رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

منتدى «روسيا - إفريقيا».. خارطة طريق الفرص الواعدة


25-12-2025 | 17:27

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

تُعد القارة الإفريقية اليوم محركًا متناميًا فى الاقتصاد العالمى والتحول الجيوسياسى باتجاه عالم متعدد الأقطاب؛ حيث تحتضن إفريقيا  موارد طبيعية هائلة، وطاقات بشرية شابة، وشرائح سوق واعدة للنمو، فى عام 2025 أصبحت إفريقيا أكثر من مجرد مورد للثروات الأولية؛ بل منصة استراتيجية للابتكار، التجارة، الطاقة، والربط الإقليمى فى منظومة الاقتصاد العالمى.

 

 

تُشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن إفريقيا تمتلك أكثر من 60 فى المائة من الأراضى الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميًا، وأن القارة ستسهم بأكثر من 40 فى المائة من النمو السكانى العالمى خلال العقود القادمة، مما يجعلها محورًا محتملاً للنمو طويل الأمد فى الاستهلاك والإنتاج، هذا الواقع دفع القوى الكبرى إلى تعزيز شراكاتها مع الدول الإفريقية، سواء كانت فى مجالات الاستثمار، التكنولوجيا، أو التنمية المستدامة.

حيث فى ظل هذه البيئة، سعت العديد من الدول الكبرى  إلى إعادة صياغة علاقاتها مع إفريقيا بعيدًا عن نموذج المساعدات التقليدية، وتركيز الشراكات على الاستثمارات المتبادلة، نقل التكنولوجيا، وتنمية القدرات المحلية، تأتى هذه التطورات فى إطار أجندة إفريقيا 2063 الخطة الاستراتيجية الطموحة التى وضعها الاتحاد الإفريقى لتحقيق الاندماج الاقتصادى والتنمية الشاملة للقارة بحلول العام  2063.

ولأن العالم يتجه نحو نظام عالمى متعدد الأقطاب، فإن الشراكات مع إفريقيا لم تعد خيارًا بل ضرورة. يأتى منتدى الشراكة الروسي– الإفريقى فى هذا السياق كمنصة حيوية لتفعيل هذه الشراكات، وتحديد آليات العمل المستقبلية بين روسيا والدول الإفريقية فى مختلف المجالات، انطلاقًا من رؤية متوازنة للنمو والتكامل.

ولا شك أن انعقاد المؤتمر الوزارى الثانى لمنتدى الشراكة الروسية -الإفريقية فى القاهرة، 19– 20 ديسمبر 2025، تحت رعاية مصر، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 50 دولة إفريقية على المستوى الوزارى، إلى جانب ممثلى الاتحاد الإفريقى والمنظمات الإقليمية، يمثل امتدادا لجهود بدأتها روسيا فى السنوات الماضية لبناء شراكة أوسع مع الدول الإفريقية، انطلاقًا من القمة الروسية – الإفريقية الثانية التى عقدت فى سان بطرسبورج عام 2023، ومن ثم الاجتماعات الوزارية التى تلتها، التى تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادى، الأمنى، التنموى، والثقافى.

 يمتلك المنتدى خارطة عمل ممتدة حتى عام 2026، تشمل مجالات حيوية مثل الاستكشاف الجيولوجى، الزراعة والأمن الغذائى، تدريب الكوادر، الصحة، التكنولوجيا المتقدمة، والاستثمار.

ويتمثل الهدف الاستراتيجى لهذا المنتدى فى التنسيق بين روسيا والدول الإفريقية لوضع خطة تنفيذ عملية لبنود التعاون خلال السنوات القادمة، وصولًا إلى قمة روسيا– إفريقيا الثالثة المقررة فى القاهرة عام 2026.

ويعقد المنتدى فى وقت تتصاعد فيه التغيرات فى النظام الدولى، مع تزايد أهمية إفريقيا فى السياسات الدولية، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا. إذ يتطلع العالم - خاصة القوى الكبرى - إلى التنسيق مع الدول الإفريقية ضمن رؤية تنموية بعيدة المدى.

ورغم أن الغرب ظل القوة الاقتصادية الكبرى لبعض الوقت فى القارة، إلا أن تحولات عميقة تحدث فى العلاقات الدولية بعد الحرب الروسية – الأوكرانية والانخراط الروسى فى إفريقيا، يأتى المنتدى فى القاهرة فى وقت  يزداد فيه الوعى بأهمية إفريقيا كقوة اقتصادية مستقبلية فى ظل عدة نقاط أولاها إنجازات الأجندة الإفريقية 2063 والتى تضع التكامل الاقتصادى الإقليمى والتنمية المستدامة فى قلب السياسات القارية، ثانيها تطلع النظام الدولى إلى تعددية القوة بعيدًا عن القطبية المفردة، مما يجعل روسيا تسعى لتعزيز نفوذها فى إفريقيا عبر شراكات اقتصادية وسياسية متوازنة، ثالثها تتسابق الدول الكبرى لتحديد إطار جديد للشراكات خارج آليات الهيمنة التقليدية، من خلال التعاون فى مجالات تكنولوجية واستثمارية متقدمة.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد شدد فى كلمته خلال افتتاح المؤتمر على أهمية مشاركة إفريقيا فى اتخاذ القرار الدولى، ودعا إلى إصلاح النظام الدولى بما يمنح القارة دورًا فاعلًا فى المنظمات الدولية مثل مجلس الأمن.

ومما لا شك فيه أن فى سياق تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية فى إفريقيا، تستند الرؤية المصرية للتنمية إلى 5  محاور أساسية، وتكمن أهمية هذه المحاور فى قدرتها على بلورة استراتيجية شاملة تدعم التكامل القارى وتحقق فوائد مشتركة للدول الإفريقية ومصر على حد سواء:

أ) دعم تنفيذ الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، فتلعب شبكات النقل والممرات اللوجستية دورًا حاسمًا فى ربط الأسواق الإفريقية بعضها ببعض، وتحسين تدفق السلع، مما يسهم فى توسيع التجارة البينية، وتعكس هذه المحاور التعاون بين مصر وغيرها من الدول الإفريقية لإتمام مشروعات البنية التحتية الأساسية، الطرق، السكك الحديدية، والموانئ، بهدف تسريع التكامل الإقليمى.

تأخذ مصر على عاتقها التنسيق بين ممرات النقل فى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بينما تستفيد الدول الإفريقية من الربط مع الأسواق العالمية. يأتى ذلك تماشيًا مع رؤية مصر لجعل إفريقيا سوقًا موحدة ترتبط بطرق نقل فعالة ومتطورة.

ب) تعزيز التعاون فى مجال الطاقة والربط الكهربائى، تكمن أهمية الطاقة فى قلب التنمية الاقتصادية، خاصة مع النمو السريع للاقتصاد والسكان، وتعمل مصر على دعم التعاون فى الطاقة الكهربائية والربط الشبكى بين الدول، بما يمكن من تقاسم موارد الطاقة المتجددة وغير المتجددة وتحسين الكفاءة الإقليمية.

التعاون فى هذا الجانب يشمل دعم مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالإضافة إلى الربط الكهربائى عبر الشبكات القارية، مما يسهم فى ضمان إمدادات مستقرة ومستدامة للدول الإفريقية، وهذا يتماشى مع تطلعات الاتحاد الإفريقى لتعزيز الطاقة النظيفة والمستدامة كجزء من أجندة  2063.

ج) دعم التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائى، فيمثل الأمن الغذائى تحديًا كبيرًا فى إفريقيا، خاصة مع النمو السكانى المتسارع وتأثيرات تغير المناخ، وتولى مصر أهمية خاصة لتعزيز  «التعاون الزراعى، نقل التكنولوجيا الزراعية، تحسين الإنتاج، وإقامة مشروعات مشتركة قد تسهم فى تحقيق أمن غذائى مستدام»، حيث ينظر إلى الزراعة ليس فقط كقطاع إنتاجى، بل كوسيلة لتوليد فرص عمل، وتحسين مستويات المعيشة، وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك الغذائى فى القارة، بدعم من التقنيات المتطورة وأفضل الممارسات الزراعية.

د) تعزيز التجارة البينية الإفريقية، للأسف التجارة البينية بين الدول الإفريقية لا تزال تمثل أقل من إمكانات القارة، لكن هناك جهودا متزايدة لتعزيزها من خلال اتفاقيات التجارة الحرة القارية مثل ZLECAF. وتسعى مصر من خلال منتدى الشراكة لتعزيز حركة السلع الإفريقية داخل القارة، خفض الحواجز التجارية، وتبسيط الإجراءات بما يؤدى إلى زيادة التبادل التجارى وتحفيز النمو الاقتصادى المشترك.

هـ) تعزيز التعاون فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى، وأعتقد أن التعاون فى مجال التكنولوجيا والاتصالات اليوم فى مقدمة محركات النمو الدولى، وتشمل هذه المجالات الاتصالات الرقمية، البنية التحتية للاتصالات، الذكاء الاصطناعى، والتعليم التقنى.

وترى مصر  أن الربط الرقمى والتوسع فى الخدمات الرقمية يمكن أن يحقق قفزات نوعية فى التنمية، خاصة مع تسريع عمليات التحول الرقمى فى الحكومات، التعليم، الصحة، والخدمات العامة. وهذا يتماشى أيضًا مع اتجاهات الاتحاد الإفريقى لتعزيز الاقتصاد الرقمى كأحد أركان التنمية.

