أمثلة لبُعد القوانين لتطبيق ذلك مثل:
قانون النيل الجديد: تشريع يوسع مفهوم «الحرم النيلى» ليحمى مجرى النهر وضفتيه من كل اعتداء أو تلويث، ويعطى الأولوية المطلقة فى الاستخدام للشرب والرى، وينظم الاستثمار والأنشطة بما لا يضر بهذه الأمانة العظمى.
وقانون الاقتصاد التدويرى: حوافز ضريبية مشجعة للمصانع التى تعتمد على المواد المعاد تدويرها، وعقوبات رادعة وحاسمة للتلويث، لتحويل «الخطر» إلى «فرصة» اقتصادية وأخلاقية.
ودعم الفقراء فى التحول: جعل التكنولوجيا الخضراء فى متناول الجميع عبر دعم أسعار الألواح الشمسية أو الضوئية ومحابس المياه الذكية للأسر محدودة الدخل، حتى لا يكون «الفتح» رفاهية للأغنياء فقط، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية الإسلامية. وهذه العدالة هى ركن ركين فى بناء الوحدة الوطنية، فلا انقسام بين من يستطيع ومن لا يستطيع.
قوة الردع البيئى (مقام المهابة):
لكى لا يبقى الحفاظ على البيئة اختيارًا لمن رقَّ قلبه فقط، لا بد من «هيبة القانون». هنا تظهر «شرطة الفتوح البيئى» فى دورها الحقيقى والمتوازن: «ليست جهاز قمع، بل ذراع حماية للأغلبية الصالحة من عبث القلة». تعمل بعيون الأرض (أجهزة المراقبة الذكية) وعيون السماء (الأقمار الصناعية)، لترصد وتنبه ثم تردع المفسدين فى الأرض. فالرحمة للرحماء، والحزم للعابثين. هذا هو «الزجر» العادل الذى يستقيم به أمر الجماعة، ويُصان به جهد المحسنين، إعمالًا للحكمة التى تقول: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». وهذه الحماية للصالح العام هى ضمانة للوحدة، فلا يضيع جهد المجتهدين بسبب استهتار المقصرين.
اقتصاديات الفتح: من الكفاف إلى الكفاية
إن الالتزام بوِرد النقاء (فصل القمامة) لن يطفئ ذنب الإسراف فحسب، بل سيدر دخلًا. وسيقلل وِرد النور (ترشيد الكهرباء والتحول للطاقة الشمسية أو الضوئية) من فاتورة الاستهلاك. هذا هو «الاقتصاد الدائرى» المتوافق مع الفطرة: لا نأخذ من الأرض إلا ما نحتاج، ونعيد إليها ما تصلح به، فى دورة مغلقة من العطاء. وهذه الدائرة الاقتصادية هى نموذج للوحدة العضوية بين المواطن وبيئته ومجتمعه:
بيت منتج: تحويل المطبخ إلى وحدة لإنتاج السماد العضوى، والحديقة أو الشرفة إلى مصدر لأعشاب الطهى والعلاج، وتوليد طاقة نظيفة.
حى منتج: تأسيس تعاونيات محلية تجمع المخلفات القابلة للتدوير وتبيعها، لتعود عائداتها على تحسين الحى نفسه (تجميل، تشجير، أنشطة). وهذه التعاونيات هى مدرسة عملية للوحدة المجتمعية.
قرية منتجة: تحويل كل قرية إلى دائرة مغلقة تستفيد من مخلفاتها الزراعية فى إنتاج الطاقة الحيوية (البيوجاز) والأعلاف، لتحقيق الاكتفاء والاستدامة.
تحالف الإعمار: تحفيز القطاع الخاص كمحراب للإحسان والإنتاج
وإذا كان الفتح البيئى يزدهر من البيت والحى والقرية، فإن ازدهاره الكامل يحتاج إلى شريك قوى يمتد فى عمق الاقتصاد الوطنى. إن «الفتوح البيئى» ليس عبئًا تتحمله الدولة وحدها، بل هو شراكة أخلاقية واقتصادية كبرى، حيث يصبح قطاع الأعمال شريكًا رئيسيًا فى العمران ومساهمًا فعليًا فى تحقيق «الاستخلاف بإحسان». إن تحفيز القطاع الخاص للمشاركة هو تجسيد عملى متقدم لقول شيخنا: «أحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده»، حيث تتحول الشركات والاستثمارات من كيانات تسعى للربح المادى فقط، إلى محراب للإنتاج والإحسان، ووسيلة لتحقيق المنفعة المتعدية التى تجمع بين الربح المشروع والأجر الأخروى. وهذا التحول الاستراتيجى يحتاج إلى رؤية تحفيزية متعددة الأوجه، تدمج بين السياسة الذكية والرؤية القيمية، لتجعل من الاستدامة خيارًا لا مفر منه وأسلوب حياة مؤسسى متكامل.
1. الحوافز التشريعية «الذكية» (مقام التيسير): كما يسر الإسلام التكاليف، يجب أن تجعل السياسات الخيار الأخضر هو الخيار الأذكى والأسهل اقتصاديًا. وذلك من خلال إطلاق «مصفوفة حوافز الفتح الاقتصادى»، كمنح شركات المقاولات التى تستخدم مواد معاد تدويرها بنسبة عالية أولوية فى مناقصات المشروعات القومية الخضراء، أو تقديم حزمة من التخفيضات الضريبية المتدرجة والمباشرة للصناعات التى تحقق معايير «الصناعة الراحمة» والحياد الكربونى، أو تمويل ودعم مشروعات البحث والتطوير فى مجالات التكنولوجيا الخضراء الناشئة. هذه الآليات ليست إعانات مجانية، بل هى استثمار وطنى ذكى فى أمن الوطن القومى ونقاء أرضه، وهو أعلى أنواع العائد الاستراتيجى، وتحويل للمسؤولية إلى فرصة تنافسية.
2. الشراكة بالقدوة «مشروع العائلة الخضراء المؤسسية» (مقام الإحسان): كما ندعو الأسر لتبنى أوراد الإعمار، ندعو كيانات القطاع الخاص لتبنى «ميثاق العائلة الخضراء المؤسسية». فشركة تلتزم بزراعة أسطح مقارها وتحويل مخلفات مكاتبها بشكل كامل، أو بنك استثمارى يطلق «خط التمويل الأخضر الإحسانى» بفائدة مخفضة أو بصيغ تمويل إسلامية لمشروعات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية فى القرى الأكثر احتياجًا، يصبح قدوة عملية. هنا، تتحول المسؤولية الاجتماعية للشركات من نشاط دعائى هامشى إلى صدقة جارية مؤسسية واستخلاف حقيقى للمال فى مشاريع تعمر الأرض وتنفع العباد، تحقيقًا للربح الطيب الذى يجمع بين الدنيا والآخرة.
3. الاعتراف والتشريف «وسام سادن الأرض» (مقام التكريم): إن النفس البشرية السوية تحب التكريم وتتطلع إلى الخير. إطلاق «بطاقة الشركة الخضراء الوطنية» و»وسام سادن الأرض» الذى تمنحه الدولة سنويًا للشركات والمؤسسات الرائدة فى مجالات الاقتصاد الدائرى والابتكار البيئى، يعطى قيمة معنوية ومكانة مجتمعية هائلة. تصبح المشاركة الفاعلة فى «الفتح» مصدر فخر وسمعة طيبة وثقة مجتمعية، وهو ما يتوافق مع الفطرة السليمة والسعى الإنسانى للتميز والبقاء، ويحول الاستدامة من تكلفة إلى قيمة تنافسية أساسية وهوية مؤسسية يتشرف بها الموظفون ويجذب بها العملاء والشركاء.
4. تحويل الثقافة من الداخل: «الموظف.. مواطن منتج» (مقام التربية): أسلوب الحياة يبدأ من بيئة العمل الحاضنة. تشجيع الشركات على تحويل مقراتها إلى نماذج حية للترشيد والذكاء البيئى (تقليل الاعتماد على الأوراق، التحول الكامل للطاقة النظيفة، توفير وجبات صحية قليلة الهدر مصدرها زراعات محلية)، وإشراك الموظفين فى تحدى «مبادرات الإعمار الداخلى» ومنحهم «نقاط إحسان» داخلية، يجعل من القيم الخضراء ثقافة يومية حية يمارسها الموظف فى عمله وينقلها تلقائيًا إلى بيته وأسرته. وهكذا تتحول الشركة من مكان لكسب الرزق فقط إلى مدرسة شاملة للتربية البيئية والروحية وخلية نحل منتجة فى جسم الوطن النابض، وهى أعلى درجات الجلوة العملية التى تخدم المجتمع.
بهذه الرؤية المتكاملة التى تلامس العقل والقلب والمصلحة، يصبح القطاع الخاص ذراعًا تنمويًا قويًا وشريكًا فى الأجر والثواب، محققًا الربح المشروع فى الدنيا، والمشاركة الفاعلة فى عمارة الأرض التى هى من أعظم القربات إلى الله. فتتحول المنافسة السوقية إلى سباق نبيل فى الخيرات والإبداع، وتصبح الاستدامة حقًا أسلوب حياة شامل على مستوى الفرد والأسرة والشركة والمجتمع والدولة، فى وحدة متكاملة تزهر بها الأرض وتزكو بها الأموال وتطمئن بها القلوب، تحقيقًا لرؤية «الفتوح البيئى» التى تجعل من مصر محرابًا للإعمار للعالمين.