كانت الصفة الأبرز التى ركَّز عليها طه حسين فى الشاب: الوقار الهادئ الذى يُشبه وقار الشيوخ، ومنْ تقدمت بهم السن وكيف كانوا يجالسون هذا الشاب أو يتحدثون إليه، وتحدُث لهم حالة من التأثر بهذا الوقار، وتنتقل إليهم إجادته للحديث فى هدوء وبطء.
هذا الشاب هو الشيخ مصطفى عبدالرازق حين كان فى نهاية دراسته الأزهرية فى العشرين من عمره، ويصفه شقيقه على بأنه كان يشبه والدهما حسن عبد الرازق فى هيئته وطباعه. ويعتبر الكثيرون الشيخ مصطفى عبد الرازق أحد المجددين للفكر الإسلامى الفلسفى، لاسيما وأنه جمع بين الفقه الإسلامى على المذهب الشافعي، وبين دراسة علوم الاجتماع والفلسفة من منبعها فى أوروبا، وكان يكتُب بأسلوب أدبى رفيع من النوع السهل الممتنع، فكان ينال إعجاب قُرائه وسامعيه مهما اختلفت ثقافاتهم.
وعندما توجت مسيرته بالارتقاء لمنصب شيخ الأزهر بات أحد الأسماء اللامعة التى خلَّدها التاريخ الذى يقول إنه قبل الشيخ مصطفى عبد الرازق كانت الفلسفة الإسلامية تُدرَّس لطلبة كلية الآداب من منظور المستشرقين الذين يربطون الفلسفة الإسلامية بالتراث اليونانى، وينكرون أى إسهام للعرب والمسلمين فى الفقه الفلسفي.
وعندما جاء الشيخ مصطفى عبدالرازق شكَّل مدرسة فكرية حديثة فى مقارنة تاريخ الفلسفة الإسلامية واستخدام آليات منهجية متجانسة ومتكاملة فى دراسة النصوص واستخلاص النتائج، كانت آلياته تعتمد على المنهج التاريخ الذى يؤصل للأفكار ويبحث عن بذورها الأولى ويربطها بسياقها الثقافى والاجتماعي.
لقد قامت تجربة مصطفى عبدالرازق على أساسين مهمين، أحدهما نقد التصور الاستشراقى المجحف للفلسفة الإسلامية الذى ينزع الأصالة والإبداع عن الفلسفة العربية والإسلامية، ويعدها مجرد تقليد واستنساخ للفلسفة اليونانية، وأن ما قدمه كان إثبات الأصالة للفلسفة الإسلامية من خلال القول أولاً إن فلاسفة الإسلام أمثال: الفارابى وابن سينا وابن رُشد لم يكتفوا بمجرد شرح النصوص الفلسفية اليونانية وتلخيصها.
وإنما قدموا بعض الإضافات إليها وناقشوا إشكالات خاصة بثقافاتهم الإسلامية مثل إشكالية الحداثة والشريعة، ثم لابد من القول إن هناك فلسفة إسلامية أصيلة، تمثلها إنتاجات فكرية أبدعها المسلمون قبل أن يطلعوا على الفكر الفلسفى اليونانى الذى انتقل إليهم لاحقاً عبر الترجمة.
كان الشيخ مصطفى من المؤمنين بقيمة الحرية الإنسانية، وفى تعليقه على سؤال: هل الإنسان مُسيَّر أم مُخيَّر؟ يقول إنه مع نظرية الاختيار ومع الحرية ويؤمن بها. ويقرر: أن هذا الإيمان خيرٌ كله. ولو أثبتت جميع البراهين الفلسفية أن نظرية الاختيار الإنسانى غير صحيحة.
وفى كتاب: نشأة الفكر الفلسفى الإسلامى للدكتور على سامى النشار يتحدث عن منهج أستاذه الشيخ على عبد الرازق بأنه يقوم على الدفاع عن أصالة الفلسفة الإسلامية وعبقريتها، وأنه يمثل رمزاً لمدرسة فلسفية حديثة تقوم على هذا المنهج، وله تلاميذ مخلصون منهم الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريدة الذى ترجم تاريخ الفلسفة للإسلام من الألمانية إلى العربية، ودافع فى تعليقاته على الكتاب عن أصالة الفلسفة الإسلامية واستقلالها.
لم يكن الشيخ مصطفى عبد الرازق يميل إلى تأليف الكتب مباشرة، لذا لم يكن غزير التأليف، وأغلب مؤلفاته هى أبحاث أو محاضرات تعليمية، لقد كان يتوخى الدقة فى تحديد مصادره ومراجعه، وقد قال عنه الدكتور طه حسين إن اشتغاله بالسياسة وخوضه المعارك الإصلاحية فى الأزهر والقضاء شغله عن مشروعه الفكرى وأخذ كثيراً من وقته ومجهوده.
إن التراث الفلسفى فى الفترة التى عاشها الشيخ مصطفى لم يكن محققا أو منشوراً بعد. وقد حفز تلاميذه على تولى مهمة تحقيق هذا التراث ونشره. وفى صباح يوم السبت 15 فبراير من عام 1947 ذهب الإمام الشيخ مصطفى عبدالرازق إلى عمله فى الجامع الأزهر ليباشر أعماله اليومية المعتادة كما اعتاد كل صباح، وخلال اليوم ترأس جلسة المجلس الأعلى للأزهر وعاد إلى بيته قبل صلاة العصر، فتغدى ونام القيلولة، ثم استيقظ فتوضأ وصلى العصر وأخذ يلبس ثيابه متهيئاً للخروج.
ولكنه شعر بهبوط مفاجئ وإعياء، فآوى لفراشه واستدعى الطبيب لإسعافه، لكن الوقت لم يسعفه، حيث وصل الطبيب فوجد الشيخ قد فارق الحياة.
يرحمه الله رحمة واسعة.