للوهلة الأولى التى أعلنت فيها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عن نيتها إنتاج مسلسل عن أحداث غزة عنوانه «صحاب الأرض»، والكل يدرك أننا لسنا فقط أمام مسلسل درامى تدور أحداثه عن القضية الفلسطينية بكل جذورها السابقة وتداعياتها اللحظية، وإنما نحن حيال تطور لافت وشديد الأهمية فيما يمكن أن تلعبه الأعمال الدرامية من أدوار تتجاوز فيها أهداف المتعة والتسلية، بل وحتى التأثير فى المتلقى إلى ما هو أبعد بكثير، فـ«صحاب الأرض» ليس مسلسلا رمضانيا يتحلق الناس حول شاشة التليفزيون كل مساء لمشاهدة حلقاته كغيره من الأعمال التى تغص بها شاشات الفضائيات العربية كل عام، ولا هو معنىّ فقط بالأثر العاطفى الانفعالى الذى يمكن أن تُحدثه تلك المشاهد الصادمة التى عاشها الشعب الغزاوى الفلسطينى تحت وطأة العدوان الإسرائيلى الغاشم فى أعقاب ما حدث فجر السابع من أكتوبر 2023، إنه أبعد من ذلك بكثير.
ففى تقديرى أن «صحاب الأرض» هو موقف سياسى مصرى واضح من كل ما جرى ويجرى على حدودنا الشرقية، موقف تكرس فيه الدراما لثوابت راسخة سبق وأن أعلنتها القيادة السياسية المصرية منذ بداية الأزمة، وكان لا بد لعمل درامى ضخم أن يؤكدها ويدعمها؛ كى يتركها للأجيال الحالية والقادمة وثيقة بصرية حية تحكى وتكشف، بل وتكثف وقائع تلك المأساة الإنسانية المتجددة والموقف المصرى الثابت منها.
انظر أولا إلى عنوان العمل «صحاب الأرض» والبلاغة الذكية والموحية حين اختار صُناعُه لفظة «صحاب» وليست «أصحاب»؛ لتؤجج بهذا التبسط اللغوى مشاعر هؤلاء الذين يتحدث عنهم العمل بأنهم أصحاب الحق الوحيد فى هذه الأرض التى يدافعون عنها ويتمسكون بها، كأننا نصفهم بأنهم صحاب الملك أو صحاب البيت بالتعبير المصرى الدارج البسيط، فضلا عن حميمية الكلمة وما بها من دفء إنسانى نبيل، ثم امض إلى العامود الفقرى الذى قام عليه البناء الدرامى للحلقات، إنه عن طبيبة مصرية (منة شلبى) تذهب إلى أتون الحرب فى غزة؛ كى تساعد إخواننا هناك وتخفف آلام مصابيهم، ومن خلال تماس هذه الطبيبة مع الأحداث الساخنة فى غزة، هناك عشرات القوافل الطبية والغذائية المصرية التى تحاول اجتياز المعبر تحت وطأة كل هذا التعنت الإسرائيلى، قوافل يقودها سائقون مصريون تركوا وراءهم فى مصر عائلاتهم بكل تفاصيل مشكلات أيامهم دون أن يعلموا ما إذا كانوا سوف يعودون إلى أسرهم مرة أخرى أم لا؟ وهذا معناه أن المصريين هم الذين يأتون لمساعدة ومساندة إخوانهم فى غزة وليس العكس، وهو أيضا الموقف المصرى الثابت الرافض لمشروع التهجير الذى كان يسعى لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، فتصبح الأرض بلا شعب مع أنهم - أولا وأخيرا - هم «صحاب الأرض».
ثم يأتى هدف إدانة كل الممارسات الإسرائيلية اللا إنسانية من خلال معاناة شعب أعزل فُرضت عليه حرب غير متكافئة أو شريفة لا لشىء إلا لأنه يتمسك بأرضه، وحسنا فعلت الشركة المتحدة حين بادرت بترجمة الحلقات حتى يسهل عرضها بالخارج، فتصيب هدف الإدانة إذا كان لا يزال للعالم ضمير يقظ، يعى، ويشعر، ويتألم، فربما يتحرك إذا نحى جانبا حسابات السياسة والمصالح الذاتية الضيقة.
ووسط كل هذه المعاناة الدائمة والمتجددة على مدار اللحظة هناك شعب صامد ورابض يحب الحياة ويبحث عن أبسط حقوقه فيها، هناك طفل مصاب يصارع الموت من أجل البقاء، وامرأة حامل تبذل المستحيل لتضع مولودها كى يستمر هذا الشعب، وأب يسعى لتزويج ابنه كى يبقى فى هذه الأرض أناس يدافعون عنها ويحملون قضيتها على أكتافهم، هناك بشر يوارون ذويهم الثرى، ثم لا يزالون قادرين على الضحك فى قلب المأساة، هناك مشاعر حب رقيقة تنمو تحت الحصار والنيران، وتكاتف إنسانى نبيل رغم الخيانات، هناك وطن وأرض وشعب جبار يريد أن يعيش.. أليس هذا كله يستحق الدعم والإشادة والإبراز أمام العالم أجمع؟
ثم يأتى منْ يقول لى إنه عمل درامى بلا أحداث أو تصاعد أو قصة وحبكة وعقدة وحل، وما إلى ذلك، للدرجة التى جعلت المسلسل يستنفد حلقة كاملة فى الهجوم الإسرائيلى على المستشفى، وحلقة أخرى عن عرس أحد شاب غزة والاستعداد له، وأنا أرد عليه بأن ينحى جانبا نظريات أرسطو وغيره من عتاة التنظير فى عمل أقرب إلى الدراما التسجيلية عن يوميات الأزمة، ما دام قادرا على الحفاظ على إيقاع متواتر غير ممل رغم محدودية أحداثه، وهو أمر أحسبه فى صالح مخرج العمل محمد بكير.
ففى مثل هذه الأعمال الوطنية التى تتجاوز فيها أهدافها حدود التسلية يبقى المهم هنا قدرتها على التعبير عن الموقف السياسى المصرى الثابت، وإدانة الممارسات الإسرائيلية تجاه المواطن الفلسطينى الأعزل، ثم تقديم التحية الواجبة لهذا الشعب المتمسك بالأمل وسط المحنة، والواثق فى عدالة قضيته بانتظار نصر قريب من الله، وصدق الشاعر والسياسى الفلسطينى المعروف هارون هاشم رشيد ابن مدينة غزة والملقب بـ«شاعر العودة» حين قال فى قصيدة له:
«أخى مهما ادلهم الليل سوف نطالع الفجر، ومهما هدنا الفقر، غدا سنحطم الفقر، أخى والخيمة السوداء قد أمست لنا قبرا، غدا سنحيلها روضا ونبنى فوقها قصرا»، وهى القصيدة المكونة من أحد عشر بيتا وينهيها كاتبها بقوله «فلسطين التى ذهبت سترجع مرة أخرى».