رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. سمير أيوب.. خبير الشئون الروسية: المشروع النووى.. «دُرة تاج» علاقات مصر وروسيا


28-11-2025 | 14:02

.

طباعة
حوار: أحمد جمعة

حين يكون الحديث مع خبير سياسى مقيم فى روسيا، لا نكتفى برؤية من الخارج، بل نغوص فى قلب صنع القرار الروسى، لنفهم الرؤية الاستراتيجية لموسكو وقراءتها الدقيقة للمشاريع الكبرى فى المنطقة، وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية.

وفى هذا الإطار، حاورت «المصوّر» الدكتور سمير أيوب، الباحث فى الشئون الدولية وخبير الشئون الروسية، من سان بطرسبرج، متحدثًا عن الرؤية الروسية لمحطة الضبعة، وأبعادها الاستراتيجية والتكنولوجية، والمكاسب التى حققتها القاهرة، وتأثيرها العميق على العلاقات المصرية - الروسية.. فإلى نص الحوار:

 

 

كيف يعكس مشروع محطة الضبعة طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين مصر وروسيا؟

مشروع محطة الضبعة النووية، الذى يتم إنشاؤه بالتعاون مع روسيا، يمثل إنجازًا استراتيجيًّا يعكس المستوى الذى وصلت إليه العلاقات بين مصر وروسيا فى مختلف المجالات، وخاصة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية.

وتُعد محطة الضبعة دُرة تاج هذه الإنجازات؛ إذ إن هذا المشروع الضخم يمثل جسر عبور لمصر إلى نادى الطاقة النووية السلمية، وهو ما يسهم بدوره فى تعزيز قدرتها على مواجهة الصعاب والتحديات التى تواجهها مثل بقية دول العالم، سواء بسبب الزيادة السكانية أو المشكلات الاقتصادية التى تعانى منها معظم دول العالم، ولا شك أن هذه المحطة تسهم بشكل كبير فى تمكين مصر من تجاوز العديد من العقبات، كما تجعلها دولة رائدة فى منطقة الشرق الأوسط، قادرة على نسج علاقات متوازنة مع مختلف الدول المتقدمة والمتحضرة، بما فيها روسيا.

ما المكاسب التى ستحققها مصر سياسيًا واقتصاديًا من نجاح المشروع النووى بالتعاون مع روسيا؟

لا شك أن قوة مصر الاقتصادية وقدرتها على مواجهة التحديات تعززان من مكانتها السياسية ودورها الإقليمى، ويمكن لمصر أن تصبح نموذجًا يُحتذى به لدول المنطقة من خلال نسج علاقات متوازنة، وثبات مواقفها التى تؤثر فى الشرق الأوسط وفى القارة الإفريقية أيضًا.

وبالتأكيد، فاستقرار مصر وقوة اقتصادها يجعلانها قدوة لدول المنطقة، ويؤكدان قدرتها وتأثيرها فى إفريقيا والشرق الأوسط، وهذا المشروع والعلاقات «المصرية –الروسية» يعززان بطبيعة الحال دور مصر، وحين يتعزز دور مصر فى مجال الطاقة النووية السلمية، وتصبح رائدة فى هذا القطاع على مستوى المنطقة، فإنها تحقق تنمية مستدامة طويلة الأمد، وتتبنى مسارًا ثابتًا وواثقًا يعتمد على الطاقة النظيفة، كما يعكس هذا الدور مساهمة إيجابية لمصر فيما يتعلق بالمناخ وقضايا البيئة.

وبالتالى فهناك مكاسب عديدة تحققها مصر، تُعمّق تعاونها وتعزّز ثقتها مع روسيا، كما ترى روسيا فى مصر شريكًا جديرًا بالثقة، وشريكًا يمكن التعامل معه باحترافية، بل وشريكًا يشكّل جسرًا لروسيا نحو منطقة الشرق الأوسط والدول الإفريقية كافة.

