رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

معركـــــة الحـــــــــــــــــــــــــدود تشتعل بين باكستان وأفـــــــــــــــــــغانستان


7-3-2026 | 12:08

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

في توقيت حرج يعكس هشاشة الوضع الأمني على طول الشريط الحدودي المشترك بين باكستان وأفغانستان يتصاعد التوتر العسكري بينهما ويتزامن ذلك مع احتمال مواجهة أمريكية –إسرائيلية ضد إيران ما يضع المنطقة في آسيا أمام تشابك دولي معقد، ليبقى السؤال كيف يؤثر التصعيد على أمن آسيا؟

 

تصاعدت حدة القتال عبر الحدود بين باكستان وأفغانستان حيث ادعى كلا الجانبين تكبده خسائر فادحة، وصرح وزير الدفاع الباكستاني بأن بلاده تخوض "حربًا مفتوحة" مع جارتها التي جددت هجماتها ضد القوات الباكستانية على طول حدودها المشتركة بعد الضربات الجوية الباكستانية على العاصمة الأفغانية كابول ومدن أخرى ردًا على هجوم شنته أفغانستان على قوات الحدود الباكستانية. ويأتي هذا التصعيد في ظل تاريخ طويل من التوترات المرتبطة بملفات أمنية معقدة، أبرزها نشاط الجماعات المسلحة، وقضايا ضبط الحدود، وتباين الرؤى حول المسؤولية عن الهجمات العابرة.

في هذا السياق تحدث "كاسورا كلاسرا" رئيس تحرير صحيفة إسلام أباد تلجراف حصريا للمصور من المتوقع أن يكون لهذا التصعيد تأثير كبير وفوري على البنية الأمنية في جنوب آسيا. ولم تكن الغارات الجوية الباكستانية الأخيرة على مخابئ المسلحين داخل أفغانستان مجرد عمليات تكتيكية لمكافحة الإرهاب، بل كانت بمثابة رسالة استراتيجية موجهة إلى جهات متعددة في آن واحد، وسعت إسلام آباد إلى إظهار أنها لن تتسامح بعد الآن مع التطرف العابر للحدود أو العنف بالوكالة المنطلق من الأراضي الأفغانية. ولسنوات عديدة زعمت باكستان أن الشبكات المسلحة التي تنطلق من ملاذات آمنة عبر الحدود شنت هجمات ضد المدنيين وقوات الأمن التابعة لها. ولذلك، حملت هذه الضربات رسالة واضحة لكل من المنظمات المسلحة ومن يدعمونها من جهات خارجية، مفادها أن باكستان مستعدة للتحرك بشكل منفرد عندما تتعرض مصالحها الأمنية الأساسية للتهديد. وكانت الرسالة الموجهة إلى إدارة طالبان المؤقتة أن عدم منع الجماعات المسلحة من شن هجمات على باكستان سيؤدي إلى عواقب عسكرية مباشرة. ومن خلال استهداف معسكرات متعددة والقضاء على عشرات المسلحين، أشارت باكستان إلى تحول في استراتيجيتها – من الاحتواء الدفاعي إلى تطبيق إجراءات استباقية لمكافحة الإرهاب خارج حدودها.

وأضاف" كلاسرا" أن على المدى القريب، قد يؤدي هذا التصعيد إلى اندلاع أعمال انتقامية من قبل الجماعات المسلحة، في محاولة لاستعادة نفوذها أو إظهار قدرتها على الصمود. مع ذلك، يبدو أن المخططين العسكريين الباكستانيين يدركون أن الضغط المستمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف شبكات العمليات  وتعزيز الاستقرار على المدى البعيد. وبشكل أوسع، تُدخل هذه الأحداث ديناميكية أمنية جديدة في جنوب آسيا. فالحدود الباكستانية الأفغانية، التي طالما اعتبرت كحدود حساسة سياسياً ولكنها غير مُدارة بشكل جيد، تتحول بشكل متزايد إلى ساحة نشطة لمكافحة الإرهاب. وإذا استمر هذا الوضع، فإن حسابات الأمن الإقليمي – من الهند إلى آسيا الوسطى – ستتكيف حتماً مع عقيدة عسكرية باكستانية أكثر حزماً.

وعند سؤاله هل يمكن أن يؤدي هذا التوتر إلى تغيير في قواعد الاشتباك بين البلدين، أوضح "كلاسرا "على الأرجح ما نشهده هو إعادة صياغة تدريجية لقواعد الاشتباك التي تحكم العلاقات الباكستانية الأفغانية على مدى عقود، انتهجت باكستان سياسة الصبر الاستراتيجي رغم التحديات الأمنية المستمرة الناجمة عن الأراضي الأفغانية. استضافت إسلام آباد ملايين اللاجئين الأفغان على مدار الصراعات المتعاقبة، وحثت مرارًا وتكرارًا الحكومات المتعاقبة في كابول على منع الجماعات المسلحة من استخدام الأراضي الأفغانية ضد باكستان. ويرى مسؤولون باكستانيون أن هذه المناشدات لم تُسفر إلا عن نتائج ملموسة محدودة. وأضاف" كلاسرا" أن بعد عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021، تبنت باكستان في البداية نهجًا تعاونيًا، متوقعةً أن يُترجم التقارب الأيديولوجي والروابط التاريخية إلى تنسيق أقوى في مكافحة الإرهاب. إلا أن إسلام آباد خلصت إلى أن الجماعات المسلحة المعادية لباكستان استمرت في العمل بحرية نسبية، لا سيما على طول المناطق الحدودية الرخوة. ولذا، تُمثل الضربات الأخيرة تحولًا حاسمًا في العقيدة العسكرية. تُشير باكستان إلى أن اعتبارات السيادة لن تُطغى بعد الآن على ضرورات الأمن المُلحة في ظل استمرار الهجمات عبر الحدود. وعمليًا، يُرسي هذا إطارًا مشروطًا: إما أن تتخذ السلطات الأفغانية إجراءات قابلة للتحقق ضد ملاذات المسلحين، أو تحتفظ باكستان بحقها في تحييد التهديدات بشكل مستقل. يُؤدي هذا التحول فعليًا إلى خفض عتبة العمل العسكري عبر الحدود، ويستبدل ضبط النفس الدبلوماسي بالردع من خلال القدرة والاستعداد للتحرك. ويقع عبء منع التصعيد الآن بشكل كبير على عاتق كابول، سواءً من حيث قدرتها أو رغبتها في السيطرة على الجماعات المسلحة العاملة داخل أراضيها.

 وفيما يخص تأثير هذا التصعيد على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أوضح "كلاسرا" أن التداعيات الدبلوماسية وخيمة وفورية، وكانت العلاقات بين إسلام آباد وكابول متوترة بالفعل، لكن المواجهة الأخيرة دفعت العلاقات إلى أدنى مستوياتها في السنوات الأخيرة. وتشير التقارير إلى تقليص الوجود الدبلوماسي الباكستاني في كابول، مما يعكس تزايد المخاوف الأمنية وانعدام الثقة السياسية، ويحمل هذا التطور تداعيات أوسع نطاقًا تتجاوز العلاقات الثنائية. لسنوات، مثّلت باكستان إحدى أهم الجسور الدبلوماسية واللوجستية لأفغانستان مع العالم الخارجي، لا سيما بعد سيطرة طالبان التي تركت كابول معزولة دوليًا. وأضاف أن في ظل افتقار العديد من الحكومات الأجنبية إلى بعثات دبلوماسية رسمية في أفغانستان، غالبًا ما كانت باكستان بمثابة قناة وسيطة للتنسيق الإنساني وتيسير التجارة والتواصل السياسي. ويُهدد تعطيل هذا الدور بعزل أفغانستان أكثر في وقت لا يزال فيه اقتصادها هشًا ويعتمد اعتمادًا كبيرًا على التعاون الخارجي. في نهاية المطاف، قد يتحمل الأفغان العاديون التكلفة الأكبر. فقلة التفاعل الدبلوماسي تُعقّد عملية إيصال المساعدات، وتدفقات التجارة، وآليات التعاون الإقليمي الضرورية للتعافي الاقتصادي.

وفيما يخص جهود الوساطة الإقليمية أو الدولية لاحتواء الأزمة، أوضح "كلاسرا" أن جهات إقليمية فاعلة بدأت بالحث على ضبط النفس، مع أن جهود الوساطة الرسمية لا تزال محدودة. وتشير التقارير إلى أن كلاً من الصين والسعودية شجعتا على خفض التصعيد، مما يعكس مخاوف أوسع من أن يؤدي استمرار المواجهة إلى زعزعة استقرار منطقة مضطربة أصلاً. لدى بكين، التي ترتبط مصالحها الاقتصادية الكبيرة بمشاريع الربط الإقليمي واستقرار الحدود، مصلحة قوية في منع إطالة أمد الصراع على طول الحدود الغربية لباكستان. في الوقت نفسه، تحافظ الرياض على علاقاتها مع كلا الجانبين، وتُفضل تقليدياً الحوار الدبلوماسي الهادئ على التدخل العلني. وما لم تظهر آلية تحقق موثوقة  قادرة على معالجة المخاوف الأمنية لباكستان مع الحفاظ على السيادة الأفغانية  سيظل خطر التصعيد المتكرر مرتفعاً. في الوقت الراهن، يبدو أن الوضع يُدار من خلال الردع والضغط الدبلوماسي غير الرسمي بدلاً من المفاوضات الرسمية.

 

أخبار الساعة