رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خالد صديق.. رئيس مجلس إدارة «صندوق التنمية الحضرية»: «إحياء القاهرة التاريخية» يجمع بين حفظ التراث والتنمية


4-12-2025 | 15:42

المهندس خالد صديق.. رئيس صندوق التنمية الحضرية

طباعة
حوار: راندا طارق

فى قلب القاهرة التاريخية، حيث الأزقة العريقة والمبانى التى تحمل ذاكرة قرون، يقود صندوق التنمية الحضرية مشروع إعادة إحياء المناطق التاريخية برؤية واضحة ومتكاملة، المشروع لا يقتصر على الترميم أو التطوير العمرانى، بل يسعى إلى خلق مدينة نابضة بالحياة تجمع بين الأصالة والحداثة، مع تحسين مستوى معيشة السكان، ودعم الحرف اليدوية التقليدية، وخلق فرص استثمارية، لتصبح القاهرة التاريخية نموذجًا للتنمية المستدامة التى تحترم التراث وتخدم السكان والزوار على حد سواء، وهو ما تحدث عنه المهندس خالد صديق، مع رئيس صندوق التنمية الحضرية، فى حوار خاص لـ«المصوّر»:

 
 

حدثنا عن الرؤية الأساسية لصندوق التنمية الحضرية فى مشروعات إعادة إحياء القاهرة التاريخية؟

تقوم رؤية الصندوق فى مشروعات إعادة إحياء القاهرة التاريخية، على الالتزام بالمواثيق الدولية وحماية التراث العالمى، حيث تعد هذه المناطق مسجلة ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمى، ويعمل الصندوق على الحفاظ على النسيج العمرانى التاريخى، مع دمج متطلبات التنمية المعاصرة، لتحويل القاهرة التاريخية إلى منطقة نابضة بالحياة تجمع بين أصالة التاريخ وفرص التنمية

وترتكز الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية، أولها الحفاظ على المبانى الأثرية وذات الطابع المميز، وثانيًا إعادة توظيفها بما يضمن استدامتها، وثالثًا تحسين حياة السكان وتطوير البنية التحتية وشبكات الحركة والمرور، مع خلق فرص عمل وبيئة معيشية للسكان وتنمية مجتمعية للسكان تهدف إلى الحفاظ على البعد الثقافى والسياحى والاقتصادى، من خلال خلق فرص استثمارية مناسبة ودعم الصناعات والحرف اليدوية التقليدية، بالإضافة إلى تطوير مسارات الحركة بما يتيح للزائر تجربة فريدة.

وما الذى يميز المشروعات الحالية فى القاهرة التاريخية مثل «درب اللبانة»، «حارة الروم» ، و«الفسطاط فيو» عن مشروعات سابقة؟

تتميز مشروعات الصندوق أنها اتبعت منهجًا مختلفًا يهدف الى إعادة إحياء المناطق التاريخية من خلال التعاقد مع استشاريين متخصصين فى هذا الشأن، وكذا حرص الصندوق على تشكيل لجنة تيسيرية من الجهات ذات الصلة لوضع رؤية التدخلات العمرانية، هذا إلى جانب الحرص على اتباع منهج شامل يجمع بين التطوير العمرانى والحفاظ على التراث، ووضعت رؤية تخطيطية تعمل على الحفاظ على الطابع التاريخى، ومعالجة المشكلات الهيكلية بالمبانى القائمة مما يحسن من الرؤية البصرية للمنطقة، مع تطوير البنية التحتية بالكامل والتنسيق مع وزارة السياحة والآثار لإعادة توظيف المبانى يحقق قيمة اقتصادية، وأشير هنا إلى أن مشروعات مثل درب اللبانة وحارة الروم لا تهدف إلى الهدم وإعادة البناء وفتح الطرق، لكن حرص الصندوق وبالتنسيق مع الاستشاريين المكلفين من الصندوق على إعادة إحياء المنطقة عمرانيًا واقتصاديًا من خلال إعادة توظيف المبانى ذات القيمة بما يتوافق مع روح المكان، دعم وتنمية الحرف التراثية والصناعات الصغيرة، وخلق فرص تشغيل للسكان.

