رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كل قاعة تحكى جزءًا من قصة الحضارة المصرية.. د. الطيب عباس يكشف أسرار العرض المتحفى


5-11-2025 | 16:00

د. الطيب عباس

طباعة
حوار: أمانى عبد الحميد

ثلاثة خطوط مستقيمة تنبعث من أهرامات الجيزة وتتماهى مع رمال صحراء «منف». حتى تجتمع عند نقطة تلاقٍ واحدة. هناك ، يقف المتحف المصرى الكبير مجسداً هوية مصر القديمة. وداخله تنساب أشعة الشمس على وجوه ملوكها وتنكسر فوق عتبات الدرج العظيم. تلك فلسفة التصميم الهندسى المعمارى والذى من أجله اجتمعت لجان علمية متخصصة على مدار سنوات طويلة ، كى تكتب قصة الحضارة عبر ملامح عرض متحفى غير مسبوق. لذا كان لابد من لقاء الدكتور الطيب عباس رئيس هيئة المتحف القومى للحضارة المصرية ومساعد وزير السياحة والآثار السابق للشئون الأثرية بالمتحف المصرى الكبير سابقاً. والمشارك فى وضع فلسفة العرض المتحفي، البطل الحقيقى وراء سرد قصة الحضارة المصرية القديمة.

 

القصة بدأت أول فصولها فى تسعينيات القرن الماضي. عندما فاض المتحف المصرى بالتحرير بالمقتنيات الأثرية سواء المعروضة داخل قاعاته أو حتى المكدسة داخل مخازنه. وتحولت قاعات العرض فيه إلى مخازن تتراصّ داخلها الآثار بلا رؤية أو هدف. وهو مبنى مصمم على الطراز القديم الذى كان سائداً فى بدايات القرن العشرين. اعتمد على وسائل التهوية والإضاءة الطبيعية. وهو الأمر الذى استدعى اتخاذ قرار بناء متحف كبير كضرورة حتمية لاحتواء ما تملكه مصر من آثار. وكان لابد من وضع تصور لشخصية المتحف الجديد. حتى يستطيع أن يعبر عن الهوية ، والثقافة ، والحضارة المصرية وفق وسائل التكنولوجيا الحديثة.

البداية كانت مع اختيار موقع المتحف. فهو يعبر عن فكرته الأصلية. بمعنى أن المكان والمبنى وما يحويه من قطع أثرية ومقتنيات هو تعبير صادق عن الفكر القائم وراء اتخاذ قرار البناء. كلها تحكى جزءًا من القصة التى تكتمل بفلسفة العرض المتحفي.

ومن أجل وضع فلسفة عرض متحفية تحكى قصة الحضارة المصرية. عقدت لجان علمية متخصصة اجتماعات مطولة على مدار سنوات. بذلت خلالها مجهودات كبيرة لاختيار كل قطعة أثرية. ومكانها داخل المتحف، وطريقة عرضها. حتى إن الإضاءة المسلطة على كل قطعة تقف وراءها قصة تحمل فلسفة فى الاختيار. كما واجهت اللجان العلمية تحديات خلال عملية وضع السيناريو تخص البطاقات الخاصة بكل قطعة أو فاترينات العرض، وغيرها من التفاصيل حتى تمكنت من وضع تصور نهائى لما سيكون عليه العرض وفق فلسفة السيناريو الموضوع لكل قطعة أثرية داخله ودورها فى استكمال القصة المتحفية. وكأننا أمام ملحمة تاريخيّة الكل يشارك فى صياغة تفاصيلها.

«المتحف ليس فقط مقتنيات الملك توت عنخ آمون.. كل قاعة فيه تحكى جزءاً من قصة الحضارة المصرية..» هكذا تحدث الدكتور الطيب عباس رئيس هيئة المتحف القومى للحضارة المصرية ومساعد وزير السياحة والآثار السابق للشئون الأثرية بالمتحف المصرى الكبير. مؤكداً أن المتحف يقوم باستعراض تاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر مختلف عصورها. مؤكداً أنه يضمن متحف مراكب الشمس الخاصة بالملك «خوفو» والذى يرى أنه لا يقل أهمية عن قاعة الملك توت عنخ آمون.

«جمال القطعة الأثرية واكتمال شكلها ليس هو سبب اختيارها للعرض» طبقاً لوصف الدكتور «عباس». مرددا بقوله هناك سياق قصصى يجب أن تكون ضمنه تلك القطعة. الأمر ليس مجرد اصطفاف قطع أثرية مجاورة بعضها بعضاً. لكن هناك قصة ترويها تلك القطع بتجاورها واصطفافها داخل القاعة المتخفية أو حتى فاترينة العرض الواحدة. لذا ليس الجمال أو الاكتمال هو المعيار الوحيد. هناك قطع ليست مكتملة لكنها معبرة وتكشف بعضاً من ملامح تاريخ الحضارة. فالجمال ليس فى الاكتمال بالضرورة.

واليوم بعد افتتاح المتحف يبدو سيناريو العرض المتحفى بشكل غير مسبوق. حيث جاء كنتيجة مجهود مجموعات عمل من المتخصصين فى الآثار والتاريخ والترميم والإضاءة والهندسة والتصميم. وهناك يؤكد الدكتور»عباس» بقوله : « الكل كان يعمل لصالح اختيار كل قطعة أثرية وتوظيفها داخل المتحف على حسب موقعها وحالتها وتاريخها ومدى مشاركتها فى سرد القصة المتحفية». ويتحدث عن أن التحدى الأكبر الذى واجه اللجان العلمية هو المبنى ذو التصميم الهندسى الفريد. حيث إنه يعتمد على مصادر الإضاءة الطبيعية عبر نوافذ زجاجية كبيرة الحجم. وبالتالى كيف يمكن استثمار تلك الإضاءات الطبيعة كى تكون ضمن فلسفة العرض المتحفي. ويضرب الدكتور «عباس» مثال بقوله : « الدرج العظيم يعتمد على الإضاءات الطبيعية بالأساس..صحيح هناك إضاءات مسلطة على كل قطعة لكن ضوء الشمس المنسدل بات يمثل جزءاً من العرض..لذا كان لابد من وضع عدة سيناريوهات للعرض على حسب الإضاءة سواء كانت طبيعية أو صناعية». وكان لابد للعرض المتحفى أن يعيد صياغة عدة مفاهيم تخص الحضارة المصرية ومنها الملكية وكل ما يرتبط بها، العقيدة والمعتقدات ، وتفاصيل الحياة اليومية عند المصرى القديم وأن نجد القطع الأثرية التى تكشف عن تلك المفاهيم وما ينبثق منها من أفكار فرعية ، حتى تراها متجسدة داخل قاعات العرض..».

وهو الأمر الذى يجعل الزائر يشعر بمدى فخامة التجول بين الملوك بداية من «البهو العظيم» أول ما يقابل الزوار، ويحتضن القطع الأثرية الثقيلة والكبيرة الحجم التى تخص ملوك مصر القديمة. هناك يقف تمثال الملك رمسيس الثانى الشامخ والثالوث المقدس الخاص به ومن خلفه يستقيم عمود الملك «مرينبتاح» وحولهم التماثيل الجرانيتية لكل من الملكة «حتشبسوت» والملك «سنوسرت الأول». ومن بعد البهو يأتى «الدرج العظيم» الذى تبلغ مساحته 5600 متر مربع ويقف فوقه 78 تمثالاً لملوك مصر العظام. كما تتراص فوق درجاته الرخامية القطع الضخمة التى قام ببنائها أو نحتها ملوك مصر القديمة .

وداخل قاعات العرض المقسمة إلى 12 قسماً والتى ترتبط بالحضارة المصرية القديمة وتسرد تاريخها بشكل قصصى ممتع. حيث تستعرض الفكر المصرى الذى جعل للملكية دوراً كبيراً فى معتقداته الدنيوية أو التى تتعلق بالعالم الآخر. علاوة على توضيح الدور المحورى للملك والذى أدى إلى تطور الدولة المصرية وتفوقها فى العمارة والإدارة والعلوم والفنون العسكرية. وإلى جانب عرض بعض العناصر المعمارية الضخمة المجلوبة من المعابد خاصة التى أقامها الملوك للآلهة. مثال ذلك المسلات,تماثيل الآلهة وأعتاب ونواويس ومقاصير حجرية ,أساطين حجرية وأعمدة. إلى جانب عدد من القطع الأثرية المميزة مثل ثالوث من الألباستر للملك «تحتمس الأول» وتمثال  على شكل أبى الهول يخص الملك «تحتمس الثالث» وآخر للملك «أمنحتب بن حابو» ورأس تمثال للملك «أمنحتب الثالث» من الحجر الجيرى الملون يرتدى تاج الحرب, بالإضافة إلى مجموعة أخرى من  الآثار الثقيلة.

وإن أكد الدكتور»عباس» أن من بين أهم القطع الأثرية داخل قاعات العرض هو تمثال ضخم من الجرانيت يمثل الملكة حتشبسوت فى وضع الركوع وهى تقدم أوانى التطهير. ولوحة كبيرة من الحجر الجيرى تحمل نقشًا عليها الألقاب الملكية للملك «سنفرو». علاوة على لوحة أخرى مميزة للملك «أخناتون» والملكة «نفرتيتي». وثلاث لوحات كبيرة الحجم بالنقش البارز من مقبرة «رع حتب» من عصر الدولة القديمة. ولوحتان من الجرانيت الوردى لباب عليه نقش يصور الملك رمسيس الثانى فى الوضع الأوزريرى مرتدياً التاج الأحمر.

وهناك بعد صعود الدرج الملكى تتجلى قاعة الملك توت عنخ آمون ومقتنياته الذهبية التى لا مثيل لها. وهو الملك الوحيد الذى تم العثور على مقبرته كاملة وبالتالى فهو الحالة الملكية الوحيدة التى تؤكد على عظمة الملكية المصرية القديمة. القاعة ستكون بمثابة درة المتحف وسيتم عرض كل مقتنياته مكتملة للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرته فى أوائل القرن الماضي. ومنها الثلاثة توابيت الخشبية المذهبة الخاصة به بعدما قامت وزارة السياحة والآثار بنقل آخر تابوت للملك من داخل مقبرته بالبر الغربي. وبالتأكيد يتصدر القاعة القناع الذهبي، أهم قطعة أثرية على مستوى العالم.

« 7200 متر مربع من الإبهار والجمال ..» على حد وصف الدكتور عباس». حيث أكد أن العرض المتحفى مزود بإحدى الوسائل العلمية.مرددا بقوله :» فتارين ذات تحكم بيئى فى درجات الحرارة والرطوبة والإضاءة..وسائل توضيحية من الجرافيك.. بطاقات شرح خاصة بكل قطعة أثرية.. شاشات عرض..». وبالرغم أن مقتنيات الملك توت عنخ آمون هى أعظم وأجمل وأشهر ما يقدمه المتحف بشكل كامل للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرته. إلا أن العرض المتحفى يقدم تفاصيل الحضارة المصرية القديمة من خلال استعراض أهم القطع الأثرية المنتقاة من مختلف المتاحف والمخازن والمناطق الأثرية على مستوى مصر كلها. وتحكى تاريخ تطور الحضارة المصرية من عصر ما قبل الأسرات وحتى العصر اليونانى الرومانى القديم والتى تتناسب مع فكرة سيناريو العرض الخاصة بالمتحف. والمعروف أن الدكتور الطيب عباس قد صدر قرار فى عام 2020 بإعارته ليعمل مديراً للشؤون الأثرية بمشروع المتحف المصرى الكبير. ثم أصبح مساعد وزير السياحة والآثار للشئون الأثرية قبل أن يغادر المتحف المصرى الكبير ويصبح رئيساً لهيئة المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة