يأتى ذلك، بعدما نفذت القوات المكسيكية، بمساعدة من الاستخبارات الأمريكية، عملية عسكرية فى ولاية خاليسكو غرب البلاد، أسفرت عن مقتل زعيم كارتل «خاليسكو» الجيل الجديد «إل مينشو»، أحد أخطر المجرمين المطلوبين لدى وزارة الخارجية الأمريكية، والتى قد رصدت مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمَن يدلى بمعلومات تُفضى إليه.

وفى أعقاب العملية العسكرية، اندلعت موجة عنف شملت 20 ولاية فى جميع أنحاء البلاد، أسفرت عن مقتل 70 شخصًا، حيث قام أنصاره بإغلاق الطرق السريعة والاشتباك مع قوات الأمن وإضرام النار فى سيارات ومحال تجارية. وأصدرت بعض شركات الطيران تحذيرات سفر لمطارات جوادالاخارا وبويرتو فالارتا، المدينة التى شهدت أعمال شغب فى أحد سجونها بعد ورود أنباء عن اقتحام سيارة لبوابات السجن، بينما أصدرت عدة مدن تعليمات طارئة للمواطنين والسياح بالبقاء فى منازلهم.

وجاء مقتل زعيم كارتل «خاليسكو» الجيل الجديد، أقوى منظمة إجرامية ظهرت فى المكسيك منذ عقود، فى وقت كثفت فيه الحكومة المكسيكية هجومها على عصابات المخدرات استجابةً لمطالب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتشديد الخناق على الجماعات الإجرامية. وقد أعلنت الإدارة الأمريكية تصنيف عدد من الكارتلات المكسيكية كـ«منظمات إرهابية أجنبية»، من بينها كارتل خاليسكو الجيل الجديد، وكارتل سينالوا، وكارتل الخليج.

رغم نجاح القوات المكسيكية فى السيطرة على أعمال الشغب، وعودة الحياة إلى طبيعتها، فإن المخاوف تتزايد من أن تتحول شوارع المكسيك إلى ساحة حرب مفتوحة، مما قد يؤثر على استعدادات البلاد لاستضافة أكبر وأهم حدث كروى فى العالم هذا الصيف، كأس العالم لكرة القدم 2026، بالتعاون مع الولايات المتحدة وكندا.

ومن المقرر أن تستضيف المكسيك 13 مباراة، خمس منها فى مكسيكو سيتى، العاصمة، وأربع فى كل من مونتيرى وجوادالاخارا، عاصمة ولاية خاليسكو، التى تُعتبر معقل عصابة «خاليسكو للجيل الجديد». وبذلك، ستكون المكسيك أول دولة تستضيف كأس العالم ثلاث مرات. بالإضافة إلى ذلك، ستستضيف 4 مباريات ضمن الملحق العالمى لتصفيات المونديال فى أواخر مارس فى مدينتى مونتيرى وجوادالاخارا.
كذلك، من المتوقع أن تستقبل المكسيك، التى تُصنف بالفعل ضمن أكثر عشر دول زيارةً فى العالم، خمسة ملايين زائر، ما سيُدر عليها عائدًا كبيرًا، يقدر بـ 3 مليارات دولار، وفقًا للاتحاد المكسيكى لكرة القدم. ولذلك تسعى رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، وحاكم ولاية خاليسكو بابلو ليموس، ومسئولون آخرون إلى دحض فكرة أن المكسيك غير آمنة للزوار ولمباريات كأس العالم. وصرحت «شينباوم» بأن البلاد تمتلك «جميع الضمانات» للاستمرار فى استضافة الحدث، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، وأنه «لا يوجد أى خطر» على الزوار. وأشارت إلى عودة الحياة إلى طبيعتها فى ولاية خاليسكو، بما فى ذلك استئناف الأنشطة التجارية وانتظام الدراسة فى المدارس، وفقًا لما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
من جانبه، قال رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا)، جيانى إنفانتينو: إن منظمته تثق ثقة تامة بالمكسيك وحكومة شينباوم. وأضاف: «الأمور تحدث. نحن لا نعيش على القمر أو كوكب آخر. لهذا السبب لدينا دول، ولهذا السبب لدينا شرطة وسلطات تضمن النظام والأمن».
كما استضاف المنتخب المكسيكى نظيره الأيسلندى فى مباراة ودية فى مدينة كويريتارو، وسط تواجد أمنى مكثف، وحشد جماهيرى. ولم ترد أى تقارير عن وقوع حوادث. وكانت هذه الخطوة إيجابية فى إبراز جهود المكسيك لتجاوز الأزمة، إلا أن دولًا أخرى، مثل بعض المنتخبات المقرر زيارتها الشهر المقبل، تواصل مراقبة المستجدات عن كثب بعد أعمال العنف التى ارتكبتها عصابات المخدرات، حيث أعرب مايكل ريكيتس، رئيس الاتحاد الجامايكى لكرة القدم، عن قلقه الشديد.
أما الاتحاد البوليفى، فقد أرسل خطابًا إلى الفيفا يطلب فيه توضيحًا بشأن الوضع الأمني. بدوره، أكد الاتحاد البرتغالى لكرة القدم أن سلامة اللاعبين والجهاز الفنى والجماهير هى الأولوية القصوى، وأنها المعيار الأساسى لجميع التقييمات والقرارات المتعلقة بإقامة المباراة.

فى هذا السياق، قال الدكتور أشرف سنجر، خبير العلاقات الدولية: المكسيك تجد نفسها فى موقف صعب بعد مقتل «إل مينشو». ففى تاريخ الكارتلات أو العصابات المكسيكية، عندما يُقتل الرأس الكبير أو زعيم العصابة، تتفكك هذه الكارتلات وتتحول إلى جماعات أصغر تنتشر فى مناطق متنوعة وعلى نطاق جغرافى أوسع، فى محاولة لإعادة تشكيل مراكز السيطرة.
وأضاف «سنجر»: السياحة تأثرت فى المكسيك؛ إذ يعتمد الاقتصاد المكسيكى بشكل كبير على هذا القطاع، كما بدأت هذه الكارتلات تشكل اقتصادًا موازيًا لاقتصاد الدولة، من خلال أنشطتها فى تهريب المخدرات. وكما قالت أمريكا «الحرب على الإرهاب، والحرب على المخدرات، فالحرب الآن على الكارتلات»، وقد قدمت إدارة ترامب دعمًا استخباراتيًا للمكسيك فى عملية «إل مينشو»، حيث تنظر الإدارة الأمريكية للمكسيك وكندا تحديدًا على أنهم مجال أمنى للولايات المتحدة.
كذلك، أكد خبير العلاقات الدولية أنه يصعب على المكسيك القضاء على الكارتلات؛ إذ قد يتراجع نفوذها وحجمها، لكنها تبقى قائمة. أما المخاوف المتعلقة بتصاعد الفوضى، فهى صعبة الحدوث؛ لأن الكارتلات ترغب فى العمل ضمن إطار سلطة الدولة، ولا تسعى لتحدى النظام أو تغييره. وعلى الرغم من امتلاكها أموالاً غير مشروعة، لكنها لا تستطيع العمل إلا فى وجود دولة قوية تتوافق معها بعيدًا عن العنف. فالعلاقة بين الكارتلات والحكومة علاقة «سجال»، إذا قامت الحكومة بتصفية زعيم عصابة ما، يظهر زعيم آخر ليحل محله، ولن تنتهى هذه المعادلة بسهولة.
كما أشار «سنجر» إلى اهتمام أمريكا والمكسيك بكأس العالم القادم، وخاصة بأمن البطولة، موضحًا أنه حتى الآن، تبقى المدن الكبيرة التى ستستضيف كأس العالم بعيدة عن مناطق تواجد الكارتلات. وأن كأس العالم يسير طبقًا للجدول المحدد، وفقًا لتصريحات رئيس الفيفا ورئيسة المكسيك، على أن تكون هناك مراجعة أخيرة قبل بداية المباريات؛ للتأكد من أن الوضع الأمنى مستقر فى المكسيك.