وماذا عن «الفسطاط فيو»؟

«الفسطاط فيو».. من المشروعات التى ينفذها الصندوق لتحقق رؤية بانورامية على حديقة تلال الفسطاط، مما يربط بين القاهرة التاريخية ومشروع تلال الفسطاط على مساحة 500 فدان، وبذلك فإن ما يميز مشروعات الصندوق أنها لا تعالج الماضى فقط بل تبنى مستقبلاً وتعيد إحياء القاهرة التاريخية، مما يجعلها مدينة تراثية حية جاذبة للسكان والزوار والاستثمار فى الوقت نفسه.

كيف يتحقق التوازن بين الحفاظ على الطابع العمرانى القديم وتوفير خدمات حضارية حديثة؟

حرص الصندوق على تحقيق معادلة دقيقة تحت عنوان «مدينة تاريخية تحافظ على روحها وتقدم خدمات تليق بمكانتها العالمية وباحتياجات سكانها وزوارها»، ويعمل الصندوق من خلال استشاريين متخصصين وفق منهجية توازن بين الحفاظ على الطابع العمرانى التاريخى وتوفير خدمات تلائم احتياجات السكان والزوار، وذلك من خلال الحفاظ على الهوية المعمارية وترميم المبانى التاريخية طبقاً لضوابط التنسيق الحضارى مع توفير البنية التحتية بشكل مدروس لا يشوه النسيج العمرانى للمناطق التاريخية القائمة، وتنفيذ المبانى بأساليب معمارية لا تؤثر على المبانى القديمة.

كذلك الحرص على إنشاء منطقة حرفية كبيرة بالقرب من مناطق القاهرة التاريخية بمحور جيهان السادات، وذلك لنقل الحرف غير المتوافقة مع اشتراطات القاهرة التاريخية، مع تنظيم الحركة المرورية وتوفير مسارات حركة للزوار والقائمين بالمناطق التى يتم إعادة إحيائها، حيث يتعامل الصندوق مع القاهرة التاريخية باعتبارها منطقة سكنية نابضة بالحياة وليس مجرد موقع أثري، بل يحرص على استمرار وجود السكان الأصليين وخلق اقتصاد مرتبط بالتراث مما يقدم تجربة سياحية أصيلة.

وكيف يتم اختيار المبانى التى تستحق الترميم مقابل المبانى التى يتم استبدالها ؟

من خلال الاستشاريين المتخصصين فى هذه المشروعات، ويوضع تصورًا للتدخلات العمرانية بكل منطقة وفق عملية تقييم علمية دقيقة يشرف عليها الصندوق، ويعتمد على تحديد القيمة التاريخية والمعمارية للمبنى، حيث يتم الحفاظ وترميم المبانى الأثرية أو ذات الطابع المعمارى المميز والتى تمثل جزءًا من المشهد التاريخى للمنطقة، وأيضًا الحفاظ على النسيج العمرانى القائم، والحالة الإنشائية ومدى الخطورة حيث يقوم الاستشارى بتقديم دراسة تفصيلية للسلامة الإنشائية للمبنى، فإذا كان يشكل خطرًا على السكان ولا يحمل قيمة معمارية يتخذ قرار الإحلال ببناء جديد يحترم نفس الطابع العمرانى، أو فك وإعادة تركيب للعناصر المعمارية ذات القيمة، وأخيرًا التوافق مع ضوابط التنسيق الحضارى، حيث يتم استبدال أو إنشاء أى مبنى وفق اشتراطات المنطقة من حيث الشكل أو الارتفاعات التى تتماشى مع هوية المنطقة بما يضمن عدم حدوث تشويه للنسيج التاريخى القائم.

ما أبرز التحديات التى واجهها الصندوق أثناء تنفيذ هذه المشروعات فى مناطق مكتظة ومبنية منذ قرون؟

تواجه مشروعات إحياء القاهرة التاريخية مجموعة من التحديات المعقدة بحكم طبيعة المناطق التى تمتد جذورها لمئات السنين، وحرص الصندوق فى التعامل مع هذا النسيج المعقد وبالتنسيق مع الجهة المنفذة والمحافظة والاستشاريين وفق إجراءات ومنهج علمى يمكّن من خلاله التعامل مع هذا النسيج العمرانى شديد الاكتظاظ، حيث تتسم المناطق التاريخية بضيق شوارعها وحواريها وكثافة المبانى وتداخل الأنشطة مما يصعب دخول المعدات ونقل الخامات والمواد، بالإضافة إلى ضرورة اتخاذ حلول هندسية غير تقليدية فى التنفيذ ونقل المخلفات والركام، وحماية المبانى القائمة القديمة، والتعامل مع المرافق القائمة وتيسير الحركة للأهالى المقيمين بالمنطقة، وكذلك أصحاب المحال التجارية القائمة لعدم تأثر حركة البيع والذى يعتبر مصدر رزق لهم، هذه التحديات تجعل مشروعات القاهرة التاريخية من أكثر المشروعات تعقيدًا على مستوى التنفيذ والتدخلات الهندسية، إضافة إلى البعد الإنسانى والتراثى للمنطقة، وكان هنا دور الصندوق وجهده فى التواصل والحوار المجتمعى وتذليل المعوقات للحفاظ على روح المكان وإعادة حيويته، بالإضافة إلى التحديات الهندسية هناك تحدٍ أكبر يتعلق بتعدد وتفتت الملكيات داخل المناطق التاريخية، حيث تكون العقارات مملوكة لعشرات الورثة أو الشركاء، ما يجعل إجراءات التعامل بالغ الصعوبة، كما تتطلب عملية التفاوض وقتًا طويلاً لحصر الملكية، والتأكد من المستندات، والوصول إلى اتفاق يراعى حقوق جميع الأطراف دون تعطيل المشروع.

كيف تضمنون أن التشطيبات والواجهات الجديدة تتوافق مع الطابع التاريخى للمنطقة؟

يتم الالتزام بضوابط التنسيق الحضارى لضمان مطابقة الألوان والخامات والحفاظ على ارتفاعات المبانى، أيضًا تم الاستعانة فى بداية العمل باستشاريين متخصصين لتحليل الطابع المعمارى لكل شارع وحارة واقتراح التدخلات المعمارية التى تحافظ على الهوية البصرية للمنطقة والنسيج العمرانى، وتم عرض هذه التدخلات على اللجنة التيسيرية والممثل فيها التنسيق الحضارى والسياحة والآثار، بالإضافة إلى كافة الجهات ذات الصلة ويتم أخذ الموافقة ومراجعة الاشتراطات للتنفيذ، وبذلك يضمن الصندوق أن تبقى القاهرة التاريخية مدينة حية تحترم تراثها وفى الوقت نفسه تقدم خدمات تلبى احتياجات السكان والزوار.

إلى أى مدى تساهم هذه المشروعات فى تحسين مستوى معيشة السكان؟

تساهم مشروعات الصندوق فى القاهرة التاريخية بشكل مباشر فى رفع مستوى معيشة السكان المحليين، من خلال التدخلات المتكاملة التى تجمع بين تحسين البنية التحتية وتنمية الحرف من خلال تحسين البيئة العمرانية والخدمات الأساسية والتى وفرت بيئة معيشية أكثر أمانًا وصحة للسكان، مع الحفاظ على الطابع التاريخى للمنطقة، أيضًا توفير فرص عمل ودعم الحرف التراثية والصناعات الصغيرة، مما ساهم فى زيادة دخل الأسر، كما أن إشراك السكان فى مراحل التخطيط والتنفيذ لضمان مراعاة احتياجاتهم اليومية عزز من الانتماء الاجتماعى، وبذلك فإن هذا المشروع نجح فى تحويل القاهرة التاريخية من مناطق متدهورة إلى بيئة معيشية متكاملة تجمع بين الحفاظ على التراث وتحسين جودة الحياة.

كيف تم دمج الحرفيين وأصحاب الحرف اليدوية ضمن هذه المشروعات، وما هى الخطط لدعم صناعاتهم التقليدية؟

سعى الصندوق منذ بدء مشروع إعادة إحياء القاهرة التاريخية على دمج أصحاب الحرف اليدوية ضمن مشروعات إعادة الإحياء باعتبارهم جزءًا أساسيًا من هوية المنطقة وتراثها الثقافى، حيث يتم تشجيع أصحاب الحرف وتوعيتهم، أيضًا حرص الاستشاريون ضمن التصميم المعمارى ومخطط المنطقة على أن تتوفر مناطق ثقافية وحرف يدوية صغيرة ضمن المشروع، وتصميم المناطق التجارية والثقافية بطريقة تدعم نشاط الحرف اليدوية وتبرز قيمتها أمام الزوار.

هل هناك برامج تدريبية أو ثقافية للسكان ضمن خطة التنمية؟

بالتأكيد يتضمن الصندوق برامج تدريبية وثقافية للسكان ضمن خطة إحياء القاهرة التاريخية، وظهر ذلك فى حرص الصندوق على توقيع بروتوكول مع الفنانة عزة فهمى لإنشاء مدارس حرفية ضمن مشروعاته تهدف إلى تعليم وصناعة المشغولات اليدوية التى تتميز بها هذه المناطق وتسعى إلى إحياء الحرف التقليدية، وصقل مهارات السكان، وخلق فرص اقتصادية وثقافية للسكان ويكون أداة جذب للسياح المهتمين بالتراث والحرف اليدوية ويعزز من تجربة زيارة المنطقة.

كيف يتم تحسين البنية التحتية والطرق والمساحات العامة بما يتوافق مع الطابع العمرانى القديم ؟

يعمل الصندوق على تحسين البنية التحتية والطرق والمساحات العامة فى القاهرة التاريخية مع الحفاظ على الطابع العمرانى القديم من خلال تطوير شبكات المياه والصرف والكهرباء والاتصالات بطريقة تحمى المبانى التاريخية ولا تؤثر على المشهد العام.

هل هناك خطط لإطلاق أنشطة ترفيهية وسياحية لتعزيز جذب الزوار؟

بالتأكيد ويخطط صندوق التنمية الحضرية لإطلاق أنشطة ترفيهية وسياحية وثقافية تهدف إلى تعزيز جذب الزوار وإحياء القاهرة التاريخية، وقد بدأ الصندوق بالفعل بتنفيذ فكرة مهرجان الفسطاط الشتوى الذى لاقى اهتمامًا واستحسانًا من القيادة السياسية، حيث أسهم فى إبراز التراث وما يتم من تطوير وتنمية عمرانية، وفى المستقبل ستتوسع المبادرات لتشمل العديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية والرياضية والسياحية بالتعاون مع وزارات الثقافة والشباب والرياضة، والسياحة والآثار، بما يعزز من المكانة التاريخية للمناطق التاريخية ويخلق تجربة متكاملة تجمع بين الترفيه والتراث والتنمية الاقتصادية.

وما الفرص الاستثمارية التى تتيحها مشروعات مثل بوتيك أوتيل الشوربجى و«الفسطاط فيو»؟

توفر مشروعات الصندوق فى القاهرة التاريخية، مثل بوتيك أوتيل الشوربجى ومشروع «الفسطاط فيو»، العديد من الفرص الاستثمارية الجاذبة خاصة فى القطاع السياحى والفندقى، وقد أنشأ الصندوق عدة مبانٍ بتصاميم معمارية مميزة تصلح كوحدات فندقية أو شقق للإيجار السياحى ضمن نظام Airbnb، مما يتيح للمستثمرين فرصًا للاستثمار فى الضيافة والتراث بطريقة مستدامة.

وكيف يتم دمج المشروعات الجديدة مع الأسواق التراثية والأنشطة الثقافية القائمة؟

يحرص الصندوق على أن يتم دمج المشروعات الجديدة مع الأسواق التراثية والأنشطة الثقافية القائمة بشكل متكامل لضمان أن تصبح القاهرة التاريخية مدينة حية تجمع بين التراث والتنمية المستدامة، ويتم ذلك عبر لجنة تيسيرية تشرف منذ مرحلة التصميم والتدخلات المعمارية وحتى التنفيذ، كما تم تشكيل لجنة عليا للإحياء العمرانى وإدارة القاهرة التاريخية برئاسة الصندوق بقرار من رئيس مجلس الوزراء لتنسيق جميع الجهود بين الجهات المختلفة.

كيف تتابعون استدامة هذه المشروعات بعد الانتهاء من التنفيذ لضمان استمرار فائدتها للسكان والزوار؟

حرص الصندوق منذ بدأ تكليفنا بملف إعادة إحياء القاهرة التاريخية على وضع منهج متكامل لضمان استدامة والحفاظ على مشروعات القاهرة التاريخية بعد الانتهاء من التنفيذ، لذا حرص على أن يكون هناك كيان مستقل وهيكل إدارى لإدارة القاهرة التاريخية وإدارة المبانى والمرافق والمناطق العامة والإشراف على التشغيل والصيانة وضمان التوافق مع الرؤية التراثية للمدينة، بالإضافة إلى أعمال الصيانة وإشراك المجتمع المحلى وتنمية الحرف والصناعات التقليدية، وبذلك يضمن الصندوق أن القاهرة التاريخية ستظل مدينة حية ومستدامة تجمع بين الحفاظ على التراث وتوفير بيئة حضرية متكاملة للسكان والزوار.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة