فى أمسية فنية راقية داخل فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى، احتفى الجمهور والنقاد بتكريم الفنان خالد النبوى ومنحه جائزة فاتن حمامة للتميّز، تقديرًا لمسيرته الممتدة التى جمعت بين الجودة، الالتزام، والاختيار الفنى المدروس.
«المصور»، التقت الفنان خالد النبوى ليتحدث بصراحة نادرة عن الفن، والوعى، والدراما، ورسالة الممثل فى زمن تتغير فيه أدوات التأثير بسرعة غير مسبوقة.. فإلى نص الحوار:
كيف استقبلت لحظة إعلان اسمك أمام الجمهور، ولماذا بدأت خطابك بالإشارة لوالديك؟
كان إحساسًا عميقًا ومزدوجًا، بفرح كبير ومسؤولية أكبر، التكريم لا يعنى النهاية، بل بداية مرحلة أصعب، أما الإشارة لوالدى فذلك لأنهما أول من منحانى الإيمان بأن الفن مهنة محترمة، وأن الحقيقة أهم من البريق، وفضلهما لا يُنسى.
ما أهم درس تعلمته من عمال السينما؟
الالتزام، بل هؤلاء الناس هم العمود الفقرى لكل عمل، ومنهم يتعلم الممثل معنى الانضباط والاحترام.
و ما أكثر الأعمال التى أثرت فى مسيرتك؟
«المواطن مصرى» كان نقلة، و«المهاجر» محطة فكرية وإنسانية، و«المواطن إكس» فى الدراما أثبت لى أن التلفزيون قد يكون منصة للتأثير الحقيقى.
هل هناك ما يمكن القول إن المخرج العالمى يوسف شاهين تركه داخلك؟
ترك سؤالًا دائمًا، وهو أين الحقيقة؟.. «شاهين» علّمنى أن التمثيل بحث طويل وليس مجرد أداء.
كيف ترى دور الدراما اليوم، هل ما زالت قادرة على التأثير؟
بالتأكيد، الدراما يمكنها أن تغيّر وعى جيل كامل، فمسلسل جيد قد يفتح باب نقاش داخل كل بيت.
ما الدور الذى يجب أن تلعبه الدراما فى توعية الأسرة المصرية؟
الدراما يجب أن تقدّم نماذج واقعية، وأن تطرح مشاكل الأسرة بصدق دون تهويل أو تزييف، وعندما يرى المشاهد نفسه فى العمل، يبدأ التغيير.
لكن هناك من يقول إن بعض الدراما تسهم فى نشر العنف أو السلوكيات السلبية؟
بالفعل.. وتحديدًا عندما نُظهر الانحراف فقط دون أن نقدم سياقًا أو حلولًا، يجب أن نُبرز المشكلة ونمنح المشاهد بصيص أمل.
هل ترى أن أعمالك الدرامية قدمت رسائل اجتماعية؟
بالتأكيد، «واحة الغروب» قدّم صورة مختلفة عن التاريخ والهوية، و«ممالك النار» قدّم وعيًا سياسيًا وتاريخيًا، وكل عمل أحاول أن أضع داخله رسالة واضحة.
ما مسؤولية صناع الدراما تجاه الأطفال؟
الأطفال يتعلمون من الشاشة أكثر مما نتخيل، و تقديم قدوة إيجابية أو معلومة صحيحة قد تصنع فارقًا كبيرًا فى شخصية طفل يشاهد التلفزيون يوميًا.
كيف ترى علاقة الدراما بالسوشيال ميديا؟
السوشيال ميديا منحت الدراما سرعة وانتشارًا، لكنها أيضًا خلقت ضجيجًا كبيرًا، يجب ألا نسمح للتريند أن يحدد نوع الفن.
كيف ترى مسؤولية الدراما اليوم تجاه الأسرة المصرية؟
الدراما ليست مجرد ترفيه، بل إن الدراما أهم وسيلة للتأثير فى وعى الأسرة، الأم تتعلم، والأب يتأثر، والطفل يتشكل وجدانه من خلال ما يشاهده، لذلك أرى أن مسؤوليتنا كبيرة جدًا. يجب أن نقدم أعمالًا تحترم عقل الأسرة، وتناقش قضاياها الحقيقية مثل التربية، الضغوط الاقتصادية، العلاقات الإنسانية، وأثر التكنولوجيا على الأطفال. عندما تكون الرسالة صادقة.. تصل بسهولة.
إلى أى مدى يمكن للدراما أن تكون وسيلة لتقليل العنف بين الشباب؟
كل عمل فنى يقدم نموذجًا سلوكيًا. إذا قدّمنا قدوة محترمة، شابًا ناجحًا أو فتاة صبورة ومكافحة، سيُلهِم ذلك المشاهد. أما عندما نُجمل العنف أو نمنحه بطولة، نكون هنا قد خنّا رسالتنا، الشباب يتأثرون بالأبطال، ولذلك يجب أن نكون واعين جدًا فيما نقدمه.
ماذا ينقص الدراما المصرية لتصبح أكثر تأثيرًا فى توعية المجتمع؟
ينقصها فقط «النية» الحقيقية لتقديم أعمال جادة، ولدينا كتّاب كبار وممثلون موهوبون ومخرجون على أعلى مستوى، المشكلة ليست فى الصناعة، بل فى اختيار الموضوعات، نحتاج لجرأة أكبر فى مناقشة قضايا الأسرة، التعليم، الهوية، والانتماء، لأن الجمهور جاهز ويبحث عن محتوى يثق فيه.
كيف يمكن للدراما أن تساهم فى حماية الأطفال من المحتوى المضلل على السوشيال ميديا؟
من خلال تقديم أعمال قوية وجذابة تُنافس هذا المحتوى، الطفل لا يتعلم بالمحاضرات ولا بالنصائح المباشرة، الطفل يتأثر بالقصة، بالبطل الذى يحبّه، بالرحلة التى يعيشها، ولو قدمنا أعمالًا تربوية ولكن ممتعة فى الوقت نفسه، ستصبح الدراما خط دفاع مهم ضد المحتوى الضار.
هل تفكّر فى تقديم عمل مخصص للأطفال أو المراهقين؟
نعم فكّرت فى هذا الأمر أكثر من مرة، وأرى أن هذه الفئة تحديدًا تستحق اهتمامًا أكبر، إذا قدّمنا لهم عملًا يحترم ذكاءهم ويمنحهم المعلومة والمتعة فى نفس الوقت، سنُحدث فرقًا كبيرًا فى وعى الجيل الجديد، أتمنى أن أخوض ذلك قريبًا.
كيف ترى دور الفنان نفسه داخل المجتمع؟ هل هو مجرد مؤدٍّ أم صاحب رسالة؟
الفنان صاحب رسالة شاء أم أبى، كل ظهور وكل كلمة وكل شخصية يقدّمها هى رسالة، أنا أؤمن بأن الفنان يجب أن يكون صوتًا للحق والجمال والوعى، مهمتى ليست التسلية فقط، بل زرع قيمة فى كل عمل، و هذا ما أكافح لأجله منذ عشرات السنين.
هل هناك خطوط حمراء تتجنبها فى أعمالك؟
أهم خط أحمر لدى هو «احترام الناس»، لن أقدم عملًا يُهين الجمهور أو يستخف بعقولهم، ولن أدخل فى منطقة تحطّ من قيمة الأسرة أو تشجع على السلوك السلبى، الفنان يجب أن يحافظ على ذوق المجتمع، لا أن يفسده.
ما نصيحتك لصناع الدراما الشباب؟
اقرأوا كثيرًا، اسمعوا الناس، انزلوا الشارع، افهموا المجتمع، لا تعتمدوا على ما ترونه على السوشيال ميديا لأنه ليس الواقع الحقيقى، القصة العظيمة تبدأ من إنسان بسيط تلتقونه فى الشارع، من موقف صغير، من لحظة صدق، فلا تنسوا أن الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة.
كيف شعرت عندما شاهدت مشاهد التكريم وردود فعل الجمهور؟
شعور جميل ومؤثر، لأن التكريم الحقيقى يأتى من الناس، عندما تلمس حب الجمهور تشعر أن تعب السنين لم يذهب هباءً، وأنا ممتن لكل من شجعنى ووقف معى، وهذا التكريم يمنحنى طاقة لأقدم الأفضل فى القادم.
هل ترفض أعمالًا لأنها لا تحمل رسالة؟
نعم، قد أرفض دورًا مكتوبًا بإتقان إذا افتقد للمعنى، الفن بلا قيمة يتحول إلى منتَج عابر.
أكثر مشهد أثر فيك؟
مشهد فى «المهاجر» بكيت فيه بعد انتهاء التصوير، لأنه لمس داخلى شيئًا لم أكن أعرفه.
كيف تتعامل مع النقد السلبى؟
أقرأه، أفكر فيه، ثم أقرر، هل يفيدنى أم أتجاوزه، الفنان الذى يخاف النقد لن يتطور.
كيف تقضى يومك بعيدًا عن التصوير؟
أقرأ كثيرًا، أمارس الرياضة، وأحب الجلوس مع عائلتى، و الهدوء جزء من طاقتى.
ما نصيحتك للممثلين الجدد؟
لا تستعجلوا، ادرُسوا، اختاروا بوعى، لا تأخذوا الطريق القصير، لأن الفن الجاد هو الذى يبقى.
كيف ترى العلاقة بين الفن والهوية المصرية؟
الهوية المصرية كنز، والفن هو مرآتها، كلما قدّمنا أعمالًا تستلهم تاريخنا وشخصيتنا وروح المصريين، عزّزنا إحساس الناس بالانتماء. الهوية ليست شعارات، بل قصة وصورة وتفصيلة، وأنا شخصيًا أعشق تقديم شخصيات من التاريخ لأنها تُعيد تقديم مصر للعالم بصورة مشرفة.
هل تعتقد أن الأعمال التاريخية قادرة على جذب الجمهور اليوم؟
نعم، بشرط أن تُقدّم بشكل عصرى، الجمهور اليوم يريد إيقاعًا سريعًا وحكاية ممتعة، وإذا نجحنا فى دمج الدقة التاريخية مع صناعة ممتعة، ستنجح الأعمال التاريخية بقوة، التاريخ المصرى وحده قادر يصنع مئة مسلسل ناجح إذا قُدّم بذكاء.
ما الدور الى تلعبه الدراما الاجتماعية داخل المجتمع؟ هل ما زال لها مكان فى موسم المشاهدات؟
طبعًا، الدراما الاجتماعية هى نبض المجتمع. الجمهور يحب أن يرى نفسه على الشاشة، مشاكله، علاقاته، يومه العادى، عندما تقدّم حكاية قريبة من الناس ستصل إليهم بسهولة، و لا تحتاج مؤثرات ولا ميزانيات خيالية، تحتاج فقط قصة حقيقية.
هل يقلقك انتشار المحتوى القصير على حساب الدراما الطويلة؟
هو تحدّ، لكنه ليس خطرًا، وكل وسيلة لها جمهورها، المحتوى القصير سريع ومباشر، لكن الدراما تمنحك فرصة لبناء عالم وشخصيات ومشاعر، الجمهور سيظل يحتاج للعمل الطويل الذى يعيش معه ويؤثر فيه، المهم أن نقدّم دراما قوية تحافظ على مكانتها.
ما رأيك فى تطور منصات العرض وتأثيرها على نوعية الأعمال؟
المنصات قدّمت فرصًا هائلة، خصوصًا للصناع الشباب، ولكنها أيضًا رفعت معايير الجودة، لم يعد الجمهور يقبل عملًا ضعيفًا لأن لديه خيارات كثيرة، لذلك المنافسة أصبحت أصعب، لكنها صحية، وتدفع الجميع للعمل بجودة أعلى.
هل توافق على فكرة أن الدراما يمكن أن تغيّر السلوك الجمعى؟
بالتأكيد، شاهدنا أعمالًا عبر التاريخ غيّرت طريقة تفكير الناس، وجعلت المجتمع يعيد النظر فى قضايا كثيرة. الدراما ليست مرآة فقط، هى قوة ناعمة حقيقية، عندما تضع مشهدًا مؤثرًا أو رسالة صادقة، قد تغيّر حياة شخص أو طريق عائلة كاملة.
ما رأيك فى الأعمال التى تعتمد فقط على «التريندات»؟
أنا ضد هذا تمامًا، لأن التريند لا يصنع فنًا. الفن الحقيقى يظل، أما التريند لحظة وتختفى، عندما نركّز على التريند نخسر القيمة، ونخسر الجمهور الذكى الذى يبحث عن عمل محترم، النجاح الحقيقى يُبنى على جودة العمل، ليس على الضجة.
هل هناك قضايا عائلية تتمنى تقديمها فى عمل فنى؟
أتمنى جدًا تقديم عمل يناقش علاقة الأب بابنه فى ظل العصر الرقمى، التكنولوجيا قربتنا من العالم، و لكنها أحيانًا تبعد أفراد البيت عن بعض، بل و أرى أن هذه القضية مؤثرة جدًا وتمس كل أسرة اليوم، ويمكن أن تشكل عملًا قويًا وهادفًا.
ما المشروعات التى تعمل عليها؟
هناك فيلم جديد أتحمس له جدًا، ومشروع درامى ضخم، وفكرة لمسرحية أعمل على تطويرها منذ شهور، أعد الجمهور بعمل مختلف، وأشكر جمهورى من القلب، أنتم سبب كل خطوة ناجحة فى حياتى، وسأظل أبحث عن الفن الذى يليق بكم.