والسينما، الجولات العالمية، الكتب والإصدارات العلمية، وها هو اليوم يطلّ علينا بفيلم يتحدث فيه عن نفسه وأوبرا موسيقية يتخيل فيها قصة الملك الصغير توت عنخ آمون الذى طالما ارتبط به، إنه بالتأكيد الدكتور زاهى حواس، وزير الآثار الأسبق، حيث غلبت شهرته كل مَن عمل فى مجال الآثار المصرية فى عصرنا الحديث، البعض يختلف معه والبعض الآخر يختلف عليه، لكن لا أحد يستطيع إنكار حضوره الطاغى، وقدراته الاستثنائية على تحويل علم الآثار الجامد إلى مجال مليء بالشغف يداعب خيال الجمهور العام فى كل مكان حول العالم.

 

 

بفيلم وثائقى وأوبرا غنائية، خرج الدكتور زاهى حواس للعالم باكتشاف جديد فنى وليس أثريا أو علميا، قدم عملين فنيين يحملان توقيع عالم آثار، وبسببهما نجح فى تحويل العلم إلى حكاية مرئية ومسموعة، لم يهتم بمشاركة أحد، لكنه جلس بمفرده داخل مشاهد فيلمه الوثائقى الذى يحمل عنوان «الرجل ذو القبعة» ليتحدث عن نفسه، كما كتب قصة الملك توت عنخ آمون كما تخيلها وأعاد تقديمها داخل أوبرا غنائية، ليعيد فى أذهان المصريين أوبرا عايدة التى طالما رافقتهم خلال كل احتفالات والأعياد التى ارتبطت بالآثار والتاريخ، وما بين الفيلم والأوبرا نجح «حواس» فى خلق مشهد متكامل يعكس تاريخ رجل كرس حياته كى يتمكن من إعادة تقديم الحضارة المصرية القديمة بلغة عصرية قادرة على إثارة شهية المهووسين بها، ويسرد تفاصيل حياته الشخصية وأسرارها التى غيّرت من وجهات نظره للواقع الأثرى المصرى، وجعلته مؤمنًا بأن التاريخ والآثار مواد حية قابلة لإعادة السرد عبر وسائط مختلفة، ليس بالضرورة عبر الكتابة العلمية فقط، بل عن طريق فنون الأدب والسينما والمسرح أيضًا.

حضوره الطاغى لم يولد معه داخل محافظة دمياط، لكنه نما عبر سنوات من العمل، هذا ما حاول أن يحكيه بصراحة داخل فيلمه، حيث ردد عدة مرات مقولة أبيه له «لا تضع يدك فى الطين» التى بلورت كثيرا من ملامح شخصيته الرافضة للأدوار الصغيرة، قرر أن يلعب دور البطولة دوما، حاول البحث عنها بعيدا عن الآثار الذى اعترف بأنه كرهها منذ اليوم الأول لدراسته لها: «كرهت الآثار والعمل بها.. أراها جامدة ومملة.. حاولت البعد عنها لكننى فشلت»، هكذا تحدث بكل أريحية، ورغم أنه تخرج فى قسم الآثار اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية، فإنه كان غير عابئ بعلم الآثار ورافضًا العمل فى المجال الأثرى، لكن مشاعره الرافضة تبدلت عندما أمسك بتمثال صغير لإلهة الجمال «أفروديت» يعلوه التراب وبقايا الزمن، نظرة واحدة للتمثال الصغير غيّرت مجرى حياته كلها، عشقها وعشق بسببها الآثار والاكتشافات والحفائر، وشعر معها بدوره البطولى، ومن بعدها خاض رحلته العلمية حتى حصل على درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ليبنى بعدها شخصيته القوية المثيرة للجدل، ومسيرته الطويلة من الاكتشافات العلمية ما بين منطقتى الجيزة وسقارة وبين الأقصر، وإن ظلت حفائره العلمية للكشف عن مقابر بناة الأهرامات أحد أهم الاكتشافات العلمية التى يفتخر بها، حيث رد الاعتبار للمصريين وأثبت بالدليل أنهم بناة أهرامات الدولة القديمة، وأنهم عاشوا فى مجتمعات منظمة ونالوا رعاية الدولة المصرية القديمة.

