«حياة البشر لا تُقاس بالسنين لكن يرتجف لها القلب»، قالها ويده تتلمس وجه الملك توت عنخ آمون، البادية على قناعه الذهبى من خلف قفاز أبيض حنون، تلك كلمات د. عيسى زيدان، المشرف على عمليات نقل الآثار وترميمها داخل المتحف المصرى الكبير، قالها بعدما وصلت بسلام أيقونة الآثار المصرية وأغلى قطعة ذهبية ملكية إلى مستقرها الأخير، ليقف أمامها يملؤه شعور بالمهابة، بعد أن نجح وزملاؤه المرممين الأثريين فى وضع الملك فوق عرشه من جديد.
رحلة شاقة خاضها رجال نقل الآثار، وهى ليست رحلة واحدة، بل هى آلاف الرحلات التى قامت بنقل أكثر مئات الآلاف من القطع الأثرية بمختلف أنواعها وأشكالها من تماثيل، مومياوات، توابيت، مسلات، من موقعها إلى مكان آخر، منها الضخم ومنها الهشّ, منها الجرانيتى أو الحجرى الذى يفوق وزنه عشرات الأطنان ومنها المصنوع من مواد عضوية قد تتأثر بالاهتزازت أو حتى من نفحات الهواء، بطريقة تتناسب مع حالة كل قطعة ومكوناتها، يقطعون طرقات مصر شمالا وجنوبا ليؤدوا الأمانة إلى مستقرها الأخير، أعينهم وقلوبهم وأدواتهم تحمى تلك الكنوز كى لا تتعرض لمخاطر الكسر أو التدمير، يخوضها فريق محترف وعلمى متعدد التخصصات، يضم أثريين، ومرممين، وخبراء تصوير ثلاثى الأبعاد، ومهندسين متخصصين فى النقل الهندسى المعقد.
ما شاهدناه خلال افتتاح المتحف المصرى الكبير من عظمة إنجاز وإتقان؛ تقف وراءه خلية عمل واصلت الليل بالنهار، فلا أحد يستطيع أن يغفل عن الدور البطولى الذى يقوم به الفريق الأثرى المتخصص فى عمليات نقل القطع الأثرية من كل المواقع الأثرية فى مصر؛ إذ نجحوا فى نقل ما يزيد على 100 ألف قطعة أثرية وتوصيلها بأمان وسلامة إلى مستقرها الأخير، بعض عمليات النقل كان يشوبها الخطر بنسبة كبيرة، منها قطع أثرية مهددة بالتهشم، أو التى قد تتعرض لفقدان خلال عمليات النقل، مثل مقاصير الملك توت عنخ آمون الخشبية المذهبة, مراكب الشمس الخاصة بالملك «خوفو» الخشبية, وغيرها من المهام التى كانت تبدو مستحيلة، لكنهم نجحوا فى نقلها لتكون ضمن مقتنيات ملوك مصر القديمة داخل المتحف الكبير.
أحد أبطال ملحمة النقل الحذر هو الدكتور عيسى زيدان، المدير العام للشئون التنفيذية للترميم ونقل الآثار بالمتحف المصرى الكبير، الذى قاد فريقا مصريا أثريا بات يمثل أهم مدرسة علمية لترميم ولنقل القطع الأثرية الفريدة حول العالم، قائلا: «نجحنا فى تقديم إضافات علمية غير مسبوقة أفادت علم نقل الآثار»، ويوضح أن عمليات النقل «ليست بالهينة» على حد وصفه، وأنها لا تتم إلا بعد عمل تقرير حالة لكل قطعة منفصلة على حدة لإثبات حالة حفظها بصورة دقيقة, من خلال عمل مسح رادارى كامل وتصوير ثلاثى الأبعاد وليز سكان لكل القطع، ثم القيام بتغليف كل قطعة أثرية بأحدث الوسائل وفقا للأسلوب العلمى المتبع فى تغليف الآثار الثقيلة والضخمة، ثم وضع كل قطعة أثرية داخل قفص معدنى مبطن بالفوم لحمايتها من أية اهتزازات أثناء عملية النقل، ويضرب «د. زيدان» مثالا برحلة نقل أربع قطع ضخمة، بقوله: «الرحلة استغرقت من المتحف المصرى بالتحرير إلى المتحف المصرى الكبير نحو أربع ساعات؛ إذ لم تتجاوز السرعة المقررة للعربات عن 7 كم فى الساعة»، وبعد وصول القطع بسلام يتولى فريق عمل من المرممين المحترفين أعمال ترميمها.
وبالفعل نجح فريق النقل والترميم فى نقل قطع أثرية ضخمة مجلوبة من مناطق آثار من جميع أنحاء مصر على مدار سنوات البناء، من الأقصر وأسوان، من سقارة والإسماعيلية والإسكندرية، وغيرها من المدن البعيدة، علاوة على النقل من المتاحف المصرية ومنها متحف الأقصر والمتحف المصرى بالتحرير، ويحكى «د. زيدان» أن من القطع التى قام الفريق العلمى بنقلها بحذر وقلق جدارا كبيرا من الحجر الجيرى، مقسم إلى 269 قطعة، يحمل عليه نصوصا للأهرامات خاصة بالملكة «عنخ إسن بيبى» الثانية من عصر الدولة القديمة، واستلام وتغليف ونقل مجموعة من الأبواب الوهمية الملونة, وموائد للقرابين, بالإضافة إلى تمثال الملك أمنمحات الأول من متحف الإسماعيلية، مؤكدا أن العمل لم يتوقف يومًا وظل مستمرا لاستكمال ترميم وصيانة القطع الثقيلة بمركز ترميم الآثار بالمتحف، وذلك قبل نقلها بنفس درجات الحرص لتحتل مكانها واستقرارها الأخير داخل قاعات العرض النهائى.
وعلى الرغم من خبرته الطويلة، نجده يصف عملية النقل، بقوله: «لم تكن هينة أبدا»، بل جاءت بعد دراسة مستوفية لحالة القطع قبل نقلها وترميمها بشكل أولى ثم القيام بالتغليف بشكل علمى مدروس، وبعد الانتهاء من عمليات النقل تخض القطعة الأثرية التى تحمل تقرير حالة مفصلة بصورة دقيقة، تخضع مرة أخرى لعملية مسح رادارى كامل وتصوير ثلاثى الأبعاد وليز سكان، تمهيدا لفك التغليف والتعامل مع القطعة الأثرية المخزنة داخل قفص معدنى مبطن بالفوم لحمايتها من أية اهتزازات أثناء عملية النقل، حيث يتولى فريق عمل من المرممين المحترفين أعمال ترميمها، تمهيدا لعرضها فى الأماكن المقررة لها.
وسيظل التاريخ يذكر بانبهار تفاصيل رحلة نقل مراكب الشمس التى تخص الملك «خوفو» من أمام هرمه الأكبر إلى داخل المتحف المصرى الكبير، ذلك المركب الخشبى الضخم الذى ليس كغيره من المراكب أو السفن، فهو مركب مقدس يحمل تاريخا قديما من العقائد الثابتة داخل نفوس المصريين القدماء، وفاق عمره الخمسة آلاف عام والذى تم اكتشافه فى عام 1952 فى قلب هضبة الجيزة الصخرية، وفى حقيقة الأمر هو مركب ضخم يبلغ طوله أكثر من 42 مترا، ووزنه أكثر من 20 طنا، ومصنوع من الأخشاب المجلوبة من خارج مصر، وظل يرقد تحت أقدام الهرم الأكبر الخاص بالملك «خوفو» العظيم، إلى أن خرج إلى النور وتم تجميعه وترميمه ووضعه داخل مبنى زجاجى أمام الجانب الجنوبى للهرم الأكبر، فى حين بقى المركب الثانى تحت الربوة الصخرية حتى نالته يد الترميم.
وما بين الاكتشافات وبين الرحيل مرت أكثر من 65 عاما، لذا كان لا بد من اتخاذ أهم وأخطر قرار يمسّ تاريخ البشرية، وهو نقل أقدم قطعة أثرية عضوية صنعها الإنسان من الأخشاب والحبال على الإطلاق من موقعها الأصلى إلى مستقرها الأخير داخل المتحف المصرى الكبير، وبالفعل الرحلة التى استغرقت 48 ساعة، خاضها رجال الترميم والنقل الشجعان، تحملوا مسئولية تحقيق اشتراطات النقل الآمن، على الرغم من أن الإنسانية جمعاء لم تكن لتغفر لهم، إذا تسببوا فى فقدان أقدم أثر عضوى صنعه الإنسان على وجه الأرض.
فريق الترميم والنقل قام بمهمة صعبة وخطرة كى تكتمل منظومة العرض داخل المتحف الكبير، تمثل قلب العرض المتحفى، وهى نقل مقتنيات الملك «توت عنخ آمون» من المتحف المصرى بالتحرير إلى مستقرها الأخير داخل أكبر قاعة عرض متحفية فى العالم مخصصة لعرض مقتنيات الملك الذهبى، وذلك بعد دراسات علمية متعمقة لكل قطعة من مقتنياته البالغ عددها أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية من مقتنياته الملكية، أهمها المقاصير الخشبية المذهبة والأسرّة الطقسية والعربات الحربية للملك التى كانت تعانى من تدهور حالتها، وكان آخرها هو نقل القناع الذهبى للملك «توت عنخ آمون» الأكثر شهرة على مستوى العالم.