أكد علاء الدين ماضى أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية، رئيس الاتحاد العالمى للطرق الصوفية، أن الوعى والفهم الصحيح ضرورة مجتمعية للتغلب على كل التحديات، والإنجاز فى جميع المجالات.
وقال إننا بحاجة للعودة لأخلاقنا الحميدة، وحب العمل الجماعى ونبذ الأنانية، وكذلك إحياء القدوة فى المجتمع لعمل يقظة تنهض به، حتى نرى عشرات النابهين والمبدعين على غرار د. مصطفى مشرفة ود. على إبراهيم «أبو الطب»، وغيرهما من أعمدة القوى الناعمة المصرية.. فإلى الحوار:
برأيك كيف ينهض مجتمعنا ويتخلص من آفاته الاجتماعية؟
هناك ثلاثًا من القصص اللطيفة، درستها فى صغرى فى كتاب المطالعة فى المرحلة الإعدادية، الأولى عن ملك الدنمارك الذى حاول شراء كوخ فقير ومتواضع لسيدة عجوز بجوار قصره، فرفضت، فقام بهدم الكوخ، فشكت العجوز للقاضى فأصدر حكمًا يلزم الملك ببناء الكوخ مرة ثانية، ورد الاعتبار للعجوز، ونفذ الملك الحكم، وبنى الكوخ على أحسن ما يكون، والدرس أو الحكمة المستقاة من هنا أن القانون فوق الجميع، وسيادة القانون تحكم الجميع، والكل أمام القانون سواسية، وهذا ما نطمح أن نراه فى مجتمعاتنا ليسود القانون، وتعمّ العدالة الاجتماعية، والثانية عن جورج واشنطن قائد حرب التحرير فى أمريكا ضد الإنجليز، فقد شاهد أحد ضباطه لا يقوم بواجبه تجاه جنوده الذين يعانون من التعب والإجهاد، وهو واقف ينظر إليهم، فقام جورج واشنطن بنفسه بمساعدة الجنود، وقال للضابط: كلما تعبوا نادنى وأنا أساعدهم، لأن القائد مثل الجنود فى أداء الواجب، والدرس المستفاد هنا أن الواجب حتم وحكم على الجميع، ويجب على الجميع أداء الواجب، وهذا ما نريد أن نراه فى مجتمعاتنا بدلا من النفاق.
والقصة الثالثة عن أحد ملوك الإنجليز الذى هجر عرشه بسبب حبه لسيدة وتعلقه بها، وانتصر لمشاعره الطبيعية على منصبه المهم، وهنا المشاعر لها دور حاكم، وبناء عليها اتخذ قراره، ونحن على سبيل المثال كمصريين وكعرب نكره الاحتلال الإسرائيلى، ولا يفصلنا عنه غير سلك شائك، فماذا نعرف عنه؟.. لا شيء، غير أنهم يمتلكون قبة حديدية، وأن إيران نجحت فى اختراقها فى حرب الـ12 يوما بينهما، ومن أجل ذلك تقدمت نائبة فى الكنيست بطلب لمحاكمة نتنياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلى، ونحن حين هُزمنا فى 5 يونيو سنة 1967م، طالبنا بعودة عبد الناصر بعد أن أعلن تنحيه، هذا فارق مهم فى المجتمعات بيننا كعرب وبين أعدائنا.
دائما ما يطالب الرئيس السيسى بالوعى والفهم للقضايا قبل الخوض فيها، فكيف ترى حاجتنا للوعى والفهم الصحيح؟
نحن نطالب بالتنوير والوعى الحقيقى كما تطالب الدولة به باستمرار، وكما يطالب رئيس الدولة، فالتنوير يعنى الوعى والفهم والإدراك السليم للأمور من حولنا. خذ مثلا آخر، القارة الأوروبية اليوم بحاجة إلى الشباب لبناء المجتمعات هناك وتجديد شبابها، ونحن نمتلك أعظم ثروة فى الدنيا وهى الشباب، وإذا لم نستثمر فيه ونمكن له ونقدمه سوف نُصاب بالشيخوخة والعجز، لا بد من تجهيز الشباب وإعداده لتحمل المسئولية فى المستقبل، ونشجع الموهوبين منهم، والنابهين من بينهم، وندعم النوابغ.
نحن أمة غنية بثروتها البشرية، ولدينا قرابة 120 مليون إنسان، لكننا نفتقد العمل الجماعى، إننى لم ألعب الرياضة، ولا أشجعها، ولكننى زمان عرفت أن «الشيخ طه» فى الأهلى هو الذى يسجل الأهداف، وعرفت أن «نصحى» فى الزمالك مثله، فالثقافة هنا تحتاج إلى تنوير ووعى وفهم، وأولى درجات التنوير التربية والذوق السليم وعدم إهانة أى إنسان.
