رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مسار العائلة المقدسة.. رحلة مصرية بين التاريخ والروحانية


20-1-2026 | 09:12

.

طباعة
تقرير: نور عبد القادر

يمتد مسار العائلة المقدسة في مصر كخريطة حية للتاريخ والإيمان، رحلة بدأت قبل أكثر من ألفي عام، حين عبرت السيدة مريم العذراء والطفل المسيح عيسى عليه السلام برفقة القديس يوسف النجار أرض مصر هربًا من بطش الملك هيرودس في بيت لحم. استمرت الرحلة نحو ثلاث سنوات ونصف، قطعت خلالها العائلة المقدسة مسافات شاسعة، مرورًا بعدة مناطق شديدة التنوع، من شمال سيناء مرورًا بوادي النيل حتى جبل درنكة في أسيوط، تاركة وراءها مسارات تحمل بين طياتها القداسة والروحانية والتاريخ.


يمثل المسار شهادة على كرم المصريين وحسن استقبالهم للغرباء عبر العصور، ويعكس موقع مصر الاستراتيجي على طريق التاريخ البشري والديني. على امتداد 12 محافظة، تتوزع محطات المسار التي تشمل كنائس ومواقع أثرية، كل واحدة منها تحكي قصة من قصص القداسة، وتجسد اللقاء بين الطبيعة الخلابة والتاريخ العريق، لتشكل لوحة فريدة للتنوع الجغرافي والإنساني المصري.
اليوم، يعود مسار العائلة المقدسة إلى الواجهة كمشروع وطني متكامل، ليس فقط لإبراز قيمته الروحية، بل أيضًا كمقصد سياحي وثقافي متنوع، يعكس وعي الدولة بأهمية تراثها الديني والحضاري، ويحوّل الأماكن إلى تجارب سياحية آمنة ومنظمة، تتيح للسائحين من مختلف أنحاء العالم الاستمتاع بالرحلة الروحية والتاريخية في آن واحد.
منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة، حظي المشروع باهتمام غير مسبوق، حيث تأتي توجيهات القيادة السياسية بإحياء المسار وتطوير نقاطه التاريخية والدينية، مع ضمان البنية التحتية والخدمات بما يتوافق مع الطابع التراثي والروحاني لكل موقع. ويأتي التنسيق بين وزارة السياحة والآثار ووزارة التنمية المحلية والمحافظات، بالتعاون مع الكنيسة واليونسكو، ليؤكد أن مصر ملتقى التاريخ والدين والإنسانية، وأن الشعب المصري، بمختلف طوائفه، ملتزم بالمحافظة على تراثه وإبرازه للعالم كرمز للسلام والتعايش.
أكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، أن مسار العائلة المقدسة يُعد من أهم المشروعات التراثية والحضارية والثقافية والدينية التي توليها الدولة اهتمامًا كبيرًا، لما يحمله من قيمة روحية وتاريخية وإنسانية فريدة، مشيرة إلى أن الدولة تعمل على دعم المحافظات الواقعة على طول المسار، من خلال تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة المناطق المحيطة بالمواقع الدينية، خاصة نقطتي دير العذراء بدرنكة ودير المحرق بالقوصية بأسيوط، ومنطقة جبل الطير بالمنيا، وذلك في إطار خطة الدولة لإحياء المسار وتنشيط السياحة الدينية وتحقيق التنمية المستدامة وفقًا لرؤية مصر 2030، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل لأبناء هذه المحافظات، وبالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار والكنيسة القبطية المصرية والجهات المعنية، وتحت متابعة مستمرة من مجلس الوزراء.

قال الدكتور عادل الجندي، مسؤول مشروع تطوير مسار العائلة المقدسة بوزارة السياحة والآثار، إن المشروع تم تنفيذه بمفهوم تنموي واستراتيجي شامل، وبالتعاون مع وزارة التنمية المحلية والمحافظات المعنية، بهدف إحياء المسارات الدينية والتاريخية وتقديمها للسائحين بأفضل صورة ممكنة.
وأوضح الجندي أن العائلة المقدسة عاشت ب 25 موقعًا لمسار العائلة المقدسة، من بينها 14 موقعًا يحمل آثارًا مادية هامةتم تطويرها بالكامل ،ومن أبرز تلك المواقع: منطقة الفرما وشارع بورسعيد بمحافظة بورسعيد، حيث تم تطوير أكبر كنيسة ضمن تل الكنائس في العالم، مع توسيع وتمهيد الطريق الواصل من أنفاق بورسعيد إلى الفرما، وذلك ضمن مخطط استثماري متكامل يشمل السياحة الاستشفائية والشاطئية.
كما شمل المشروع تطوير ثلاث مواقع بالدلتا: كفر الشيخ، وسمنود الغربية، وتل بسطه الشرقية، والتي تم تجهيزها لاستقبال السياح بالكامل. وكذلك أربعة مواقع في وادي النطرون، حيث تم تطوير المدينة بأكملها وتمهيد طرق بطول حوالي 40 كيلومترًا مع وضع لوحات إرشادية مرورية.
وأضاف الجندي أن من بين المواقع التي تم تطويرها أيضًا موقع شجرة مريم، حيث تم ترميم البئر الأثري وتطوير المنطقة المحيطة والصرف الصحي، وكذلك كنيسة مسطرد التي رُصفت الطرق المؤدية إليها لربطها بطريق بنها الحر. وفي مصر القديمة بمجمع الأديان، تم تطوير الكنائس والمعبد اليهودي وجامع عمرو بن العاص، بما يعكس رسالة عالمية بأن مصر مجمع للأديان.
كما أشار إلى تطوير كنيسة زويلة بالقاهرة الفاطمية، التي تقع بجوار الأزهر والحسين، ما يعكس التوافق الديني والإنساني في مصر.
وأضاف الجندي أن تطوير كنيسة المعادي شمل المنطقة الأثرية من نهر النيل وصولًا إلى الكنيسة، مع توفير نقاط استراحة للسياح، بينما تُعد جبل المطيري بالمنيا أيقونة المسار، حيث تم إنشاء طريق شامل لها، مع مشروع صرف صحي وفندق العائلة المقدسة السياحي.
وفي دير المحرق بأسيوط، تم رصف الطرق المؤدية للدير وإنارة المسارات ووضع اللوحات الإرشادية، في إطار أكبر محور عمراني لتنمية المجتمع المحلي وخلق فرص عمل للشباب، حيث يُقدّر عدد الزائرين بنحو مليون زائر سنويًا.
وأشار الجندي إلى أن المشروع استهدف جذب السياح من شرق أوروبا وأمريكا وأفريقيا والشرق الأدنى، حيث تم تنظيم رحلات تعريفية قبل التطوير، وأبدى الوفود إعجابهم بالمشروع، كما تم دعوة وفود من الكنائس والفاتيكان لمشاهدة نتائج التطوير، بالإضافة إلى تغطية إعلامية مكثفة من 30 وسيلة إعلامية،

كما أشار الجندي أن رئيس الوزراء قد شكل مجموعة عمل قومية لدعم المشروع، حيث تلعب وزارة السياحة والآثار دورًا محوريًا في الفكر التنموي والترويج للمشروع، بينما تتولى وزارة التنمية المحلية التنسيق بين وزارة الآثارو المحافظات وتطوير البنية التحتية وتمهيد الطرق المؤدية للمسار، وتمثل الكنيسة المرجعية الدينية والتاريخية للمشروع. وجهاز التنسيق الحضاري أيضا شريك في تطوير المناطق المحيطة كما شارك اليونسكو أيضا في الترويج للمشروع بعد إدراج المسار ضمن قائمة التراث غير المادي لعام 2023، مما يُعد خطوة ترويجية كبرى.
وأردف الجندي أن المشروع يستهدف جذب السياح على مدار العام، حيث يُحتفل به سنويًا في الأول من يونيو بحضور قيادات الكنائس، وحرص من بابا الفاتيكان على الحضور، ولفت أنه يتم الاعتماد على التكنولوجيا والرقمنة للترويج الإلكتروني عبر مواقع وزارة السياحة وشراكات مع Google وExperience Egypt.
واختتم الجندي بالقول إن تطوير المشروع تم مع مراعاة الملامح التاريخية والبيئية للمنطقة، مع الحرص على رضا المواطنين والسائحين. وأكد أن التحديات الأولية في بعض المناطق العشواءية مثل بطن البقرة وفي مسار مسطرد قد تم تجاوزها وتطويرها .
واختتم الجندي بالتأكيد على أن تطوير المشروع يوجه رسالة للعالم مفادها أن الشعب المصري نسيج واحد مترابط، وأن التوافق المجتمعي والانسجام بين المصريين ثابت، مما يعكس قدرة مصر على الحفاظ على تراثها الديني والثقافي.

الاكثر قراءة