رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المضائق المائية.. امتلاك مفاتيح العالم


22-1-2026 | 19:52

.

طباعة
بقلم: د. وفاء على

لعل السؤال الاستراتيجى المفتاحى هنا: هل ما نراه من صراعات وانكشاف قياسى حول المطامع الجغرافية على المضائق المائية حول العالم، هو صراع جديد أم صراع قديم كان مؤجلا؟، وهنا يجب أن تفرض الأسئلة الصعبة نفسها على المشهد السياسى والاقتصادى عالميا واحترافية الربط بين الأحداث، وما السر الحقيقى الذى يجعل القوى المتصارعة تغامر بكل شىء من أجل السيطرة على هذه الجغرافيا؟

 
 

لماذا تحاول القوى السيطرة على اليمن مفتاح باب المندب الذى يمنح صاحبه القدرة على التحكم فى اقتصاد الإقليم والعالم ومعادلة التجارة العالمية؟، وهل ما نراه اليوم هو مجرد صراع أم أنه مزاد علنى لتقاسم جواهر العالم؟ ولعلنا نفتح القوس ونركز الفهم الصحيح لنعرف لماذا يتقاتل الجميع من القوى الاستعمارية على بوابات العالم ومنها باب المندب ومضيق هرمز وخليج ملقا وغيرها من المضائق المائية؟

هنا تبدأ لغة الأرقام القياسية تتحرك خلف المشهد الاقتصادى؛ فمثلاً مضيق باب المندب الحيوى البوابة التى تحكم مليارات الدولارات؛ حيث يمر أكثر من 10 فى المائة من التجارة العالمية من هذا الممر، نحن نتحدث عن 20 ألف سفينة تمر سنوياً محملة بكل شيء من الهواتف الذكية والطاقة والقمح والنفط والغاز، وبالتالى هى صمام أمان لحركة التجارة والطاقة فى العالم، فهناك 6 ملايين برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية المتجهة إلى أوروبا وأمريكا وآسيا، وأى إغلاق لهذا المضيق المهم يعنى قفزة لأسعار الطاقة والنفط العالمى وشللا جامحا فى الصناعة الأوروبية، وهذا ما يجعل قناة السويس وباب المندب بالنسبة لأوروبا عنق الزجاجة، فالسفن القادمة من الخليج العربى وشرق آسيا لا بد لها من هذا المضيق المهم أو مفتاح من مفاتيح العالم. فالكل لا بديل له عن هذا الممر وإلا ستضطر إلى الدوران حول إفريقيا، مما يضيف آلاف الكيلومترات وملايين الدولارات من التكاليف، فمن يسيطر على هذه الجغرافيا ويملك القدرة على غلقه أو الاستيلاء عليه أو الاعتراف بصومالى لاند أو أرض الصومال.

وذلك يأخذ السيادة الكاملة على حركة السفن بين القارات، ومن هنا كانت أهمية مضيق باب المندب ومضيق هرمز وخليج عدن، فهذه المضائق المائية هى الضلع الثالث فى مثلث القوة الذى يكتمل بوجود اليمن فى الحسابات السياسية الإيرانية، وليست ساحة صراع أو حرب فقط وإنما ظهير أمان لحركة التجارة العالمية.

ومن هنا جاء الصراع على امتلاك قواعد عسكرية ونفوذ على الساحل الغربى لليمن أو بالأصح باب المندب؛ لتكون نقطة تمركز محورية للصراع والمسافة صفر، فالمسيرات تتكلف الواحدة فوق الـ 20 ألف دولار، وهنا التمركز فى باب المندب يوفر السؤال الأبرز لخطة الاستيلاء على المضائق المائية وامتلاك مفاتيح العالم، وهو ما تسميه قوى الظلام التى تخطط وتدرس فى الخفاء قواعد اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة «توازن الرعب» من وجهة النظر السياسية والاقتصادية.

باب المندب هو مضيق وفى نفس الوقت رئة ومتنفس لمضيق هرمز وإيران المحاصرة بالعقوبات خصوصاً أن 80 فى المائة من صادرات النفط والغاز تمر من هذه المنطقة، والأرقام هنا لا تقاس بالناحية الجيوبوليتكية، فالأمر لا يقاس بالدولار فقط وإنما هى كارثة اقتصادية لمن يبحث عن إمبراطورية اللوجستيات، فكل طرف من المستعمرين الجدد يرى فى باب المندب ومضيق هرمز فرصة ذهبية لا يمكن تفويتها، بينما ينشغل العالم بالصراعات السياسية والاقتصادية وإنشاء استراتيجية السيطرة على شرايين المنافذ البحرية، فبعض الدول حتى العربية لا تنظر إلى باب المندب أو اليمن أو صومالى لاند كأرض، وإنما الأمر ليس عسكرياً تقليدياً بل هى سلسلة وفرصة ذهبية من الموانئ كميناء عدن، باعتباره من أحد أقدم الموانئ فى العالم تاريخياً، والتواجد فى باب المندب يضمن هندسة حركة الملاحة المركزية فى هذه المنطقة الاقتصادية التى ترتبط بطريق الحرير أو الحزام والطريق الصينى.

بوابات العالم أو المضائق المائية هى لعبة النفس الطويل فى بناء الجغرافيا وواقع جديد فى معركة السيطرة على المستقبل، وهنا تتقاطع أطماع سادة الموانئ مع طموحات القوى العظمى العابرة للقارات، وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً، فهناك «قوى لها عيون لا تنام»، هذه القوى التى تتحرك وتحرك اقتصاد الكوكب، إنها واشنطن، وبكين ترى أن باب المندب ومضيق هرمز وخليج ملقا والخليج العربى ليست مجرد دولة، بل هو حجر أساس مهم فى مشروع القرن، لذلك لا تغيب عيونكم عن المضائق المائية وعن كل السفن وأعلامها وكل رصيف وميناء جديد أو جزيرة ترسم طريقا جديدا يضمن هندسة حركة الملاحة والتجارة العالمية، ويكون معكم مفاتيح المستقبل فى يد واحدة حتى لا نتحول جميعاً بفعل فاعل وبالسيطرة على البوابات وطرق الإمداد، وتتحول اليمن والصراع على أرض الصومال إلى رقعة شطرنج دولية، فالقوى العظمى لا تنظر إلى الإحداثيات التى تجنيها من الاستحواذ على بوابات العالم، تارة تحت شعار تأمين الطاقة وتارة تحت ذريعة حماية الملاحة، بينما الحقيقة تكمن فيمن يملك مفاتيح العالم.

بنظرة واحدة مختلفة على الخريطة تدرك تماما مطامع القوى العظمى أو الإقليمية، ومنْ يرى فى هذه المضائق المائية أو الجغرافيا خنجرا يغرسه فى خصر خصومه أو امتلاك موطئ قدم على الممرات المائية العالمية؛ ليتحول إلى قوة ولاعب يمسك بزمام البحر الأحمر ويساوم الكبار على طاولة المصالح الأمنية والاستراتيجية، فهناك عيون لا تنام تنظر على بوابات العالم أو المضائق المائية وامتلاك مفاتيح العالم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة