تستيقظ القاهرة على أنفاس التاريخ كل صباح، لكن هذا الفجر مختلف؛ فاليوم تتزيّن الأهرامات بثوبٍ من الفخر، وتفتح الحضارة أبوابها لتستقبل العالم في أبهى صورها.
هنا، عند عتبات الجيزة، يقف المتحف المصري الكبير كقصيدةٍ من حجرٍ ونور، تحكي للأجيال أن مصر - أرض الأبدية - لا تعرف الغياب عن مجدها، بل تعود إليه في كل عهدٍ بثوبٍ أبهى وروحٍ أسمى.
في لحظةٍ تختلط فيها رائحة التاريخ بنبض الحاضر، تتجسد رؤية مصر الجديدة التي حمل لواءها الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أصبح الحفاظ على الهوية، واستعادة القوة الناعمة، نهجًا للدولة لا شعارًا.
فالمتحف المصري الكبير لم يكن مشروعًا معماريًّا فحسب، بل كان مشروعَ وعيٍ وكرامةٍ وهويةٍ، امتد من عمق الوجدان المصري إلى أنظار العالم بأسره.
يقف هذا الصرح المهيب على مساحةٍ تتجاوز نصف مليون مترٍ مربع، يحتضن أكثر من مائة ألف قطعةٍ أثرية، بينها كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرةٍ مجتمعةً في مكانٍ واحد.
لكن ما يلفت النظر ليس فقط حجم المعروضات أو فخامة القاعات، بل تلك الرسالة الحضارية التي تنبع من كل تفصيلةٍ في تصميمه، رسالة تقول إن مصر لا تحفظ آثارها في متاحف صامتة، بل تُحييها في فضاءٍ من الفن والتقنية والخيال، لتبقى الحضارة حيّةً نابضةً لا ماضٍ منسيًّا.
منذ اللحظة الأولى لتولي الرئيس السيسي مسؤولية قيادة الوطن، اتضح أن المعركة ليست سياسية فقط، بل حضارية أيضًا؛ معركة ضد التراجع، وضد غياب الهوية، وضد فكرة أن مصر يمكن أن تُختزل في ماضيها دون أن تصنع مستقبلها. ومن هنا، جاء المتحف المصري الكبير كواحدٍ من رموز الجمهورية الجديدة، الجمهورية التي تُعيد تعريف العلاقة بين التاريخ والتنمية، بين الأصالة والمعاصرة، بين الإنسان والأرض التي تسكنه قبل أن يسكنها.
إن افتتاح هذا المتحف ليس مجرد حدثٍ أثري، بل هو انتصارٌ للروح المصرية، تلك الروح التي تُعيد البناء مهما كانت الصعاب، وتكتب من ركام التحديات أسطرًا جديدة من الأمل والعزة، فلقد استطاعت الدولة، بإرادةٍ صلبةٍ ورؤيةٍ واعيةٍ، أن تُحوّل حلمًا طال انتظاره إلى حقيقةٍ تُبهر الأبصار، وتؤكد للعالم أن مصر قادرةٌ على تحقيق المستحيل متى أرادت.
ولأن الفن لا ينفصل عن التنمية، جاءت هذه الخطوة متزامنةً مع نهضةٍ شاملةٍ تشهدها البلاد في كل المجالات، من المدن الجديدة التي تنبض بالحياة، إلى الطرق العملاقة التي تربط أطراف الوطن، ومن مشروعات الطاقة النظيفة إلى المبادرات الصحية والاجتماعية التي تمسّ حياة المواطن مباشرة، كلها خيوطٌ متشابكةٌ في نسيجٍ واحدٍ اسمه “الجمهورية الجديدة”، نسيجٌ ينسج فيه المتحف المصري الكبير خيطَ الذهب الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
لقد أدركت القيادة السياسية أن قوة مصر لا تكمن فقط في اقتصادها أو موقعها الجغرافي، بل في هويتها الثقافية التي تسبق الزمان. ومن هنا، أصبح المتحف المصري الكبير ليس مجرد مزارٍ سياحي، بل منارةً فكريةً وحضاريةً، ومركزًا للحوار بين الثقافات، يفتح أبوابه للعالم ليقرأ من جديد فصول كتاب الإنسانية التي كُتبت أولى صفحاتها على أرض النيل.
إن افتتاح المتحف المصري الكبير يُعلن بداية فصلٍ جديدٍ من قصة مصر، فصلٍ تُسطّره دولةٌ عرفت كيف تصون تراثها وتُعيد بناء حاضرها في آنٍ واحد، وهو أيضًا رسالةُ تقديرٍ لكل يدٍ مصريةٍ شاركت في هذا الإنجاز، من العامل الذي وضع حجرًا، إلى المهندس الذي رسم خطوط الحلم، إلى القيادة التي آمنت أن الحضارة ليست ماضيًا يُروى، بل مستقبلٌ يُبنى.
في ظل هذا الإنجاز، يبدو المشهد المصري كلوحةٍ تكتمل ألوانها يومًا بعد يوم، لوحةٍ تُعبّر عن وطنٍ يعرف قدر نفسه، ويدرك أن العظمة لا تورَّث فقط، بل تُصان وتُجدّد بالعمل والإيمان.
ومع كل إشراقةِ شمسٍ فوق جدران المتحف العملاق، تهمس الأهرامات لجيرانها الجدد: "ها نحن معًا من جديد، نحرس المجد من عبث النسيان، ونكتب للأبد أن مصر لا تُهزم، لأنها ببساطة.. الحضارة ذاتها".