كذلك لعب «حواس» دورا محوريا فى إعادة دراسة مومياوات ملوك الأسرة الثامنة عشرة من الدولة الحديثة، قام باستخدام تقنيات الأشعة وتحاليل الـDNA، وهى المرة الأولى التى تخضع فيها لمثل تلك التحاليل الجينية والتى كشفت عن أفراد تلك الأسرة وفى مقدمتهم الملك توت عنخ آمون، والأهم كان الإجابة عن الأسئلة التى ظلت مطروحة عقودًا طويلة منذ اكتشاف مقبرته عام 1922، عائلته ونسبه ومرضه وأسباب وفاته.

ولا أحد يستطيع إنكار دور «حواس» فى إدارة ملف الآثار المصرية منذ أن تولى عددًا من المناصب الإدارية داخل المجلس الأعلى للآثار كمدير منطقة الأهرامات، ثم أمين عام، ثم وزير للآثار، خلال تلك الفترة خاض معارك شهيرة من أجل تحسين أوضاع العاملين فى مجال الآثار، لكن تظل معاركه من أجل استرداد الآثار المهربة من الخارج هى الأقوى، حيث ظلت معاركه مع المتاحف الكبرى حول العالم مستمرة حتى بعد تركه للمناصب القيادية، أشهرها مطالباته بعودة القطع الأثرية التى خرجت بطريق غير شرعية مثل حجر رشيد من لندن، وتمثال رأس الملكة نفرتيتى من برلين، وسقف معبد دندرة من باريس، ورغم الجدل الذى أثاره أسلوبه الصدامى الحاد، فإن معاركه أسهمت فى إعادة طرح قضية استرداد الآثار على الساحة الدولية ومنحتها شهرة إعلامية لم تحظَ بها من قبل، وبسببها عادت آلاف القطع الأثرية إلى مصر، لكن ظلت الثلاث القطع الأيقونية حبيسة متاحفها.

ما ميّز مسيرة زاهى حواس عن غيره من علماء الآثار المصريين هو إدراكه المبكر لقوة الصورة والإعلام، لذا عبر تاريخه شارك فى عشرات الأفلام الوثائقية مع قنواته عالمية مثل «ناشيونال جيوجرافيك» و«ديسكفرى»، حتى إن مجلة التايم قد اختارته ليكون من أهم 100 شخصية أثرت فى العالم خلال القرن العشرين، كما اختارت الوكالة الدولية لعلوم الفضاء «ناسا» اسم زاهى حواس كى تضعه على الأسطوانة التى تم إرسالها إلى سطح كوكب المريخ فى عام 2003، ليتحول بسببها «حواس» إلى رجل فضائى يمثل أهل الأرض لدى كوكب المريخ.

لذا كان منطقيا جدا أن يتمحور الفيلم الذى أخرجه الأمريكى جيفرى روث عن زاهى حواس فقط، يحكى عن مسيرته ومحطاتها بنفسه دون أن يشاركه المشهد أحد، هو البطل وصاحب الصوت الوحيد فى الفيلم، وعبر حكايات «حواس» يأخذك الفيلم بمشاهد متلاحقة بين شمال مصر حيث بلدته الصغيرة بمحافظة دمياط، ولقطات امتزاج النيل بالبحر المتوسط، ورمال هضبة الجيزة، وموقع اكتشافاته بجسر المديرة فى سقارة، وخطواته العابرة لوادى الملوك وتنقله عبر أطلال المدينة الذهبية بالأقصر، وإن ظلت قبعته الشهيرة هى بطل المشهد، بعدما نجح فى استثمارها وإنتاج نسخ منها بغرض تمويل متحف الطفل بحى مصر الجديدة.

تتلاحق صوره الفوتوغرافية ذات اللونين الأبيض والأسود التى يطل منها الشاب «زاهي» وسط رمال المواقع والحفائر، بعضها لزملاء المهنة القدامى، أو لحفائره، وبعضها لزوجته وأبنائه وأصدقائه، وفى نهاية الفيلم يطل «حواس» من داخل شرفة منزله وهو يداعب حفيدته «جانا» بقبعته التى كانت شاهدا على مسيرته العلمية والأثرية، وهى التى باتت أيضا جزءا أصيلا من حياته الشخصية.

فى حين نجد أوبرا توت عنخ آمون، التى أطلقها من داخل منزل السفير الإيطالى فى مصر، قد جاءت لتكشف عن جانب آخر فى علاقة «حواس» بالفضاءات الدبلوماسية العالمية، فكما خرجت أسرار الحضارة المصرية القديمة عبر اكتشافات البعثات الأجنبية إلى العالم كله، ها هو «حواس» يعيد طرح الحضارة مرة أخرى بلغة الفن المسرحى الذى نشأ وتطور وسط المسارح الإيطالية والأوروبية، وإن بدا العرض الأوبرالى امتدادا طبيعيا لعلاقة طويلة ومعقدة بين «حواس» والملك الذهبى، حيث حل الخيال محل البحث العلمى والاكتشاف عندما أطلق «حواس» لخياله العنان وكتب قصة حياة من وجهة نظر درامية بحتة، فهو لم يكتب عن الملك المتوج صاحب المقبرة الذهبية، لكنه كتب عن الإنسان الذى عاش عصرا مليئا بالاضطرابات السياسية والصراعات الدينية والحروب، خاصة بعد اندلاع الثورة ضد أبيه الملك إخناتون، والتى بات بين ليلة وضحاها محملاً بأعباء الحكم وهو لا يزال فى عمر الطفولة، لذا خرجت قصته محملة بالدراما الإنسانية عن الخوف، الصراع، السلطة، المصير المجهول، لكن «حواس» ألّف قصة درامية لا تمت للواقع بصلة عن الملك الصغير تسلط الضوء على حياته، وتتضمن مشاهد درامية عن محاولات اغتياله، صراعات القصر الملكى، والدور السياسى الذى لعبته الملكة نفرتيتى خلال فترة حكمه، وكتبها شعرا الكاتب الإيطالى فرانشيسكو سانتوكونو، ووضع ألحانها الموسيقار الصقلى لينو زيمبونى.

وخلال العام الماضى، صدرت رواية أدبية لزاهى حواس بعنوان «الملك خوفو وذات العيون الذهبية» ليبدأ معها رحلته مع الكتابة الأدبية التى يعتمد فيها على المعلومات الأثرية والعلمية التى يمتلكها عن الشخصيات الملكية المصرية القديمة، حيث قدم فى روايته تفاصيل عن حياة الملك خوفو داخل إطار نص روائى يدور حول قصة حب ملتهبة كانت سببا فى بناء الهرم الأكبر، وإن اعترف «حواس» بأن روايته تحوى أسماء أشخاص حقيقيين، لكنها تدور حول أحداث ومواقف درامية لا صلة لها بالحضارة المصرية القديمة، فهناك فرق بين التوثيق الذى يعتمد على الحقائق التاريخية المثبتة علميا وبين التأليف الدرامى الذى يعتمد على بعض الحقائق التى ينطلق منها الخيال، من وجهة نظره، وهو المنهج الذى اتبعه فى كتاباته سواء الروائية أو الأوبرالية.

لذا، فإن تجربة زاهى حواس الإبداعية قد تختلف عن تجارب الأدباء المصريين الذين سبقوه فى الاستلهام من الحضارة المصرية القديمة، فهو قدم تجربة مبنية على اكتشافات وحفائر علمية مغلفة بخيال، فى حين قدم الكاتب نجيب محفوظ ثلاثيته «عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة» كقراءة للتاريخ القديم بوصفه قصة إنسانية عن السلطة والقدر والصراع، دون الاعتماد على وقائع حدثت فى زمن بعيد، وهو ما قرأناه فى أعمال توفيق الحكيم «عودة الروح، إيزيس» الذى حاول أن يستلهم الرمز كأداة للتأمل فى الهوية والتجديد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة