فى قلب صعيد مصر، إلى الجنوب الغربى من مدينة أسيوط، وعلى مساحة تقارب 22 كم تقريبًا، وعلى بعد 3 كم غرب قرية «دير الجنادلة»، يقع ديرٌ منحوت فى الجبل، يرتفع به صمت الزمن، يربط بين العصر الفرعونى وعصر الرهبنة المسيحية، إنه دير السيدة العذراء مريم المعروف بـ«دير الجنادلة»، وما بين مغارات صخور استخدمت قديمًا كمحاجر فرعونية، وبين كنائس تعود لقرون عديدة، واحتفالات سنوية يحتشد فيها المؤمنون، يقدم الدير نموذجًا حيًا للتواصل الروحى والثقافي، ويمنح الزائر فرصة للسكينة والتأمل، مستعيدًا قصة قديسيه ومعجزاته التى تمنح المكان روحًا وحياة لا تضاهى.
ويُعد دير الجنادلة أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية فى صعيد مصر، لما يحمله من قيمة أثرية وروحية مُتجذرة عبر العصور، فقد شكّل منذ نشأته، نقطة ارتكاز للحياة الرهبانية ومركزًا للتواصل الروحى والثقافى داخل المنطقة، ومع تزايد الاهتمام بالمواقع التراثية، يبرز دير الجنادلة كوجهة مهمة للباحثين والمهتمين بدراسة تاريخ الكنيسة المصرية، فضلًا عن دوره المتنامى فى تعزيز السياحة الدينية.
يقع الدير فى قرية الجنادلة التابعة لمركز الغنايم بمحافظة أسيوط، وسط مساحات واسعة من الأراضى الزراعية، ما يمنحه طابعًا هادئًا وجوًا يُشجع على التأمل، كما يوضح القمص تادرس الأنبا مقروفيوس، أمين دير السيدة العذراء مريم بدير الجنادلة.. ويحتفل دير السيدة العذراء مريم بدير الجنادلة، بعيد العذراء «حالة الحديد» 21 بؤونة، فى الفترة من 13 إلى 28 يونيو من كل عام، ويشهد تجمعا كبيرا من كل أنحاء البلاد، علاوة على زيارة الوفود الأجنبية الأخرى له للتَبرُك والدعاء والتوبة، نظرًا للمكانة الكبيرة التى يحظى بها فى نفوس الزوار والمترددين على المكان باستمرار.
ويوضح القمص تادرس أن مؤسس الدير هو القديس الأنبا مقروفيوس ابن ملك قاو بصعيد مصر، وذلك فى القرن السادس الميلادي، والذى وُلد سنة 490 م، وترهب على يد القديس الأنبا مويسيس بعرابة أبيدوس البلينا سنة 522 م، وبعدها أتى إلى هذا المكان وأسس خمسة أديرة فى المنطقة التى تُسمى بوادى وجبل سرجة، والذى منه هذا الدير.
ويشير إلى أنه كان بهذه المنطقة 1000 راهب و1000 راهبة لهن دير خاص بهن، يعيشون جميعهم تحت إرشاد أبيهم الروحى القديس العظيم الأنبا مقروفيوس، والذى توفى فى 7 برمودة الموافق 15 أبريل 554م، وعيد ظهور جسده فى 7 طوبة، وكان هذا بعد نياحته بـ 733 سنة، كما شهد الدير عبر السنين عمليات تجديد وترميم متعددة، حافظت على طابعه الأثرى وروحانيته، ما جعله نقطة جذب للمتعبدين والمهتمين بالتراث.
ويلفت القمص تادرس إلى وجود كنيستين أثريتين بالدير، الأولى كنيسة السيدة العذراء وهى عبارة عن مغارة فرعونية «محجر فرعوني» جعلها الأنبا مقروفيوس كنيسة، ومكونة من ثلاثة خوارس مُقسمة من خلال مستوى السقف وبها مذبحان، الرئيسى على اسم السيدة العذراء، الثانى على اسم رئيس الملائكة ميخائيل، وبها حامل أيقونات عبارة عن حجارة ترجع للقرن الأول الميلادى وعليها نقوش وبها فرسكات ترجع للقرنين الثامن والعاشر الميلادي.
والثانية كنيسة القديسين الرسولين بطرس وبولس، ويرجع بناؤها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وهى مبنية بالطوب اللبن مع بعض الأحجار، بها ثلاثة مذابح الأوسط للرسولين بطرس وبولس والقبلى للشهيد مار جرجس الرومانى والبحرى للشهيد فيلوباتير مرقوريوس أبى سيفين، وسقفها عبارة عن 9 قباب، وهى مقسمة إلى خورسين، كما يوجد بالدير بئر أثرية ترجع للعصر الرومانى على عمق 45 مترا مقسمة لجزءين الأعلى 30 مترا من حجارة مرصوصة بدون مواد بناء والأسفل 15 مترا محفورة بالصخر الصوان الأسود.
ويقول القمص تادرس، إن الدير تحت رعاية نيافة الحبر الجليل الأنبا أندراوس، مطران أبوتيج وصدفا والغنايم ورئيس الدير، ويشهد الدير على مدار العام فعاليات دينية متعددة، وتزداد الحركة فيه خلال مواسم الأعياد والاحتفالات القبطية، كما يقدم خدمات اجتماعية لأهالى المنطقة، منها الدعم الخيرى وبرامج محو الأمية، ما يجعله جزءًا مؤثرًا فى المجتمع المحلي. ويبقى دير الجنادلة أحد المعالم الروحية العريقة فى محافظة أسيوط، يجمع بين التاريخ والسكينة، ويستمر فى أداء دوره الدينى والاجتماعي، ليحافظ على مكانته كأحد أهم الأديرة فى جنوب مصر.
وعن أهم المعجزات والقصص الروحية، يذكر القمص تادرس أن بعض المؤرخين أشاروا إلى أن العائلة المقدسة باركت المنطقة، علاوة على ذلك، شفاء اليد اليابسة لامرأة اسمها «صوفية» يدها يابسة، وعندما كانت تريد أن تأكل كان شخص آخر يقوم بإطعامها وكان إيمانها قويا، ولما سمع أحباؤها بالقديس مقروفيوس، وما يصنعه الله من عجائب على يديه حملوها إليه، فأخذ زيتًا بيديه ودهن به يديها فشُفيت يدها فى الحال ودبت فيها الحيوية، فمجد الله جميع من رأوا ذلك فى قديسه العظيم الأنبا مقروفيوس، كما أنه توجد فتحة فى سقف الخورس الثالث فى كنيسة العذراء تنضح زيتًا مقدسًا فى بعض الأوقات يصنع العديد من العجائب.