ومن التنوير والثقافة والوعى أن يؤدى العامل عمله بإتقان، وأن يقوم الموظف بعمله بدأب ونشاط، مهما قل أجره، لأنه طالما وافق على العمل وقوانينه عليه أن يلتزم به، ويسعى لتحسين أجره من جهات أخرى، أو يترك العمل كلية لعمل آخر، لكن لا مبرر له فى التقصير أو الإهمال أو التكاسل.
وأذكر أن والد زوجتى قديما فى كفر الشيخ كان يزرع أرضه قطنًا، واتفق مع عمال سريحة للعمل باليومية بتسعة عشر قرشا أجرا يوميا للعامل، فقام ابن عمه بالاتفاق معهم على أجر يزيد (تعريفة) فى اليوم، فتركوا حماى وذهبوا لابن عمه، وهذا منتهى انعدام الأخلاق، وكان يجب أن يصارحوا حماى بالأجر الجديد، أو يذهبوا للعمل كما اتفقوا ثم يتركوه آخر اليوم بعد أن يخبروه بالعرض الجديد؛ إذ ربما كان حماى قدم للواحد منهم عشرين قرشا فى اليوم، من هنا أنادى ببناء الأخلاق القويمة.
ما الذى يلزمنا أيضا للتخلص من آفاتنا الاجتماعية؟
نريد أن نحيى القدوة ليصبح عندنا عشرات النابغين كما كنا من قبل، كان عندنا د. على مصطفى مشرفة «أينشتاين العرب»، ود. على إبراهيم «أبو الطب»، وغيرهما فى كل المجالات، فأين نحن من إبراز القدوة اليوم، وكلنا يعرف أن مصر عامرة بالمواهب والنوابغ فى كل المجالات، وهنا يأتى دور وسائل الإعلام لإبراز دور القدوة، وتقديمها للناس لتصبح القدوة فى العلم والتعليم والأدب، ولا تقتصر على الراقصات والفنانات فقط، وترى بعض فاقدى الأخلاق يطلقون مبادرات لنشر الأخلاق، وعليهم أن يتحلوا بمكارم الأخلاق أولا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، كما يقول المثل، وأفدح جرم أن يكون الداعى للأخلاق من علماء الدين أو من النخبة المرموقة وهو منها براء.
كيف ترى دعوة مَن يزعم أن التصوف زهد فى الحياة؟
خطأ فادح لأن التصوف عمل جاد وكفاح وعمارة الأرض، وكان مشايخ الصوفية الكبار من العلماء العاملين، لا فيهم عاطل، ولا كسول، بل كان أغلبهم من أغنياء عصرهم مثل أبى الحسن الشاذلى، وحب الدنيا من الإيمان شرط أن لا تكون فى القلب، بل تكون مزرعة للآخرة، وللأسف بعض تيارات (الإخوان والسلفية) أشاعوا بين المسلمين كراهية الدنيا، والخوف من عذاب القبر وعذاب جهنم، وكأن القبر ليس فيه إلا الثعابين والحيات والعقارب، فخاف الناس من الموت، ونكدوا عليهم دنياهم، مع أن الموت حق، ولقاء الله تعالى رحمة، وبذلك جعل هؤلاء (السلفية والإخوان) الموت كارثة لا يفكر فيها أحد، لدرجة ينطبق على بعضنا وصف الله تعالى لليهود: (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
ما الذى تكرهه بشدة فى الناس؟
الكذب والنفاق، لقد عشت فى أمريكا سنوات، فلم أرَ كاذبا ولا منافقا، ولا خائنا للأمانة، صفر فى المليون لما تجد منافقا، وانظر ماذا يفعلون فى «ترامب»، ونحن نصنع من كل هزيمة انتصارا.
كم نسبة التغيير فى أبناء الطريقة العزمية بفضل دعواتك المستمرة لمكارم الأخلاق؟
لقد نجحت فى تغيير نحو 20 فى المائة من أخلاق أبناء الطريقة نحو الأفضل، وللأسف البعض كذب ونافق وخان فارتقى وصعد، لكننا لم نجرب الصدق والأمانة، فنجربها، وسوف نربح ونكسب، آن الأوان لأن نصدق ونتقن العمل، ونعود كما كنا، كان أجدادنا من الفلاحين يصحون مع صلاة الفجر، ويعملون فى الحقول حتى أذان الظهر، ثم يتناول غداءه، ثم يواصل عمله، حتى المغرب، فيعود لبيته يتناول العشاء ويصلى المغرب والعشاء وينام، وكانت مواقيت الصلاة، مواقيت عمل، وهى كذلك، فقلبنا نهارنا ليلا، وأصبح العامل يستيقظ مع الظهر ويذهب للعمل ساعة ويطلب 300 جنيه أجرة فى الحقل.
لقد ذهبت إلى عيادة طبيب بجوار مسجد ابن طولون فرفض أن يأخذ ثمن الكشف، فلما سألته عن السبب، قال إنه خصص يوم الاثنين الكشف مجانا، احتفالا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم مولده، فقلتها لأتباعى ونشرتها بينهم، فطبقها طبيب واحد فى كفر الشيخ، إذن القدوة مهمة ومرغوب فيها، ومطلوب منها نشرها وتعميم الظاهرة، ليعود الطبيب الإنسان، والمحامى الإنسان، والمعلم الإنسان، ولا تسيطر المادة على حياتنا، وتصبح هى كل شيء، وكأننا سنعبد النقود.
ولا بد أن نتخلص من الأنانية، ومن شعار «نفسى نفسى»، وإفساح الطريق لسيارات الإسعاف والشرطة، والالتزام بالطابور والصف، انظر عندنا تجد مشجعى الأهلى والزمالك يتعصبون، كلٌّ لناديه، بسبب الأنانية، رغم أننا لم نفُز بكأس العالم ولا مرة، بسبب الأنانية، وفى الخارج اللعب جماعى، وكل لاعب يوزع الكرة سريعا حتى تصل للهداف فيسجل الهدف، عكسنا نحن كل لاعب يريد أن يحرز هو الهدف، والنتيجة أننا لا نكسب بعكس البلاد المتقدمة.
للأسف لا بد من التخلص من الرشوة والأنانية، ولا بد من عودة القدوة والأخلاق والعمل الجماعى كى ننجح كأمة ومجتمع.
ما المطلوب من الصفات فى شيخ الطريقة؟
شيخ الطريقة لا بد أن يكون قدوة لأتباعه، فلا يدخن، ولا يتعاطى مسكرات، ولا يسلك طرق الشهوات ولا الغواية، ويكون سره كعلانيته، لأنه قدوة لمريديه، والمهم أن يعتبره المريدون قدوة وليس «بركة»، وأن يفعل ما يقول، وعن نفسى لقد دخلت فى مشروعات تجارية عديدة، وكانت النتيجة أننى خسرت (الجلد والسقط) فلما تفرغت للدعوة العزمية ولأبناء الطريق، وأكاد لا أستريح، وأطوف البلاد كلها تلبية لدعوة أبناء الطريقة وجبرا لخاطرهم، جبر الله خاطرى، وأكرمنى نهاية الكرم، وأشعر أنى مسئول بالفعل عن أبناء الطريقة، فالتجارة مع الله لها شأن آخر، وأضرب لكم مثلا بالحاج (سيد الغرورى) وهو من أبناء الطريقة، وصاحب مصنع، ولأن أولاده لا يعملون معه فى المصنع، قرر أن يبيعه ويعيش من ريع رأسماله، فسألته: كم عاملا فى المصنع؟ قال: مائة، سألته: هل تعمل لتكسب أم لترضى ربنا؟ قال: لأكسب، قلت له: اعمل لترضى الله فى المائة أسرة، ولا تغلق المصنع، وتاجر مع الله، ولا تغلق بيوتهم، وكانت النتيجة أنه كبر وكبر، وابنه الآن يسير على نفس المنهج، وكبر المصنع، والحمد لله.
أنت شيخ الطريقة الوحيد الذى لك أصدقاء كثر من المسيحيين، ما السر وراء ذلك؟
لا فرق عندى بين مسلم أو مسيحى، ومن أقرب النصارى لقلبى كان الراحل د. شريف دوس، وأسرته، وقد طلب ابنه (عزيز) منى كلمة لتسجيلها فى كتاب عنه، وكان لى نعم الأخ، كذلك والد هانى رمزى وأمير رمزى، رجل محترم وربى رجالا محترمين، وكان بعض الناس يردد مقولة: (عدوك عدو دينك)، فقلت لهم: اسكتوا، كيف يكون عدوى وهو جارى وحبيبى، ويشاركنى فى مطعمى ومشربى، إنها مقولة مقيتة ومدمرة وخبيثة، أذكر أن ابنى (أحمد) مرض يوم خميس، ولم يجد غير عيادة د. شريف دوس طبيب الباطنة، فذهب للكشف عنده وهو لا يعرف أنه صديقى، والطبيب لا يعرف أنه ابنى، فلما انتهى من الكشف سأله: هل تعرف الشيخ علاء أبو العزايم؟ قال: إنه أبى، فرد له د. شريف ثمن الكشف، وكانت لمسة لطيفة منه، ولذلك أقول إن غالبية المسلمين والمسيحيين بخير.