بيت الذهب «منوف» تتكون من مجموعة من العزب: عزبة «المحطة» بمحاذاة محطة السكك الحديدية، وعزبة «الحصوة» فى اتجاه قرية «برهيم»، وهى بلدة معروفة بمكامير الفول المدمس، وعزبة «الكنيسة» ملاصقة لعزبتنا تمامًا «عزبة المغربي»، وتُعرف عزبة الكنيسة بكنيستها ذات المنارة العالية، وعزب أخرى عديدة وفقيرة، جميعها تحسد الناحية البحرية، التى كانت تضم عِلية القوم من المتعلمين وبقايا الأسر الإقطاعية والرأسمالية، وموطن كبار الموظفين والعائدين من الخليج ممنْ فتح الله عليهم بإعارة.
وإذا كان حظ الناحية البحرية هواءً طيبًا من حقول وبساتين غنّاء تهب من غيطان قرى «تيتا.. وغمرين»، فلهذه القرية موقف وطنى مجيد فى العام 1798 بردع الجنرال الفرنسى «فوجير» من أن يطأ بقدميه أرض المنوفية، واستُشهد نحو خمسمائة من رجالها السمر الشداد فى موقعة غابت تمامًا عن المؤرخين الثقاة .
كما أن التاريخ سيسجل لمنوف (المدينة وقراها) موقفًا مجيدًا بقطع رجل الإخوان، منوف المدينة التى قالت (لا) للإخوان ولرئيس الإخوان، ولم يدخلها إخوانى قط إلا بعد توبة معلنة، أو يتوقى من التقية ويلزم عدم الإفصاح .
المنايفة يكرهون الإخوان، ويشمون رائحتهم عن بُعد.. الإخوان تفوح منهم رائحة الأنيسون أو اليانسون.. لا يشربون الشاى عادة، وهو مزاج المنايفة.
قبل قدوم صعايدة قبلى للالتحاق بمعهد الهندسة الإلكترونية الوحيد فى مصر قبل شيوع الهندسة الإلكترونية فى ربوع البلاد، لم تأنس المنوفية للغرباء، وربما هذا تفسير للجفوة التى تجسدت أمثالًا شعبية تحزن المنايفة، كان العامة يسمونه «المعهد الإلكتروني»، ويقصده طلاب الصعيد بأفكارهم الصعيدية فى أول تزاوج بشرى بين قلب الدلتا والصعيد، ولعب المعهد دوره فى تغيير بنية منوف المجتمعية بعد أن قصدها الغرباء .
ربما لم ترَ منوف ظاهرة «الجلابيب البيضاء» إلا مع هبوط بعض هؤلاء يحملون أفكارًا متطرفة كانت شائعة فى جامعات الصعيد، تحديدًا أسيوط والمنيا، وتخرج فيها جلّ زعامات التطرف، التى انتهت باغتيال الرئيس السادات، ومسقط رأسه ميت أبو الكوم منوفية أيضًا.
***
سنوات السادات تركت بصماتها على المجتمع المنوفي، تحول كامل من ثقافة السمك «البكلاه»، اشتهر منوفيًا بالسمك الروسي، إلى ثقافة الفراخ البيضاء، اختفى السمك الروسى تمامًا، وكان يميز حكم الرئيس عبد الناصر، سمك مجمد يُصرف على البطاقة، كانت جدتى «روحية» تعمل منه صينية بالبصل والبهار، تأكل صوابعك وراه.
ما ميّز سنوات السادات، خلاف دولة «العلم والإيمان»، غذائيًا كانت الفراخ البيضاء، كان جدى اللطيف «عبد اللطيف» يمزح فى ليالى الأنس: السادات جاب لنا «الرخا»، بدون همزة على السطر، فى غمز واضح إلى ضعف الفحولة بسبب ما قيل عن خطورة هذه الفراخ على القوة الجنسية، فكان بذكائه الفطرى يربط «الرخاء» الذى يبشر به السادات بـ«الرخا» إشارة إلى العجز الجنسى المحتمل، والذى يخشاه !!
منوف التى تحولت تمامًا إلى الساداتية، ربما لأن السادات منوفى من ظهر منوفي، وميت أبو الكوم فى ظهرانينا، وزيارته إلى المحافظة لا تنقطع، وأحاديثه مع «همت مصطفى» (همت يا بنتي)، كما كان يناديها، تتمحور حول البيت والغيط والوز والبط، ووالدته «ست البرين»، التى عايره بأصولها السودانية الراحل «محمد حسنين هيكل» فى فصل هيكلى ساقط ولا أخلاقي، رحل هيكل قبل أن يعتذر عنه .
كل هذا ساهم فى سيادة المزاج الساداتى فى المنوفية، فصارت ساداتية قُحاً، إلا منْ كان إخوانيًا، وما كان يظهر إخوانيته إلا وتبرأ منه المنايفة.
محافظة المنوفية، ومثلها مدينة منوف، مزنوقة بين المحافظات تكاد تزهق أنفاسها، أقرب لمحافظة داخلية ليس لها ظهير صحراوى تتنفس فيه، ولا تطل على ساحل يمنحها براحًا إنسانيًا، والحيازة الزراعية ضاقت بمنْ عليها، الحيازة كانت تُقاس بالقصبة، ومنْ يملك قيراطين يصبح من الملاك، لذا اتجهت الأسر إلى التعليم سبيلًا للتوظيف الحكومي.
والتعليم فى المنوفية عظيم الأثر، وقديم قدم المحافظة التى كانت عاصمتها منوف قبل أن يتحول عنها محمد على إلى شبين الكوم، فصارت منوف نسيًا منسيًا، وشاعت بين المنايفة مقولة فرعونية باعتبار منوف هى «منف» الشهيرة فى صعيد مصر، مقولة يجافيها التاريخ المدون على قطع أثرية نذيرة عُثر عليها فى «الكوم الأحمر» فى الطريق الجديد من منوف لشبين، وأيضًا ظهر بعض منها فى «زاوية رزين»، ولربما المسح الأثرى المأمول قبالة مسجد «الشيخ زوين» يدحض هذه الفكرة التى تسلطت على ناس المنوفية، يكفيهم «مانوفيس» تعزية عن تاريخ تليد، فاز الصعيد بمنف وفازت المنوفية بعاصمة التعليم، والأكثر فخرًا عاصمة الجندية المصرية.
عُرف عن المنايفة أن المتفوقين تعليميًا جائزتهم فى سلك الجندية، وكأنهم مخلوقون للجندية، مفطورون على خدمة الوطن، والجود بالنفس طلبًا للشهادة، ومنهم كثير من القادة العظام المسجلين فى سجل جمعية «المساعى المشكورة»، التى أسسها عبد الغفار باشا فى نهاية القرن التاسع عشر، وكانت ترعى مدارس «المساعى المشكورة»، التى تخرج فيها جلّ جهابذة المنايفة، لا أعرف لماذا تخرجت «أنا» فى مدرسة «المعارف»، التى أسسها المعلم الأول فى المنوفية طيب الذكر «نصر عبدالغفور».
تبعد منوف عن القاهرة ساعتين بالقطار، وقطار منوف علامة فى السكك الحديدية، وكلما تحدثوا عن إصلاح كان فى مقدمة الحكى قطار منوف العتيق، وينطلق من منوف إلى القاهرة كل ساعة تقريبًا، قطار وحده قصة لا تسعها هذه السطور، ربما هذا يشرح كثافة الوجود المنوفى فى دواوين القاهرة، التعليم العالى للمنايفة مكّنهم من حيازة نصيب لا بأس به من وظائف الدولة المصرية العليا.
ولربما صدق فيهم القول القائل: «المنوفى لا يلوفى حتى لو أكلوه لحم الكتوفي»، وفى التفسير المنوفى أن المنوفى رجل دولة مخلص لوظيفته لا يرتضى عنها بديلًا ولو أكلوه لحم الكتوفى ليوالس أو يماين، أو يعطى مما تحت يديه من سلطات أميرية مقابل عطية أو هبة، مؤتمن تمامًا.. وهذا ليس من قبيل التبرير ولكنه تقرير حال .
المنوفى عادة لا ينفق وقته فى اللهو، مثله مثل الدمياطي، بل الأخير أوفر حظًا، لديه بحر ونهر، وفرع دمياط يغنيه مذلة السؤال، أما منوف فنصيبها قليل، قليلة البخت، حتى الرياح المنوفى أبى إلا أن يذهب إلى منوف، ما إن يصل إلى المنوفية حتى ينشطر إلى بحر شبين يذهب لطنطا، وترعة الباجورية تذهب نواحى ميت أبو الكوم، وما تبقى للمنوفية هو البحر الأعمى، تمعن فى التسمية، بحر وما هو ببحر، ليس له منبع ولا مصب، وغالبًا مياهه من صرف زراعى غير مُحلى من التحلية، تمرح فيه زرّيعة أسماك مجهولة الهوية.
كانت فسحتنا البحر الأعمى، نصيد سمكًا صغيرًا، لم أكن من هواة «العوم»، وإلى الآن لم أسبح حتى فى حمامات السباحة، والسبب جدتى «روحية» كانت تخشى على من «جنيّة البحر»، أم الشعور السوداء، تغطى وجهها فى عز الظهر، حذارِ، هتسحبك لتحت الميه، ربت فى نفسى الخوف تمامًا من الأعماق التى تسكنها الجنيّة، ورغم أن قاع البحر الأعمى ظاهر للأعمى، إلا أننى ما تجاسرت يومًا وسبحت فى المياه الضحلة، وكأن الجنيّة تتقصدنى شخصيًا، أو تنتظرنى أنا تحديدًا من قديم الزمان، وصارت الجنيّة تطاردنى فى أحلامي، وقطعت بينى وبين الأنهار والبحار والمحيطات. (يتبع الأسبوع القادم)