فى إطار رؤية الدولة المصرية 2030، كيف تترجم الهيئة هذه الرؤية إلى خطوات عملية داخل الصعيد، وما الدور الذى تقوم به فى تمكين القطاع الخاص وتعزيز الاستثمار وتحويل الجنوب إلى مناطق جذب تنموى؟
تنطلق هيئة تنمية الصعيد فى جميع تحرّكاتها من الرؤية الطموحة التى تتبناها الدولة المصرية ضمن استراتيجية مصر 2030، والتى تقوم على تحقيق تنمية متوازنة وشاملة فى مختلف المحافظات، مع تقليل الفجوات التنموية وتمكين المواطن بوصفه محور التنمية وغايتها. وفى ضوء هذه الرؤية، أُنشئت الهيئة بقرار من رئيس الجمهورية لتكون الأذرع التنموية للحكومة داخل محافظات الصعيد، ولتعمل على تعظيم الاستفادة من القدرات والموارد المتاحة، وتوجيهها نحو مشروعات تُحدث فارقًا حقيقيًا فى حياة المواطنين.
ونحن نتحرك وفق منهج متكامل يُعطى القطاع الخاص دورًا محوريًا فى قيادة عملية التنمية، بما يعكس توجه الدولة نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية، لذلك تعمل الهيئة على تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار داخل محافظات الصعيد من خلال تحسين الخدمات الأساسية، وتسهيل الإجراءات، والسعى المستمر لإزالة أى معوقات قد تواجه المستثمرين، كما نولى اهتمامًا خاصًا بدعم ريادة الأعمال وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها ركيزة للنمو الاقتصادى، ورافدًا مهمًا لتوفير فرص عمل مباشرة لأبناء الصعيد وتمكين الشباب والمرأة. ويأتى ذلك فى إطار تنسيق وثيق مع الوزارات والجهات المعنية لضمان تحقيق رؤية القيادة السياسية فى تحويل الصعيد إلى مناطق جذب تنموى متكاملة تمتلك بنية اقتصادية قوية قادرة على الإنتاج والمنافسة والمساهمة فى دعم الاقتصاد الوطني، فنحن نعمل على بناء «صعيد جديد» يواكب مستهدفات الجمهورية الجديدة، ويعكس قدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرص، والموارد إلى قيمة مضافة، بما يضمن تنمية حقيقية يشعر بها المواطن على أرض الواقع.
وتنفذ هيئة تنمية الصعيد عددًا كبيرًا من المشروعات فى مختلف المحافظات لدعم التنمية الصناعية والزراعية والحرفية.
كيف تسهم هذه المشروعات فى تعزيز القدرات الاقتصادية للصعيد وخلق فرص العمل ودعم الصناعات التراثية والغذائية؟
كما تُعد المشروعات التى تنفذها هيئة تنمية الصعيد فى محافظات بنى سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج والأقصر وأسوان والوادى الجديد وقنا والبحر الأحمر نموذجًا واضحًا للرؤية التنموية التى تتبناها الدولة فى إحداث نقلة شاملة داخل محافظات الصعيد. هذه المشروعات تأتى فى إطار خطة متكاملة تستهدف دعم الحرف التراثية، وتعزيز الإنتاج الزراعى، وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب زيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
وعلى مستوى الصناعات الحرفية والتراثية، أنشأت الهيئة عددًا من المجمعات الصناعية الحرفية ومراكز تنمية المهارات فى قرى متعددة منها أبو النور ودلهانس ببنى سويف ومنشية النوبة ووادى كركر وفارس والكوبانية والرمادى قبلى وبلانة والكرنك بأسوان. هذه المشروعات تسهم فى إحياء الحرف اليدوية التراثية، وتوفير فرص عمل مستقرة، وإتاحة مساحات مجهزة للشباب والمرأة لتطوير مشروعاتهم الإنتاجية.
أما على مستوى التنمية الزراعية والأنشطة المرتبطة بها، فقد نفذت الهيئة مشروعات نوعية تشمل استصلاح واستزراع 450 فدانًا فى أبو طرطور، وإنشاء مجمعات لإنتاج شتلات قصب السكر فى أسوان وقنا، إضافة إلى مشروع رائد لزراعة نباتات الجوجوبا باستخدام مياه الصرف الصحى المعالج فى البحر الأحمر، وهو مشروع يعكس توجه الدولة نحو الزراعة الذكية وترشيد الموارد المائية.
وفى مجال الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعى، أنشأت الهيئة مصانع متخصصة فى تجفيف البصل والثوم والطماطم، ومجمعًا للصناعات الغذائية فى أسوان، ومشروعًا لإنتاج مركزات الرمان فى أسيوط، بالإضافة إلى مصنع لإنتاج معجون الطماطم بالأقصر. وتعمل هذه المشروعات على رفع القيمة المضافة للمحاصيل، وتقليل الفاقد، ودعم سلاسل الإمداد الزراعية وتوفير فرص عمل واسعة داخل المجتمعات الريفية.
كما نفذت الهيئة مشروعات فى قطاع الثروة الحيوانية مثل تطوير مجمع الدواجن التكاملى فى أسوان، إلى جانب تطوير مجمعات التغليف والتعبئة مثل مشروع تمور الوادى الجديد، وهو ما يسهم فى دعم الأمن الغذائى وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية فى الأسواق المحلية والتصديرية.
وتشمل المشروعات أيضًا مجمعات الورش والمواقف المطورة، منها مجمع ورش النجارة فى عرب العوامر بأسيوط، وتطوير ورفع كفاءة عدد من المواقع الخدمية التى تخدم الحركة اليومية داخل المحافظات.
وبهذه المشروعات المتنوعة، تؤكد هيئة تنمية الصعيد دورها كرافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتمكين الشباب، ودعم الصناعات القائمة على الموارد المحلية، وتحويل محافظات الصعيد إلى مناطق إنتاجية قادرة على المنافسة ونقل الصناعة المحلية إلى مستوى جديد من القيمة والجودة. كما تواصل هيئة تنمية الصعيد تحقيق خطوات ملموسة على أرض الواقع، حيث بلغ عدد المشروعات المنفذة 58 مشروعًا متنوعة بين صناعية وزراعية وحرفية، بينما توفر 25 فرصة استثمارية تدعم توجهات المستثمرين نحو القطاعات الواعدة فى الصعيد.
كما تمتلك الهيئة 9,200 فرصة عمل تمثل عائدًا مباشرًا وغير مباشر لأبناء المحافظات، ما يعكس الدور الفعّال للهيئة فى خلق فرص اقتصادية وتنموية مستدامة، وتعزيز قدرة الصعيد على أن يصبح بيئة جاذبة للاستثمار والإنتاج.
مع تنوع مشروعات الهيئة فى الصناعات الغذائية والزراعية والمبادرات البيئية المستدامة، كيف أسهمت هذه المشروعات فى تعزيز الاقتصاد المحلى، ودعم فرص العمل؟
تمثل مشروعات هيئة تنمية الصعيد نموذجًا حيًا لكيفية تحويل الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، مع ربط التنمية الاقتصادية بالبعد الاجتماعى والبيئي. تهدف هذه المشروعات إلى تعزيز الصناعات الصغيرة والحرف اليدوية، وتوفير فرص عمل لأهالى المحافظات، ودعم القطاع الزراعى والتصنيع الغذائى لرفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
فعلى سبيل المثال، مشروع تمور الوادى الجديد يستفيد من محصول التمور بالمحافظة ويزيد الطاقة التخزينية، ويعمل على توفير 180 فرصة عمل مباشرة. المشروع يشمل مبنى إداريا، وخطوط تعبئة وتغليف، وثلاجات حفظ لضمان جودة الإنتاج، بما يسهم فى بناء اقتصاد قوى وفق رؤية مصر 2030. وفى الأقصر، يحقق مجمع الصناعات الغذائية لتجفيف الطماطم قيمة مضافة للحاصلات الزراعية، ويخدم صغار المزارعين والمصدرين، مع توفير 150 فرصة عمل، ويضم هنجر تصنيع، ومناشر تجفيف، ومخازن، وثلاجة حفظ بسعة 20 طنا، بالإضافة إلى مبنى إدارى، وهذا المشروع يعمل على تعزيز الاقتصاد المحلى وتحفيز الصناعة الزراعية.
وفى إطار المشروعات المستدامة بيئيًا، تأتى مبادرة زراعة نباتات الجوجوبا باستخدام مياه الصرف الصحى المعالج ثلاثيًا على مساحة 3,000 فدان، وتشمل محطة رفع، ومنطقة إدارية، وشبكات رى متطورة. يسهم المشروع فى إنتاج الوقود الحيوى والزيوت العضوية والسماد العضوى، ويوفر 3,000 فرصة عمل للقطاع الصناعى والدعم الفنى للمزارعين، ما يعكس التزام الهيئة بالاستدامة البيئية وفق رؤية مصر 2030. وفى محافظة أسوان، تنفذ الهيئة مشروعات متنوعة تشمل الصناعات الغذائية والزراعة واللوجستيات والبيئة، أبرزها مجمع للصناعات الغذائية فى وادى كركر، ومجمع صوب زراعية لإنتاج شتلات قصب السكر فى كوم أمبو، ومشروع زراعة الجوجوبا البيئى، مع توفير فرص عمل لائقة وتعزيز الاقتصاد المحلي.
تجتمع هذه المشروعات لتجسّد رؤية الهيئة فى تحويل الموارد الطبيعية والزراعية إلى مشروعات منتجة ومستدامة، مع تعزيز فرص العمل، ودعم الاقتصاد المحلى، والحفاظ على البيئة، ما يجعل الصعيد نموذجًا للتنمية المستدامة التى تراعى التوازن بين البعد الاقتصادى والاجتماعى والبيئي.
كيف أسهم توسع الهيئة عقد شراكات مع الوزارات والمحافظات والهيئات المختلفة فى تعزيز تنفيذ المشروعات ودعم التنمية المتكاملة فى محافظات الصعيد؟
تعمل هيئة تنمية الصعيد على توسيع شراكاتها المؤسسية لدعم التنمية المتكاملة، من خلال بروتوكولات تعاون مع عدد من الوزارات مثل الصحة والإسكان والزراعة والشباب، بهدف تحسين الخدمات وتطوير المشروعات الإنتاجية. كما عقدت اتفاقيات مع أغلب محافظات الصعيد لتنسيق تنفيذ المشروعات وتيسير الاستثمار، إلى جانب شراكات مع جامعات أسوان وجنوب الوادى والفيوم وعين شمس وغيرها لدعم الدراسات والبحث العلمى. وامتد التعاون ليشمل هيئات وطنية كهيئة التنمية الصناعية وهيئة الاستثمار وهيئة التخطيط العمراني. ويسهم هذا التنسيق الواسع فى تسريع المشروعات وتعزيز مناخ الاستثمار وتحقيق أهداف الدولة لتنمية الصعيد.
إلى أى مدى يسهم الموقع الإلكترونى الجديد لهيئة تنمية الصعيد فى تعزيز التواصل مع المستثمرين ودعم جهود التنمية المستدامة؟
يمثل الموقع الإلكترونى الجديد خطوة مهمة فى مسار التحول الرقمى للهيئة، لأنه يوفّر منصة تفاعلية تُسهّل وصول المستثمرين إلى البيانات والفرص المتاحة بشكل واضح ومُحدَّث. كما يتيح عرض المشروعات والإنجازات بطريقة ديناميكية تدعم الشفافية، وتختصر الوقت فى الحصول على الخدمات والمعلومات. وبذلك يصبح الموقع أداة مباشرة لدعم الاستثمار، وتعزيز المتابعة المجتمعية، ودفع جهود التنمية المستدامة فى محافظات الصعيد.
كيف تعمل الهيئة على دعم الصناعات اليدوية وتمكين المستثمرين وأصحاب الأفكار الجديدة، وضمان وصول منتجاتهم للسوق بشكل فعّال ومستدام؟
هناك توجه واضح لدعم الحرف التراثية، والهيئة تهتم بتنظيم معارض دائمة لمشروعات التلى والفخار والمشغولات الجلدية. كما ندرس حالة هذه المشروعات والمصنّعين لها، ووقفت على مطالبهم خلال لجنة زارت محافظاتهم، حيث تبين أن التسويق يمثل العائق الأكبر أمام نجاحهم؛ إذ يضطرون لدفع مبالغ كبيرة عند المشاركة فى المعارض خارج محافظاتهم. ومن هنا، تهدف الهيئة إلى توفير معارض دائمة لعرض منتجات الحرفيين بشكل مستمر. كذلك، الهيئة لا تركز فقط على محافظة واحدة، بل تشمل جميع محافظات الصعيد، من الفيوم إلى أسوان والوادى الجديد، والبحر الأحمر مع متابعة حثيثة لتقديم الدعم، هذا إلى جانب السعى لتقديم الفرص الاستثمارية للمستثمرين، وتشجيع أى فكرة أو مشروع جديد، مع تقديم كل الدعم اللازم لإقامته، وتشجع ريادة الأعمال، وتعرض المشروعات المتاحة وفرص الاستثمار، وفى حال لم تتوافق أى فكرة مع الفرص المعروضة، تستمع الهيئة للمستثمر وتدعم مشروعه الجديد لضمان تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشروعات ناجحة على أرض الواقع.
ما أبرز التحديات التى تنتظر الهيئة فى الفترة المقبلة؟
تتبنى الهيئة استراتيجيات متكاملة تتماشى مع خطط الدولة ورؤية مصر 2030، تشمل إنشاء معارض دائمة ومتخصصة للحرف التراثية والمنتجات الزراعية، دعم الحملات الترويجية، ربط المنتجين بالمستثمرين المحليين والدوليين، تقديم التسهيلات والدعم الفنى لأى مستثمر لديه فكرة مبتكرة، وعقد شراكات وبروتوكولات تعاون بين الوزارات والمحافظات والهيئات لضمان تكامل الجهود وتحقيق أثر تنموى شامل. كما تعمل الهيئة على متابعة الأسواق ووضع آليات لضمان استقرار الأسعار وتقليل المخاطر، بالتوازى مع استكمال البنية التحتية لتوفير الخدمات اللازمة من نقل وطاقة ومياه واتصالات، بما يعزز من نجاح المشروعات ويضمن استدامتها، ويحقق أهداف رؤية مصر 2030 فى التنمية المستدامة وتمكين الإنسان المصرى.