ويسعى المنتدى لوضع خريطة طريق تنفيذية للتعاون بين روسيا والدول الإفريقية، تستند إلى:

خطة عمل لمرحلة «2026–2029»؛ حيث بدأ العمل على وضع مشروع خطة تعاون شاملة لتلك الفترة ليتم عرضه فى القمة الروسية – الإفريقية المقبلة، أيضا تنفيذ خطة 2023–2026 بتفاصيلها، وقد تضمن جدول أعمال المنتدى مناقشة خطوات تنفيذ خطة العمل التى أُطلقت خلال القمة الروسية - الإفريقية الثانية فى سان بطرسبورج 2023، والتى تضم 161 بندًا تشمل مجالات متعددة مثل الزراعة، الطاقة، التكنولوجيا، التدريب، والرعاية الصحية، بالإضافة إلى آليات التنفيذ والالتزام.

كذلك توسيع التعاون فى المجالات الاقتصادية والتنموية، فيسعى المنتدى لتعزيز الشراكات ليس فقط على المستوى الحكومى، وإنما أيضًا بين الشركات والقطاع الخاص فى روسيا والدول الإفريقية. ويشمل ذلك التجارة، الاستثمار، نقل التكنولوجيا، والبنية التحتية، وتتضمن أجندة التعاون أيضًا أبعادًا أمنية وتنموية لدعم الاستقرار الإقليمى، بما يسهم فى خلق بيئة مواتية للاستثمار والنمو المستدام.

يمكن تلخيص أبرز الفرص والسبل التى يمكن لمصر استثمارها من منتدى الشراكة الروسي– الإفريقى فى مجالات متعددة أهمها جذب الاستثمارات الروسية إلى مصر، ويضع المنتدى مصر كمنصة استراتيجية لجذب الاستثمارات الروسية، بالاستفادة من الموقع الجغرافى والتكامل القارى، بالفعل يُنظر إلى القاهرة كجزء من بوابة روسيا إلى الأسواق الإفريقية، لا سيما فى ضوء ارتفاع التبادل التجارى بين مصر وروسيا بنسبة تقارب 32 فى المائة، ليصل إلى حوالى 9 مليارات دولار، حيث تستطيع مصر الاستفادة من هذه الشراكات من خلال جذب استثمارات فى الطاقة، التصنيع، الزراعة، الخدمات اللوجستية، والاتصالات، مما يدعم خلق فرص عمل وتقوية النمو الاقتصادى.

يمكن لمصر استغلال الشراكات الروسية فى توطين التكنولوجيا المتقدمة فى مشاريع مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتى تُعد محورًا استراتيجيًا لجذب الاستثمارات الصناعية والخدماتية. وهذا يشمل التسريع فى مشاريع تصنيع التكنولوجيا، التركيب، والصيانة داخل مصر، وبالتالى تعزيز التكامل الصناعى مع الأسواق الإفريقية.

ويمثل التعاون فى مجال الطاقة - ولا سيما مشروع محطة الضبعة النووية - نقطة مركزية فى الشراكة بين مصر وروسيا، هذا المشروع لا يدعم فقط أمن الطاقة فى مصر، بل يمكن أن يمهد أيضاً الطريق لتعزيز التعاون فى مجالات الطاقة المتقدمة فى إفريقيا، من خلال تصدير الخبرات، التدريب، ومشروعات مشتركة.

من خلال تبنى المحاور الخمسة والتركيز على التنمية الشاملة، تستطيع مصر أن تكون وسيطًا استراتيجيًا بين روسيا والدول الإفريقية لتفعيل برامج التعاون فى مجالات النقل، الزراعة، الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية.

وقد استضافت مصر المنتدى فى وقت دعا فيه الرئيس السيسى إلى إصلاحات فى النظام الدولى لمنح إفريقيا صوتًا أكبر فى القرارات الدولية، مما يعزز من دور القاهرة كفاعل رئيسى فى السياسات القارية والدولية. 

ولا شك أن تعزيز الشراكة لبناء مستقبل مستدام، حيث يعكس منتدى الشراكة الروسي– الإفريقى فى القاهرة 2025 رغبة حقيقية فى فتح مسارات جديدة للتعاون، متابعة تنفيذ المشاريع السابقة، وتوسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والدول الإفريقية، إنه مؤشر واضح على ارتباط المصالح بين الدول الكبرى والاقتصادات الصاعدة داخل إفريقيا، وكشريك فاعل يمكن لمصر أن تلعب فيه دورًا محوريًا فى توجيه هذه الشراكات نحو تنمية مستدامة ومتوازنة.

من خلال تنفيذ رؤية تنموية متكاملة، دعم التكامل الإقليمى، وتفعيل التعاون فى مجالات الطاقة، التكنولوجيا، والمشروعات الكبيرة، يمكن لمصر أن تساهم فى صياغة مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا لقارتها وللعلاقات الدولية الواعدة فى عالم متعدد الأقطاب.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة