رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إعلام السوشيال.. حرية بلا سقف.. «زيرو» معلومات وانعدام للمهنية


20-11-2025 | 18:35

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

الأسبوع الماضى وقعت جريمة قتل فى شارع جانبى بحى كرموز بمدينة الإسكندرية، مَن يتابع صفحات الحوادث فى الصحف وأخبار الجريمة، يراها مسألة ليست غريبة، لكن هذه الجريمة من بين عشرات الجرائم التى تقع يوميا، صارت بالونة ضخمة، تكشف لنا كيف تبنى الأكذوبة، وتصبح أسطورة، وتطلعنا على محتوى «أخبار» السوشيال ميديا..

القتيل مهندس شاب، لكن وفق السوشيال ميديا، أصبح بقدرة قادر «عالم نووى»، وصارت الجريمة قضية اغتيال، قام بها الموساد فى الشارع، وانفجرت بالونة الأكاذيب، وانطلقت القنوات المعادية للدولة المصرية، راحت البالونة تكبر وتكبر.

 

لكن لم تستمر طويلًا، وزارة الداخلية أصدرت بيانا بالبلاغ الذى تلقته بحدوث الجريمة، ثم بدأت عمليات البحث.. فى خلال ساعات تم القبض على القاتل، فقد أمكن متابعة السيارة التى استقلها بكاميرات التصوير فى الشوارع، وأذاعت «الداخلية» بيانًا بالتفاصيل، لكن صُناع الأكاذيب، أبدوا امتعاضهم من البيان، وراحوا يزيدون ويعيدون، يبدو أن هناك مَن بات يفضل ويعشق الأكاذيب، سواء من باب الخيال أو من باب الرغبة فى الكذب لذاته ولأغراض سياسية وأيديولوجية.

تبين أن القتيل ليس عالمًا، تعريف العالم عندنا أن تكون له أبحاث متخصصة ومتميزة أو متفردة فى المجال الذى تخصص به، أو أكمل التعليم العالى بالدكتوراه ثم الأستاذية، لكن المهندس الراحل توقف عند درجة البكالوريوس، وبعد التخرج لم يعمل فى تخصصه، واتجه إلى عمل مربح، فى توكيل سيارات، والمعروف أن العمل فى هذا الجانب يدرّ عائدًا ماليًا أكبر.

أما المتخصص، فكما نعرف أن الهندسة النووية لها قسم فى جامعة الإسكندرية، كان هو البداية ثم تبعتها جامعة القاهرة وربما جامعة أخرى، والمهندس الراحل خريج جامعة فاروس بالإسكندرية، تخصصه الدقيق هو البتروكيماويات، وهذا تخصص مختلف تماما عن الهندسة النووية.

جرائم القتل ذات الطابع المخابراتى تتم بسرعة شديدة وباحتراف عالٍ، ويكون هناك مَن يقوم على الفور بالتغطية على الجريمة ومسح البصمات، لكن الحالة التى نحن أمامها، ترجل القاتل من سيارته، وتتبع القتيل، ثم اعتدى عليه باليد حتى طرحه أرضا، وأفرغ فيه خزنة المسدس كاملة، أصابته طبقا لتقرير الطب الشرعى، سبع رصاصات، هذا قتل للانتقام ومن باب الثأر.. قتل الانتقام يكون فيه درجة من التشفى، لا يكتفى القاتل بطعنة أو رصاصة قاتلة، بل بطعنات ورصاصات، متصورا أنه بذلك يشبع غليله وحقده، وما هكذا يكون القتل الاحترافى.. المحترف يكتفى برصاصة فى مكان حساس وقاتلٍ بالجسم، ويختفى سريعا، يترك للآخرين متابعة أثر الرصاصة، ونتيجتها..

بالتحقيق مع القاتل، تبين أن هناك أزمة بينه وبين زميله القتيل، عنوانها فى ما زعم أن القتيل أساء لزوجته على السوشيال ميديا، وتبين أنه مريض نفسيا، هذا الأمر لا يعنينا، وهو متروك للمحققين، هل المرض النفسى لديه سبب فى ارتكاب الجريمة أم أن هناك دوافع أخرى؟

يعنينا هنا كيف تُبنى الأكذوبة وتُشيَّر على السوشيال ميديا وتأخذ شكل الحقيقة، معلومة واحدة كاذبة فى البداية، توجه الدفة وتُبنى الأكاذيب الأخرى عليها، ربما لا يكون هناك فى هذه الحالة سوء نية فى البداية، بل سوء فهم وجهل، خلط التخصصات العلمية، الهندسة النووية، غير البتروكيماويات، كما أن الهندسة النووية غير علوم الذرة والانشطار النووى، دراسة الذرات وعلومها والانفجار النووى تدخل فى أقسام بكليات العلوم، أما ما يتم فى كلية الهندسة، فهو أمر مختلف عما فى كلية العلوم، وذلك موضوع ينبغى أن يشرحه للمواطن العلماء المتخصصون.

إعلام السوشيال ميديا، غير الإعلام الذى نعرفه ونمارسه، إعلام السوشيال لا يقوم على تدقيق المعلومة أو محاولة توثيقها والرجوع إلى المصادر المختصة، هو إعلام أقرب إلى الخيال أو «قالوا له» وربما بالتعبير الشعبى «النخع»، لذا لم يهتم أحد بأن يذكر وهو يتحدث عن «عالم نووي» أن يقول لنا بحثًا واحدًا قام به أو جهة نووية عمل بها، فى داخل مصر أو فى خارجها، العالم النووى يُبنى فى المعمل، لكنه يصبح ذا أهمية خاصة إذا التحق بهيئة نووية وراح يمارس عمله ويحوله إلى حقيقة، كما هو الحال مع علماء إيران الذين تمت مطاردتهم من إسرائيل أو مع الراحل د. يحيى المشد، الذى كان قائما على المشروع العراقى ومفاعله النووى.

فكريا وسياسيا أو أيديولوجيا، هناك مَن يريد أن يقنع المصريين أن مصر مفتوحة على مصراعيها، سداح مداح، أمام الموساد الإسرائيلى، وهذا إضعاف للروح المعنوية وهزّ الثقة بأجهزة الدولة المصرية، ينسى هؤلاء أن مصر من خلال أشرف مروان، قبل حرب 1973 مباشرة تلاعبت برئيس الموساد، ودفعته إلى مغادرة تل أبيب مساء الرابع من أكتوبر وحتى نشوب الحرب.. وهناك نجاحات كبيرة لمصر فى هذا المجال، ونتذكر أسماء مثل عزام عزام أو إيلان جرابيل، وكلاهما من الموساد، دخل مصر وكُشف أمره وأُلقى القبض عليه.. قد يرى البعض أنه من الغيرة الوطنية أن نصيح مع كل حادثة.. الموساد.. الموساد، لكن هذا خطأ وطنى كبير، يجب أن نكف عنه، عبر السوشيال ميديا لا أستطيع أن أستبعد أن تكون هناك أصابع تريد خلق وهم كبير فى حياتنا اسمه «الموساد»، إسرائيل تسعى لتأكيد أن أذرعها ممتدة فى كل مكان، ولكن بالنسبة لمصر، ومن جولات الصراع التى لم تتوقف حتى اليوم، الأمر مختلف، جمعة الشوان ورأفت الهجان مجرد نموذجين فقط، وهناك عشرات النماذج لم يعلن عنها بعد، بطولات ونجاحات حقيقية حققتها مصر فى هذا المجال.

بعيدا عن الغيرة الوطنية وحسن النية لدى فريق، هناك فريق سوء النية، أولئك الذين يعادون الدولة المصرية، ويدعمون قصدا أو نفاقا أو بلا وعى المنظومة الإسرائيلية، هؤلاء يجب أن نحذرهم وأن ننتبه إلى مخاطرهم علينا كمصريين؛ إذ يصرون على أن الآخر منتصر دائما، ونحن منهزمون دائما.

وقد يتصور البعض، أنه بذلك يحرج الحكومة أو يزايد عليها، ولنتفق أن هناك مناطق لا يجوز فيها المناكفات السياسية، أمور الهزل فيها جد، ولذا يجب التريث فى أمور من هذا النوع، ما لم يكن لدينا معلومة مدققة وموثقة ومؤكدة من مصادر معتمدة، الظن والاجتهاد أو التخمين والنخع لا يفيد هنا.

وهناك مسألتان أخريان، الأولى: تتعلق بالشائعات والثانية تتعلق بالإعلام وما يدور حوله من أحاديث لا تتوقف.

قدمت وزارة الداخلية نموذجا فى هذه الحالة لكيفية مواجهة الشائعة، وهو الردّ بالحقائق فورا، لا إخفاء ولا تغييب لمعلومة، دون إبطاء، أحيانا عدم رد المسئول والاكتفاء بأن ما يتردد كذب واضح، يمنحه درجة من القبول، وتصير الأكذوبة منتشرة، وتصبح من كثرة الترداد أقرب إلى الحقيقة، وكم من أكاذيب دخلت التاريخ والوعى بها على أنها حقائق.

الشائعات سمة إنسانية، موجودة فى كل المجتمعات، لدينا الأمور أكثر من المعتاد، لأسباب خاصة بنا، هناك خصوم سياسيون للدولة، بعضهم يبنى خصومته على الشائعات والأكاذيب.

فى الإعلام وفى كل مكان من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وحتى عالمنا العربى يتحدث الجميع عن الحرية ونطالب بالمزيد منها، لكن الحرية بدون معلومات مدققة وتعامل مهنى محترف معها تصبح سوشيال ميديا.

السوشيال نموذج للحريات بلا سقف، ولكن بلا معلومة وبلا قواعد مهنية لذا نجدها مرتعا للأكاذيب والشائعات، فضلا عن النصب والاحتيال حينا، بجمع التبرعات والأموال، آخرها ذلك الذى جمع مئات الملايين بزعم توظيفه شبابا فى الخارج، دعنا الآن من بعض الوقائع التى صُنفت قانونيا ضمن الاتجار بالبشر، وعوقب البعض بسبب ذلك، وهناك ما صُنف باعتباره اعتداء على قيم المجتمع، تلك المشاهد التى قيل عنها خادشة للحياء، والواقع أنها تجاوزت الخدش.

فى حالة المهندس الراحل، رحمه الله، نحن أمام نموذج الحرية بلا سقف وانعدام المعلومة، هذا خلق على الفور أكذوبة ومؤامرة كبرى، على طريقة بعض أفلام المقاولات، تدنٍّ وهبوط.

الحرية قيمة عظيمة، تستحق أن نتمسك بها وندافع عنها، لكن الحرية لا تُمارس فى الفراغ، بل تقتضى معلومات وأفكاراً.. دراسات وشهادات حية من أفراد، لا الاكتفاء بالظن والتخمينات، المفروض أن يكون التخمين فى أضيق حد، وأقل نطاق، وبعد استيفاء كافة المعلومات المتاحة والأفكار الممكنة هنا يكون من باب الاجتهاد، أما أن نمارس الحرية فى التخمين والظنون فقط، فلن ننتج سوى الظنون وتصير الحرية خطرا، لا على أصحابها، بل على الحرية ذاتها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة