قال قداسة البابا شنودة الثالث:
إن ميلاد السيد المسيح كان صلحًا بين السماء والأرض.. مرت فترة طويلة قبل الميلاد لم تكن هناك رؤى ولا ظهورات سماوية ولا أنبياء، ثم رأينا أن الله قد بدأ يشمل العالم برحمته وبدت تباشير هذا الصلح وهذا السلام.. وبدأت الملائكة تظهر على الأرض وتبشر بذلك الحدث العظيم المقبل: فملاك ظهر للسيدة العذراء يبشّرها بميلاد المسيح. وملاك ظهر ليوسف النجار يبشّره بنفس الميلاد، وملاك ظهر لزكريا الكاهن يبشّره بميلاد يوحنا المعمدان. وملاك ظهر للرعاة يقول لهم: “ها أنا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الأرض إنه لولد لكم اليوم مخلصًا هو المسيح الرب”.
وظهرت جوقة من الملائكة تغنى قائلة: “المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”. وبدأت السماء تتصالح مع الأرض مرة أخرى بعد فترة من الاحتجاج بسبب خطيئة الشعب. ونشر السيد المسيح مبادئ السلام فى كل مكان، وكان يقول لتلاميذه حينما أرسلهم للخدمة: “وأى بيت دخلتموه فقولوا سلامًا لأهل هذا البيت، فإذا كان ابنًا لهذا السلام يحلّ هذا السلام عليه”.
وقبل صعود المسيح إلى السماء، قال لتلاميذه: “سلامى أترك لكم سلامى أعطيكم” وتناهى السيد المسيح فى رسالة السلام حتى قال للناس: “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”. وقال أيضا: “من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا”.
وجعل السيد المسيح علاقات الحب أساسًا لجميع الروابط الإنسانية، سواء على محتوى الأفراد أو الأسرة أو المجتمع أو المستوى الدولى كله”.
ونحن ننتهز هذه المناسبة الطيبة مصلين إلى الله أن يسود السلام أرجاء العالم وبخاصة فى الشرق الأوسط وفى بلادنا مصر وفى الأراضى المقدسة التى ولد فيها السيد المسيح. وبلادنا المحبوبة التى زارها المسيح فى طفولته مع القديسة مريم العذراء.
ونطلب إلى الله أن يبارك مبادرة السلام التى قام بها الرئيس أنور السادات ويجعلها فاتحة خير لكل المنطقة، ونرجو أن يكمل الله بنعمته المفاوضات القائمة لكى تستقر على الوضع الذى نرجوه من أجل السلام العادل.
ما هو رأيكم فى مبادرة السلام؟
أول ما يقال فى هذه المبادرة إنها اتصفت بالجرأة وبعنصر المفاجأة، فهى خطوة جريئة لم يكن ممكنًا أن يقوم بمثلها إلا شخص واثق بنفسه تماما وواثق بقضيته وعدالتها.
وقد كانت أيضا هذه المبادرة تحريكا للقضية من الجمود الذى عاشت فيه زمنا ونحن نرى أثر هذا التحريك قائما حتى الآن، إذ أصبحت قضية الشرق الأوسط على كل لسان وأصبحت تحتل الصفحات الأولى من جرائد العالم ومن وسائل الإعلام.. وتحركت بسببها أمريكا وهيئة الأمم المتحدة كما تحرك كثير من قادة العالم ورؤساء الدول.. وأصبحت الأمور ممهدة للحل. ولولا هذه الخطوة التى قام بها الرئيس السادات لكان موضوع مؤتمر جنيف مجرد خيال يطوف بأذهان الناس ويتأجل عامًا بعد عام دون أن يتحقق، وتبقى المشكلة قائمة.
ونرى أيضا أن مبادرة السلام التى قام بها الرئيس السادات كانت دليلا على محبته العملية للسلام. كما كان تأييد شعبنا له بأسلوب إجماعى دليلا على محبة المصريين أيضا للسلام وعدم رغبتهم فى بقاء المشكلة قائمة، كما كان ذلك دليلا على شعبية الرئيس والتفاف المصريين حوله.
وهذا السلام الذى أظهرته المبادرة جعل كثيرا من الهيئات الدولية والاجتماعية ترشح الرئيس لجائزة نوبل للسلام وتقدمه كرجل 1977. وبهذه المبادرة كسب أيضا أنصارا حتى فى البلاد التى تبدو معارضة له. ونرجو أن يكلل الله هذه المبادرة بالنجاح ويحقق أهدافها الطيبة ونواياها السليمة.
ترددت بعض الشائعات عن تصريحات صدرت بخصوص سفركم إلى القدس فى عيد الميلاد، ونفت البطريركية هذه الشائعات.. فما هى حقيقة هذا الموضوع؟
نحن لم نصرح إطلاقا بعزمنا على زيارة القدس فى عيد الميلاد أو فى غيره، وإنما هذه مجرد شائعات تداولتها بعض الإذاعات ووكالات الأنباء ولا أدرى ما هو مصدرها.
ونحن نودّ أن تكون زيارتنا للقدس زيارة للجميع بعد أن تنتهى المفاوضات السياسية على خير، ويصبح باب القدس مفتوحا للكل يزورونه بلا حرج من الناحية السياسية، ولهذا فإن مثل هذا الخبر سابق لأوانه، ونرجو إذا تم أن يكون مبنيا على أسس سليمة.
ما هى أمانيكم للعام الجديد؟
نرجو أن تتم المفاوضات الدائرة من أجل السلام بغير تعقيدات فى الطريق، وأن تنتهى إلى وضع عادل يقبله الجميع وتتحقق فيه ما تطلبه بلادنا للشرق الأوسط من هدوء واستقرار.
ونرجو أيضا أن يوفق الله البلاد العربية حتى يتم الصلح بينها وتعود الوحدة العربية كما كانت بفهم سليم لصحة الأوضاع والنوايا.. لأن سلام الشرق الأوسط يستلزم مثل هذه الوحدة سواء فى القلب أو العمل.
ونرجو أيضا لبلادنا الرخاء والسلام الاجتماعى وتعميق الوحدة الوطنية ومزيدا من المشروعات للنهوض باقتصادنا الوطنى. كما نرجو أن يعطينا الرب أن نحبه من أعماق قلوبنا ونحب جميع الناس، ونحيا جميعا حياة سالمة هادئة فى ظل رعايته الإلهية.