رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صناعة «الحلفاء»

12-2-2026 | 11:15
طباعة

تقدير الموقف بجدارة، والحكم على الأمور بكفاءة، والإدارة الرشيدة لسوء التفاهم، ثلاثية ذهبية تميز صناعة القرار فى الجمهورية الجديدة على مدى قرابة 12 عاما، فلا استعجال فى حسم القضايا العالقة، ولا تسرع فى إقرار توجهات معينة، مع الانضباط فى التصرف، والرزانة فى التحرك، وقراءة المشهد من كل الجوانب بحكمة تامة، وعقلانية كاملة، والتعامل بطريقة الكبار فى كل المراحل، فلا انشغال بـ«الشو» الإعلامى، ولا اعتبار للتصريحات الرنانة من أجل لفت الأنظار أو ادعاء الأهمية، كما تفعل دول وقوى إقليمية، بل دائما القاهرة صاحبة قيم راسخة وأخلاقيات ثابتة لا تتنازل عنها مهما كانت الضغوط، ولا تتخلى عنها مهما كانت المشاق، ولأنه لا يصح إلا الصحيح، فى كل مرة تثبت الأيام وتؤكد الوقائع أن هذه الفلسفة المصرية على حق، وأن تلك القناعة الوطنية على صواب.

 

ويحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى براعته فى الصبر على المكاره، ومهارته فى تذويب الخلافات، وقدرته على تبريد الأزمات، وتمتعه بسياسة النفس الطويل فى مواجهة التحديات، ومقاومة الشدائد مع التمسك بالثوابت المصرية والحفاظ على محددات الأمن القومى بإرادة حديدية وعزيمة صلبة، فهو حريص على البعد عن المهاترات الكلامية، أو الدخول فى السجال العقيم، ويتجنب التراشق بالألفاظ، وباستمرار يلتزم طيب الكلام، ويواظب على الحديث الحسن، فلا يقلل من دولة، ولا يذم قادة، ويحترم الشعوب واختياراتها، ويرفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول، ويدعم مؤسساتها الوطنية، ويساند وحدة أراضيها، ويعظم سيادتها، ويتصدى للطامعين فى مقدرات البلدان وثروات أهلها، مع الدعوة المتواصلة لحل النزاعات بالطرق السلمية وعلى مائدة المفاوضات بعيدا عن لغة القوة العسكرية التى تزيد معدل الخسائر وتوسع دائرة التدمير، وتكون المحنة أشد فى حالة صراعات القوى الوطنية مع بعضها البعض؛ لأن أعداد الضحايا تتصاعد ومؤشرات الهدم تتتابع، وكلما زاد عدد اللاعبين من الخارج خرجت الأمور عن السيطرة وتاهت البلاد فى نفق مظلم.

الصبر الاستراتيجى، وصف فى محله تماما، عند الحديث عن تعامل الدولة المصرية مع القضايا المصيرية والأزمات المفصلية التى مرت بها منذ ثورة يونيو العظيمة، وإسقاط حكم المرشد، لأن هناك قوى دولية وإقليمية، وعواصم غربية وشرقية وطنت نفسها منذ وصول جماعة الإخوان إلى الحكم على أن تسيطر على صناعة القرار المصرى، واستغلال رغبة الإخوان فى البقاء 500 سنة على عرش البلاد مهما كانت التنازلات أو المساومات مع جميع العواصم، لكن هذه الوعود الوهمية والأحلام الضبابية تحولت إلى كابوس مزعج بعد إسقاط المصريين لحكم الجماعة، وتوالت المحاولات للنيل من عزيمة الدولة شعبا وقيادة من أجل العودة للوراء، ووصل الأمر ببعض الرؤساء والأمراء إلى انفلات الأعصاب فى جولات العداء مع الجمهورية الجديدة، وبتسخين التنظيم الدولى للإخوان والنفخ فى نار الوقيعة بين هذه العواصم وبين القاهرة، سمعنا من البعض تصريحات ما أنزل الله بها من سلطان، وقرأنا عن سيناريوهات ما هى إلا أوهام، لأن القيادة السياسية تبنت فلسفة النفس الطويل والسيطرة على الأعصاب ومجاهدة الغضب، مع الانطلاق فى تجربة التنمية الشاملة التى تؤهل الوطن ليكون محط أنظار الباحثين عن الفرص الواعدة، والمشاريع المستقبلية، فما تفرقه السياسة يجمعه الاقتصاد، وقد نجحت مصر -رغم مؤامرات أهل الشر- فى تحقيق معادلة «الاستثمار فى الاستقرار».

إن حكمة النفس الطويل التى تحلى بها الرئيس السيسى وصبغ بها مؤسسات الدولة الوطنية على مدى السنوات الماضية هى أساس النجاحات التى تحققت فى كل المجالات داخليا وجميع الملفات خارجيا، بل إن هذا الطبع الحميد انتقل إلى عموم المصريين نظرا للثقة الكاملة فى القيادة السياسية واليقين فى حسن تصرفها، فقد صبر الشعب على توابع برنامج الإصلاح الاقتصادى، وتحمل الضغوط مع الأمل فى أن القادم أفضل، مما أسهم فى تقوية بنية الاقتصاد الوطنى وتمكينه من امتصاص الأزمات وترويض الكوارث من جائحة كورونا إلى الصراع الروسى الأوكرانى وصولا إلى حرب غزة وتداعياتها الهائلة، وما كان سيحدث ذلك بدون العلاج المر بسياسات الإصلاح الاقتصادى، والتى تحملها المواطنون عن طيب خاطر ورضاء نفس، مع وعى شعبى بضرورة الاصطفاف والتصدى التام لأية مخططات تستهدف وحدة الصف الوطنى، وأهمية المرور من تلك المحطة الصعبة للصالح العام والأجيال القادمة.

وبنفس القناعة الرئاسية فى الحلم والتأنى، استطاعت الدولة المصرية عبور مأزق حرب غزة، وتغلبت على كل المخططات الإسرائيلية الشريرة بهدف تهجير أهالى قطاع غزة سواء إلى سيناء أو غيرها من المناطق فى دول أخرى لتصفية القضية الفلسطينية، وبرباطة جأش يحسد عليها نجح المفاوض المصرى تنفيذا للتوجيهات الرئاسية فى إفشال كل مكائد حكومة الاحتلال سواء بالترغيب من خلال التلويح بمليارات الدولارات لدفع القاهرة للقبول بهذه الصفقة الملعونة أو الترهيب عن طريق تحذيرات بحصار اقتصادى، مع طوفان من الشائعات ضد المصريين بزعم إغلاق معبر رفح، وهو ما حدث فعلا، وجسد هذا التحالف الشيطانى بين إسرائيل وتنظيم الإخوان الدولى، تظاهرات شعبة الإخوان فى تل أبيب وهجومها ضد مصر، بالإضافة إلى محاولات الاعتداء على سفاراتنا فى بعض الدول الأوروبية، لكن الله كان معنا، وكشف ألاعيبهم، واستضافت شرم الشيخ قادة العالم لتوقيع وثيقة وقف الحرب، ومازالت القاهرة تواصل جهودا مضنية ومساعى مرهقة لاستكمال اتفاق غزة، وبدء الإعمار لبناء ما تهدم، وإصلاح ما تحطم نتيجة جرائم دولة الاحتلال، وبفضل الله وكفاح القيادة المصرية وصبرها عاد معبر الإنسانية للعمل من الجانبين فى ضربة قاصمة لكل مؤامرات دولة الاحتلال.

وبالتحمل المدروس وامتلاك القدرة على الإدارة السديدة، تفوقت الدولة المصرية على كل مكائد أهل الشر واستهدافهم للعلاقات المصرية التركية، وتصدير صورة كاذبة عن دولة 30 يونيو، وأفسدت كل أباطيلهم التى يسوقونها للبقاء فى الأراضى التركية من أجل مواصلة الكيد للمصريين، والسعى لنشر الفوضى تارة بالعمليات الإرهابية وتارة بالميليشيات الإلكترونية وصناعة الشائعات الهدامة، وهنا نتوقف طويلا أمام موقف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الذى انخدع بعض الوقت فى نياتهم الخبيثة، وانطلت عليه افترءاتهم الحقيرة عدة سنوات، وظل يناصب مصر العداء حتى 2019، لكنه عندما اكتشف حقيقتهم الدنيئة، ومخططاتهم الخبيثة، واطلع على التجربة المصرية فى التنمية الشاملة تتابعت لقاءاته مع الرئيس السيسى، وتعددت زياراته إلى مصر من شرم الشيخ إلى القاهرة مؤخرا للمشاركة فى الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، ومشهد إهداء أردوغان للرئيس السيسى سيارة كهربائية ثم قام الرئيس بقيادتها مصطحباً ضيفه من قصر الاتحادية حتى مقر انعقاد منتدى الأعمال المصرى التركى بفندق الماسة بمدينة نصر يحمل دلالة واضحة على مدى التقارب بين الزعيمين، وقوة العلاقات بين البلدين.

والمتابع الجيد لكل محطات الزيارة منذ استقبال الرئيس السيسي وقرينته السيدة انتصار السيسى بمطار القاهرة الدولى، للرئيس أردوغان، وقرينته السيدة أمينة أردوغان وحتى مغادرة ضيفى مصر والوفد المرافق لهما، يدرك بدون عناء فى التحليل أو صعوبة فى الشرح والتفسير أن التوتر الذى صنعته جماعة الإخوان فى العلاقات بين القاهرة وأنقرة سحابة صيف وانقشعت إلى غير رجعة، وأن العاصمتين عيونها على المستقبل بشراكة استراتيجية لصالح الشعبين، وبما يعود بالنفع على الدولتين خصوصا فى ظل الروابط التاريخية والأواصر الشعبية والتفاهم بين قيادتى البلدين.

وفى المحور الذى يهم المواطن والمكاسب المنتظرة من عودة العلاقات القوية بين مصر وتركيا، هناك رغبة قوية فى مواصلة تطوير وتعزيز التعاون البناء، بين الدولتين، خلال المرحلة المقبلة مع توجيهات رئاسية من الجانبين بتكثيف جهود المؤسسات فى البلدين، لتحقيق هذا الهدف، وتتضح الصورة أكثر من خلال بعض النقاط فى كلمة الرئيس السيسى أثناء الجلسة الختامية لمنتدى الأعمال المصرى ـ التركى، بحضور أكثر من 460 من رؤساء وممثلى الشركات التركية العاملة فى مصر أو المهتمة باستكشاف فرص جديدة للاستثمار، فقد أكد الرئيس أننا لا نجتمع لتعزيز شراكات قائمة فحسب، بل لنضع معًا حجر الأساس لمرحلة جديدة تتسم بالطموح، جوهرها تعظيم المنافع المتبادلة لشعبينا، بما يتماشى مع متغيرات العصر ومتطلبات المستقبل الواعد، مع التأكيد على توافر الإرادة السياسية فى بلوغ مستويات غير مسبوقة من التعاون التجارى والاستثمارى ليرتفع حجم التبادل التجارى من 9 مليارات، إلى 15 مليار دولار، وأن التطورات العالمية الراهنة تفرض ضرورة تعميق مفهوم توطين سلاسل الإمداد والاقتراب من الأسواق، وهو ما يفتح المجال أمام الشراكة المصرية التركية لبناء منصات إنتاج وتصدير مشتركة، مستفيدة من المزايا اللوجستية والتكامل بين خبرات الصناعة التركية ومقومات النفاذ للأسواق التى تتمتع بها مصر، مع دعوة رئاسية لمجتمع الأعمال فى البلدين إلى التركيز خلال المرحلة المقبلة على عدة مسارات لإحداث نقلة فى التعاون الااقتصادى بين البلدين.

أما بشأن الأزمات الإقليمية، خصوصا أن التفاهم المصرى التركى قادر على وأد نيران الكثير من المشكلات، فقد تتابعت المؤشرات وتلاحقت التأكيدات من الزعيمين السيسى وأردوغان على التوافق فى الرؤى، وفى مقدمتها أهمية تنفيذ اتفاق غزة بمراحله المختلفة، بما يشمل إيصال المساعدات الإنسانية، ومنع تجدد التصعيد، وتحقيق حل الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية، وحشد الجهود الدولية لدعم التعافى المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب الاتفاق على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية فى السودان، وإطلاق مسار سياسى شامل، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، دعما لاستعادة الاستقرار والسلام، وأيضا أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة الصومال، ورفض أى محاولات لتقسيمه، فضلا عن دعم الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار فى ليبيا وسوريا.

وسبق أن أثمر الصبر الرئاسى عن نتائج عظيمة فى العلاقات مع دول غربية وشرقية وإفريقية، وأسهم فى صناعة العديد من الحلفاء الاستراتيجيين، والنماذج هنا عصية على الحصر ومنها على سبيل المثال الشراكة مع الاتحاد الأوروبى بعد فترة من التباس المشهد نتيجة الدعاية المغرضة من تنظيم الإخوان، وعودة القاهرة لقيادة القارة السمراء، وإنهاء قطيعة مؤقتة على خلفية إسقاط حكم المرشد، ونقلة نوعية فى الروابط الأخوية مع قطر بالخروج من مطب أهل الشر الذين دبروا لإشعال الخلاف بين البلدين الشقيقين، ويرجع الفضل فى كل هذه التحولات التى كان يراها البعض مستحيلة إلى حكمة الرئيس السيسى فى إدارة العلاقات باستراتيجية الاتزان مع الردع العقلانى، فلا تفريط ولا إفراط، ولا إطلاق تصريحات ثم الرجوع عنها، فهو يدرك قيمة مصر كدولة كبيرة وقوة رشيدة، وعلى نفس المنوال ستسير العلاقات مع عواصم أخرى خلال الفترة المقبلة، والصبر مفتاح الفرج.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة