فى ظل تعقيدات المشهد السودانى وتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من الانزلاق نحو سيناريوهات الدولة المنهارة، تتسارع التحركات الدبلوماسية بحثًا عن تسوية توقف نزيف الحرب المستمر منذ أبريل 2023.
السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، تحدث فى حوار لـ«المصوّر»، عن فرص نجاح التحركات الدولية الراهنة لوقف الحرب، ومستقبل الصراع المسلح، وحدود الأمن القومى المصرى تجاه تطورات الساحة السودانية.
«حليمة» شدد على أن وحدة وسلامة السودان الإقليمية خط أحمر لا يمكن تجاوزه، بالنظر للجوار الجغرافى وروابط التاريخ والثقافة ومصالح مياه النيل والبحر الأحمر التى تجعل أمن السودان جزءًا من الأمن القومى المصرى، وبالتالى لن تسمح القاهرة بأى سيناريو تفتيت أو انفصال جديد.. وإلى نص الحوار:
ما تقييمك لتطورات الأوضاع فى السودان حالياً.. وهل السودان ذاهب إلى «اللا دولة»؟
لا أرى ذلك.. أعتقد أن هناك مساعي من مبادرة الرباعية الدولية التى تتكون من مصر، الإمارات، السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك تحرك نشط فى هذا الاتجاه لتسوية الأزمة السودانية، لأنه لأول مرة تكون هناك مبادرة تتحدث عن مسار أمنى عسكرى ومسار إنسانى ومسار سياسى، وهى المبادرة الوحيدة مع المبادرة المصرية التى تشير إلى المسار السياسى بسياق واضح يستهدف تسوية الأزمة.
وبالمناسبة، وجود مصر فى الرباعية يعطينا انطباعًا بأن المبادرة نفسها التى طرحتها الرباعية تكاد تكون هى المبادرة المصرية التى عُقد بشأنها مؤتمر فى يوليو 2024، وبالتالى، أعتقد أن هناك تحركًا جادًا من جانب الرباعية الدولية، كما أعتقد أن هناك نوعًا من التأييد من جانب أعضاء المجتمع الدولى سواء دول أو منظمات إقليمية ودولية لهذا التحرك وخريطة الطريق المطروحة، والتى تتحدث عن هدنة لمدة ستة أشهر ثم تسعة أشهر، وأعتقد أنه خلال تلك الفترة، وهى نحو عام كامل، سيكون هناك تحرك على المسار الأمنى العسكرى بإحياء منبر جدة، على أن تكون وضعية ميليشيا الدعم السريع مقارنة بالقوات المسلحة السودانية ليست على قدم المساواة، بعد التطورات التى شهدناها، بحيث تُصنَّف ميليشيا الدعم السريع كميليشيا متمردة مدانة إقليميًا ودوليًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
* كيف سيتم التعامل مع الدعم السريع؟
سيكون التوجه نحو دمج هذه الميليشيا وأى ميليشيات أخرى غير نظامية ضمن نظام يُسمى DDR، أى: نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج أو إعادة التوطين، وبذلك تكون القوات المسلحة السودانية هى المؤسسة الوطنية للنظام القائم فى السودان والمعترف به إقليميًا ودوليًا من جانب المجتمع الدولى، سواء منظمات أو دول، وهذه التفرقة أساسية فى تسوية الأزمة السودانية.ثم نأتى إلى المسار الإنسانى، ونحن نعلم أن هناك مؤتمرات عُقدت وجهودًا بُذلت، وعمليات دعم تمت، ولكن لم يتم تفعيلها بالشكل المنشود، ويمكن فى إطار خريطة الطريق والمبادرة الجديدة أن يتم تفعيل هذا المسار. أما المسار السياسى فأعتقد أنه المسار المحورى، وسيستهدف تشكيل حكومة انتقالية تكنوقراط مدنية كفء وليست قائمة على المحاصصة السياسية، لإدارة الفترة الانتقالية، وذلك من خلال توافق بين مكونات المجتمع السودانى، فى إطار حوار سودانى – سودانى شامل لا يُقصى أحدًا، وسيكون دور هذه الحكومة هو تنظيم وإدارة الفترة الانتقالية، ثم التمهيد لإجراء انتخابات حرة نزيهة شفافة تُفضى إلى إقامة نظام مدنى ديمقراطى كما كانت تنادى به الثورة السودانية.
هل تستجيب ميليشيا الدعم السريع لهذه المساعى من الرباعية الدولية؟
الميليشيا الآن فى وضع حرج، لأن هناك انتقادات شديدة موجَّهة لها فيما يتعلق بقبولها الهدنة، ومع ذلك استمرت فى عملياتها العسكرية التى تقوم بها، بالإضافة طبعًا أنها متهمة الآن بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهناك لجنة تحقيق مستقلة ستقوم بإجراء هذا التحقيق مع الدعم السريع أساسًا، وذلك بالإضافة إلى التصريحات الأمريكية الأخيرة التى أشارت إلى أن الدعم السريع قد يُصنف كمنظمة إرهابية.
هذا فضلًا عن أنها طبعًا مشتركة فى حكومة موازية على أساس يمكن أن تدفع نحو انفصال إقليم دارفور، خاصة إذا استولت على شمال كردفان، وهذا أمر يلقى معارضة شديدة من كافة الدول والمنظمات الإقليمية والدولية صراحة، بل والمعارضة هنا ليست مجرد عدم اعتراف، وإنما معارضة لهذا التوجه لأن فى ذلك تهديدًا لوحدة السودان وسلامته الإقليمية.
وأعتقد أنها ستكون تحت ضغوط قوية جدًا، وهذا الأمر يجعل الدول المؤيدة لها فى وضع حرج أيضًا، لأن ما يصيب الدعم السريع من إدانات وتشوهات وكل هذه الأمور ينسحب على من يدعمها. وبالتالي، أعتقد أن التطورات الحالية خاصة بعد ما سمعناه بأن القوات المسلحة السودانية استطاعت تحرير بعض المناطق فى شمال دارفور، وأنها تلقت دعمًا يمكنها من تجاوز ما حدث فى الفاشر وأن تكون فى وضع أفضل سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل الدعم السريع وعلى موقعها فى أى عملية تفاوض أو تسوية مقبلة.
هل تحول النزاع فى السودان إلى حرب بالوكالة؟
طبعًا لا شك أن هناك دولًا تؤيد الدعم السريع وتدعمه بقوة، وهذه الدول يمكن أن نقول إنها تشكل محورًا فيه نوع من التوافق فيما بينها لهذا الدعم، أما المحور الآخر الداعم للقوات المسلحة، فهو أيضًا يضم قوى ذات وزن وتأثير، لكن ليس بنفس درجة التضامن الموجودة لدى المحور الآخر.ومع ذلك، هناك تحرك إيجابى وبنّاء من جانبهم لدعم القوات المسلحة ودعم النظام القائم فى السودان باعتباره النظام المتوافق عليه إقليميًا ودوليًا، وبشرعيته بحكم الأمر الواقع.
ما خطوط مصر الحمراء فيما يخص الحرب فى السودان؟
العلاقة بين مصر والسودان هى علاقة ذات خصوصية ومتفردة، ومصادرها أو روافدها عديدة؛ سواء كانت ثوابت الجغرافيا، أو وقائع التاريخ، أو الروابط الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن رابطتى مياه النيل والبحر الأحمر، وهاتان الرابطتان لهما أهمية استراتيجية كبيرة.
وباعتبار أن مصر أيضًا دولة جوار للسودان، فالأمن القومى لكل منهما وجهان لعملة واحدة، وبالتالى، وحدة السودان وسلامته الإقليمية أعتقد أنها خط أحمر بالنسبة لمصر، مصر لا يمكن أن تقبل بما يحدث من جانب محاولات الدعم السريع أو أى قوى أخرى لتقسيم السودان أو تفتيته، وإنما ستتعامل مع هذا الأمر باعتباره مسألة أمن قومى.
وكما هو الحال بالنسبة للوضع على الحدود المصرية – الليبية، هناك خطوط حمراء واضحة أعلنتها مصر بشكل كبير، ويمكن أن يمتد ذلك أيضًا إلى منطقة المثلث الموجودة بين ليبيا ومصر والسودان وتشاد.
الحرب مستمرة منذ أبريل 2023.. هل الحل ما زال بعيد الأفق حتى الآن رغم الجهود الراهنة؟
هناك مبادرة وتحركات دولية جارية خاصة من جانب الرباعية، ومن جانب دول ومنظمات إقليمية ودولية طرحت كل منها مبادرات، وأشرت إلى أن كل المبادرات التى طُرحت كانت تتحدث عن المسار الأمنى العسكرى والمسار الإنسانى دون أى مسار آخر، ولذلك لم تحقق أى منها أى تقدما يُذكر؛ باستثناء منبر جدة، وباستثناء المبادرة المصرية لأنها كانت تضم أيضًا المسار السياسى ومسار إعادة البناء والإعمار.
ووجود المسار السياسى فى تحركات الرباعية الدولية الراهنة يدعو إلى قدر من التفاؤل، ويمكن تسميته تفاؤلًا حذرًا.. فيما يتعلق بأن المسار السياسى إذا انعقد ونحن نتحدث عن أن المسارات الأربعة ستنعقد فى نفس التوقيت، فإن المسار السياسى إذا انعقد وتم تشكيل حكومة بتوافق بين مكونات المجتمع السودانى من خلال حوار سودانى – سودانى لا يقصى أحدًا، فأعتقد أن مخرجات هذا المؤتمر ستكون مُلزِمة لكافة الأطراف.
وحتى لو كان الدعم السريع غير مشترك أو ما زال ضمن مجموعة تأسيس، فهى ستكون منعزلة تمامًا عن المجتمع الدولي، وبالتالى إما أن تنضم إلى المسار السياسى بفك الارتباط، وإلا ستظل منعزلة.. وفى حالة انضمامها للمسار السياسى ستلتزم بقرارات ومخرجات هذا المسار، وإذا لم يتم فك ارتباطها بالدعم السريع فستكون منعزلة بشكل كبير.
وأعتقد أن الدول والمحور الداعم للدعم السريع سيكون فى حالة تراجع عن الدعم بالشكل الذى كان قائمًا سابقًا، لأن الدعم السريع إذا كان مدانًا بهذه الاتهامات وهناك معارضة قوية وتنامٍ وتعاظم لاتهامه وعزله ووصمه بالإرهاب، فإن هذه الدول ليس من مصلحتها أن تستمر فى دعمه فى هذه الحالة، وإنما ستبحث ربما عن مخرج آخر تحافظ من خلاله على مصالحها دون وجود دعم متنامٍ ومتزايد للدعم السريع يشعل ويؤجج الحرب.
هل السودان بهذا الوضع الراهن مهدد بالتقسيم الثانى، خاصة مع سيطرة الدعم السريع على بعض المناطق؟
فى الوضع الحالى يصعب أن نقول إن هناك إمكانية لحدوث تفتيت أو تقسيم للسودان أو انفصال إقليم دارفور، لأن الدعم السريع يسيطر ولا يحكم.. صحيح أن لديه حكومة موازية، لكن هذه الحكومة لا تمارس الحكم بمعناه الحقيقى من حيث السيطرة وإدارة شئون هذه المنطقة.
خاصة كما أشرت أن عناصر الدولة غير متوفرة فيما يتعلق بـعنصر الشعب، فالعناصر الأخرى موجودة: سلطة موجودة، وأرض موجودة، وثروات موجودة، ولكن عنصر الشعب فى تركيبته القبلية الحالية لا يمكن وفق وضعه الحالى أن يسمح بحدوث مثل هذا الانفصال.. لأن الأقلية فى منطقة إقليم دارفور تميل إلى أن تكون عربية فى مقابل أغلبية غير عربية، وبالتالى ما يتردد عن الانفصال أمر غير وارد على الأقل فى المرحلة الحالية.
وربما يكون هذا التفكير مطروحًا -لا قدر الله- إذا تم الاستيلاء على شمال كردفان، لكنى أعتقد أن القوات المسلحة السودانية ستحول دون ذلك بشكل كبير.
مسعد بولس مستشار ترامب تحدث أكثر من مرة عن دور أمريكى.. هل تتدخل واشنطن بفاعلية لإيقاف الحرب؟
طبعًا الحديث قائم حول فرض عقوبات إلى جانب تحرك دبلوماسى وسياسى نشط من أجل دعم المسار الإنسانى والمسار السياسي، وبالتالى مسعد بولس يتحدث فى هذا الإطار، إطار المسارات الثلاثة. وأعتقد أن هناك لقاءات كثيرة مع وزير الخارجية بدر عبدالعاطي، وكان دائمًا الحديث عن أفق سياسى يتمثل فى المسار السياسى بحيث تكون التسوية تسوية شاملة، وبحيث يكون المسار السياسى شاملًا لكافة مكونات المجتمع السوداني، وأن تُعالج الأزمة السودانية بشكل شامل، بمعنى أن تشمل المسارات الثلاثة المشار إليها.
وطبعًا كل ذلك يتم على أساس أن يكون هناك توافق بين كافة الأحزاب والقوى السياسية السودانية فى إطار حوار سودانى – سودانى شامل، لتكوين حكومة انتقالية ذات كفاءات مستقلة مدنية تتولى إدارة الفترة الانتقالية ووضع دستور أو مشروع دستور دائم، تمهيدًا لإجراء انتخابات حرة وشفافة ونزيهة لإقامة نظام حكم مدنى ديمقراطى.