إلى أى مدى يمثّل مشروع الضبعة تحولًا استراتيجيًا فى معادلة الطاقة داخل مصر؟

مشروع الضبعة يمثل تحولًا استراتيجيًا فى معادلة الطاقة داخل مصر؛ إذ يسهم فى نقل المعرفة وزيادة خبرات العلماء والمختصين المصريين فى المجال النووى والتكنولوجى المتقدم، كما يوفر فرصًا كبيرة لتطوير قدرات الكوادر المصرية الشابة، التى تسعى دائمًا للعب دور أساسى فى تطوير المجمع الصناعى المصرى، لا سيما المجمعات التى تحتضن التكنولوجيا المتقدمة، سواء فى الصناعات الثقيلة أو الصناعات التكنولوجية المتطورة، وبذلك، قد تصبح مصر مصدرة لمثل هذه المعدات المتنوعة والثقيلة التى تحتاجها دول الجوار.

ويتيح المشروع لمصر أيضًا تنوعًا فى مصادر الطاقة، وهو ما يؤدى إلى استقرار الطاقة على المستوى الوطنى، فلم نعد نشهد مشكلات نقص الطاقة أو صعوبات فى التغذية الكهربائية لمناطق متعددة داخل البلاد، ووجود هذا الاستقرار يمنح الثقة للمواطن المصرى، ويعزز ثقة رجال الأعمال، ويدعم كوادر المصانع فى تطوير إنتاجها وتوسيعه بشكل مستمر.

وبالتالى يعد مشروع الضبعة مشروعًا استراتيجيًا مهمًا يخدم مصر فى مختلف المجالات، ويضعها فى موقع الريادة داخل منطقة الشرق الأوسط.

من الزاوية التاريخية، كيف يعكس التعاون النووى مع روسيا شراكة استراتيجية عميقة بين البلدين؟

العلاقات بين مصر وروسيا هى علاقات متينة وعميقة واستراتيجية، وتمثل استمرارًا للعلاقات السابقة التى كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتى ومصر، ومن أبرز ركائز هذه العلاقات مشروع السد العالى، بالإضافة إلى الدور الكبير الذى لعبه الاتحاد السوفييتى فى تطوير الجيش المصرى، ودعم القوات المسلحة، وتطوير البنى الصناعية داخل مصر، فضلًا عن إسهاماته المهمة فى التنمية.

واليوم، تستعيد روسيا هذا الدور بقوة أكبر ونشاط أوسع، ما يدل على أن الثقة المتبادلة بين البلدين تعود بالنفع الإيجابى على كلا الطرفين، وليس على طرف واحد فقط.

وفى هذا الإطار، لا تستغل روسيا قدراتها وإمكاناتها فى دعم مصر لأغراض سياسية أو لطموحات خاصة بها فى مصر أو فى المنطقة، بل على العكس، تقوم هذه العلاقات على الاحترام المتبادل، فعندما تسهم روسيا فى تطوير المنشآت المصرية، وتعزز الصناعة الثقيلة، وتدعم مصر، فإنها بذلك تؤكد أنها وجدت صديقًا وشريكًا موثوقًا، ودورًا مؤثرًا فى منطقة الشرق الأوسط يمكن أن يجذب اهتمام الدول الأخرى.

لذلك، تعد علاقة مصر مع روسيا علاقة استراتيجية وعميقة، مؤسّسة على الاحترام المتبادل، ولا يمكن لأى طرف أن يتخلى عنها لما فيها من فوائد واضحة، إذ يجنى كل طرف منفعة كبيرة من هذه الشراكة المميزة.

ماذا يترتب على دخول مصر النادى النووى السلمى؟

عندما تدخل مصر النادى النووى السلمى، فإن هذا يعنى أنها تصبح متوازية ومساوية مع معظم دول المنطقة المتقدمة، ولا يمكن لأى دولة أخرى أن تستعلِى عليها أو تفرض عليها هيمنة أو إملاءات على أساس أن مصر متأخرة عن اللحاق بالتقدم التكنولوجى العالمى والتطور الصناعى، فاليوم، وبفضل العلاقات المتينة التى تنسجها مصر وبفضل إنشاء هذه المحطة النووية السلمية، تمتلك مصر القدرة على تعزيز مكانتها فى الساحة الدولية، بما فى ذلك قدرتها على التعاون مع دول كبرى مثل الصين وروسيا، كما أن ذلك يمنحها قاعدة قوية للدخول إلى مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعى، الذى لا يمكن أن يتطور دون وجود استقرار وتنمية داخل الدولة، ومصر ليست استثناءً فى هذا المجال.

هل يمكن أن يمتد التعاون «المصرى– الروسى» إلى صناعات تكنولوجية متقدمة، مثل الفضاء أو الذكاء الاصطناعى؟

لا شك أن العلاقات المميزة والمتطورة دائمًا بين روسيا ومصر، والتى تتجسد فى اللقاءات الدورية بين رئيسى البلدين، تؤكد أن هذه العلاقة متينة وعميقة، وقادرة على مواصلة تقدمها وازدهارها. وبالتأكيد، يمكن أن يتطور التعاون ليشمل مجال الفضاء، فمجال الفضاء ليس حكرًا على أى دولة، بل يمكن لكل دولة تمتلك الإمكانات والقدرات أن تستثمر فيه وتوظفه من أجل تطويرها.

كما أن الذكاء الاصطناعى، كما ذكرت سابقًا، أصبح اليوم وفى المستقبل ركيزة أساسية للتطور والمنافسة العالمية. وبناءً عليه، إذا استمرت العلاقات بين روسيا ومصر فى التطور، فإنها يمكن أن تشمل جميع المجالات التكنولوجية المتقدمة، مثل الفضاء، الذكاء الاصطناعى، والصناعات الثقيلة، بما فى ذلك المجالات البحرية ومجالات الطيران.

اليوم، كل دولة تسعى لتكون متقدمة ومتطورة، وهى بحاجة إلى تعزيز علاقاتها مع دول أخرى متطورة وذات خبرة كبيرة فى هذه المجالات. وهنا يمكن لروسيا أن تلعب دورًا مهمًا فى تطوير القدرات المصرية، وتعزيز التعاون بين البلدين فى هذه الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

كيف تنظر موسكو إلى موقع القاهرة فى سياستها الشرق أوسطية؟ وهل هناك تصنيف خاص لمصر لدى صانع القرار الروسى؟

بالطبع، شئنا أم أبينا، تنظر روسيا إلى مصر باعتبارها دولة كبرى فى منطقة الشرق الأوسط، دولة مؤثرة تمتلك أكبر قوة عسكرية، واستقرارًا سياسيًا، وقدرة فائقة على معالجة مختلف التحديات والمشاكل التى قد تواجهها.

وقد أعطى هذا الواقع روسيا إشارة واضحة إلى أن الاعتماد على مصر والتنسيق معها يخدم مصالحها، ليس فقط فى الشرق الأوسط، بل أيضًا فى مختلف الدول الإفريقية؛ إذ تنظر روسيا اليوم إلى مصر باعتبارها مركز استقرار فى الشرق الأوسط وجسر عبور إلى الدول الإفريقية الأخرى، حيث توجد نزاعات وصراعات بين الدول الأوروبية والصين والولايات المتحدة وروسيا نفسها.

وبالتالى، فإن استقرار العلاقات «الروسية – المصرية» وانعكاساتها الإيجابية على مصالح البلدين يعزز، فى تقديرى، الدور الروسى فى الشرق الأوسط وفى القارة الإفريقية. وقد برز هذا بشكل واضح فى الفترة الأخيرة؛ إذ تعوّل روسيا بشكل كبير على بناء علاقات قوية مع العديد من الدول الإفريقية، مع الإشارة إلى أن روسيا ترى أن نجاح هذه العلاقات يعتمد بالأساس على قوة العلاقات مع مصر وبعض الدول العربية فى شمال إفريقيا، لتكون مصر نموذجًا يُحتذى به فى إقامة علاقات جيدة ومستقرة مع بقية دول المنطقة، وخاصة الدول الإفريقية.

ما حجم التنسيق بين البلدين فى القضايا الإقليمية مثل غزة، وليبيا، وسوريا، وأمن البحر الأحمر؟

التنسيق بين موسكو والقاهرة فيما يخص قضايا المنطقة ليس جديدًا، بل هو تعاون قديم ومتجدد، ورأينا تعاونًا واتصالات مستمرة بين البلدين خلال الأزمة السورية، وكذلك فى الأزمة الليبية، حيث يوجد تنسيق مصرى – روسى بهدف إيجاد حل للصراع داخل ليبيا، وعودة ليبيا دولة مستقلة يقرر شعبها مصيره وتستعيد دورها الأساسى فى المنطقة.

كما توجد نقاط مشتركة عديدة بين مصر وروسيا فى ما يخص السودان، فضلًا عن الملف الأبرز الصراع العربى – الإسرائيلى.. وهكذا، فإن الموقفين الروسى والمصرى متقاربان إلى حد كبير، ويمكن التعويل عليهما، بل ويمكن لبقية الدول العربية أيضًا أن تعتمد على الموقف الروسى، والذى أقول بصراحة إنه يتقدم أحيانًا على مواقف بعض الدول العربية.

كيف نجحت القاهرة فى الحفاظ على توازن علاقاتها بين واشنطن وموسكو دون الانحياز لأى طرف؟

السياسة الحكيمة التى تتبعها مصر اليوم، والمبنية على مبدأ توازن العلاقات مع مختلف دول العالم، جعلتها دولة بعيدة عن الخضوع للإملاءات، وبعيدة عن الهيمنة والابتزاز، فعندما تكون أى دولة ذات علاقات متطورة ومتعددة المجالات مع دولة واحدة فقط، فإن ذلك يجعلها رهينة لسياسات تلك الدولة، خصوصًا فى منطقة الشرق الأوسط، وفى ظل النهج الذى تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إنها فى كثير من الأحيان ترغم العديد من دول العالم على إقامة علاقات وثيقة معها فى مختلف المجالات، وتزوّدها بالتكنولوجيا أو بالدعم الاقتصادى عبر مؤسسات مالية مثل البنك الدولى، لتصبح هذه الدول لاحقًا خاضعة للضغوط أو الابتزاز الأمريكى.

أما سياسة التوازن التى اتبعتها مصر، فقد جنّبتها كل أشكال الابتزاز والتهديد، ولذلك نرى أن مواقفها اليوم نابعة من ثقة بالنفس، وثقة بقوتها، وثقة بعلاقاتها المتعددة مع دول مثل روسيا والصين والبرازيل وتركيا، وهو ما جعل مصر أن تكون وجهة نظر مهمة لدى قادة العالم فى التعامل مع مختلف قضايا الشرق الأوسط، كبيرة كانت أو صغيرة.

وقد ظهر ذلك بوضوح فى ملف الصراع العربى – الإسرائيلى، وفى الحرب والإبادة الجماعية التى تعرّض لها قطاع غزة، حيث لعبت مصر دورًا محوريًا فى استقطاب رؤساء وقادة دول العالم إلى القاهرة بهدف رفع الظلم وإنهاء الاحتلال عن الشعب الفلسطينى.

ونجحت مصر فى ترسيخ سياسة التوازن وأصبحت رائدة فيها؛ إذ تلعب دورًا أساسيًا فى العديد من التحالفات التى نشأت مؤخرًا، وعلى رأسها مجموعة البريكس، وغيرها من التكتلات التى يمكن أن تسهم فى تكريس سياسة واضحة وعادلة فى الشرق الأوسط، بعيدة عن الإملاءات والضغوط الأمريكية، وعن التهديدات الإسرائيلية، وحتى تهديدات الجماعات الإرهابية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة