بوعى الباحث وروح الصوفى، يتحدث الدكتور محمود علوان، خبير إدارة المشروعات وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية وشيخ الطريقة العلوانية الخلواتية، عن افتتاح المتحف المصرى الكبير بوصفه حدثًا تاريخيًا واستراتيجيًا يفوق مجرد افتتاح متحف، بل هو مشروع القرن الذى يدمج بين الحضارة والاستدامة، ويؤسس لمرحلة جديدة فى مسار مصر الحديثة.
قال «علوان» إن المتحف ليس مجرد صرح أثرى، بل قاطرة للتنمية الشاملة تمتد آثارها إلى الاقتصاد والسياحة والبيئة والمجتمع، بما يجسد رؤية مصر 2030 نحو مستقبل أخضر ومستدام. ويؤكد أن عرض كنوز الملك الذهبى توت عنخ آمون لأول مرة فى مكان واحد، واحتواء المتحف على أكبر مركز ترميم فى الشرق الأوسط و17 معملًا متطورًا، يمنح مصر ريادة علمية وحضارية جديدة أمام العالم.
كما يرى أن المتحف المصرى الكبير هو جسر بين عبقرية الماضى وطموح المستقبل، ورسالة قوية للعالم بأن مصر تبنى غدها بثقة، على أرض حضارتها التى علمت البشرية معنى الخلود.
وصفت الافتتاح العالمى للمتحف المصرى الكبير بأنه بداية لمستقبل مستدام.. كيف ذلك؟
لأن افتتاح المتحف المصرى الكبير يتجاوز مجرد افتتاح متحف، إلى اعتباره يمثل نقطة تحول استراتيجية لمصر كلها، ويتجاوز البعد الثقافى ليشمل الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وفق رؤية مصر لحماية إرثها الثقافى العظيم، والبناء عليه لمستقبل زاهر من التنمية المستدامة، وفقًا لرؤية مصر سنة 2030م، علمًا بأن التنمية المستدامة تعتبر من عناصر وآليات الدعوة المحمدية للنبى صلى الله عليه وسلم.
هذا الإنجاز المعمارى والحضارى الضخم، والذى يطل على أهرامات الجيزة ، والتى تعتبر إحدى عجائب الدنيا، لهو يمثل نقلة نوعية فى مكانة مصر، حضاريًا، واقتصاديًا، على الساحة العالمية.
كيف ذلك.. اشرح لنا وجهة نظرك تفصيلاً؟
يرتكز البعد الاستراتيجى للمتحف على ثلاثة محاور متكاملة، كونه قاطرة للنمو الاقتصادى، ومعززًا للقوة الناعمة، ونموذجًا يحتذى به فى التنمية المستدامة، ويمكن تفصيل ذلك فى عدة محاور، أولها المكتسبات الاقتصادية والسياحية، بمعنى تحويل التراث إلى مصدر مستدام للثروة، فالمتحف المصرى الكبير يعتبر استثمارًا طويل الأجل، يهدف إلى إحداث طفرة غير مسبوقة فى القطاع السياحى المصرى، عبر تحويل الأثر الثقافى إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ماذا تقصد فى البعد السياحى؟
أقصد تحويل خريطة السياحة العالمية وزيادة الإيرادات، فالمكسب الاستراتيجى هنا بتغيير المتحف المصرى الكبير فى مسار السياحة الثقافية عالميًا، كونه أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة، فقد أصبح نقطة جذب لا يمكن تجاوزها، لا سيما مع العرض الكامل لكنوز الملك الذهبى «توت عنخ آمون» فى مكان واحد لأول مرة فى التاريخ كله، هذا العرض الفريد يعيد تعريف التجربة السياحية فى مصر، وعلاوة على ذلك وترتيبًا عليه هناك أثر كمى مباشر واعد، حيث تشير التقديرات إلى قدرة المتحف على استقطاب ما بين 5 إلى 7 ملايين زائر سنويًا. وهى زيادة نوعية وكمية فى أعداد السائحين، ستنعكس مباشرة فى مضاعفة الإيرادات السياحية وتعزيز ميزان المدفوعات.
الأمرالذى سوف يترتب عليه إثراء التجربة السياحية، وإطالة مدة الإقامة للسائح بحيث يقضى عدة أيام فى القاهرة بدلاً من يوم واحد، خاصة أن تصميم المتحف يجعلة وجهة متكاملة وشاملة للزيارة، فالمتحف يضم أكثر من مائة ألف قطعة أثرية، ومركزًا للمؤتمرات، ومطاعم، ومتاحف للأطفال، وغيرها، ومثل هذا التنوع يجعل السائح يطيل مدة إقامته فى القاهرة بجوار المتحف، لأنه لن يكفيه يوم واحد للزيارة، مما يزيد من متوسط إنفاقه، ومدة إقامته فى البلاد، كما أن المتحف سيعمل على تطوير كامل المنطقة المحيطة به، وسوف يخلق ممرًا لوجستيًا وحضاريًا، وسيتم ربطه بشكل استراتيجى بشبكة الطرق والمحاور الجديدة، لإنشاء ممر سياحى يربط الجيزة بالقاهرة التاريخية، وهذا البعد اللوجستى يضمن تكامل الحركة وسهولتها ويحسن من جودة الخدمات، ويعزز القدرة التنافسية لمصر عالميًا.
لا شك أن المتحف سوف يضاعف الأثر الاقتصادى لعائدات السياحة فكيف ترى ذلك؟
نعم، سوف يخلق المتحف الثروة، ويولدها بمضاعفات متتالية، عبر دعم سلاسل القيمة، وتعزيز القيمة المضافة لقطاعات واسعة، لا تقتصر على السياحة فقط، بل تشمل النقل والضيافة، وصناعة وتسويق الحرف اليدوية، والترويج للمستنسخات الأثرية عالية الجودة، وخلق سوق مستدامة للمنتجات الثقافية المصرية، مما ينعكس على مكافحة البطالة، وخلق آلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، فى مختلف القطاعات، من إدارة وترميم، وإرشاد سياحى بكل اللغات، وخدمات لوجستية، مما يدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحيطة بالمتحف.
هذا عن العائد الاقتصادى فماذا عن العائد الحضارى؟
يمثل المتحف المصرى الكبير منصة مصرية عالمية تهدف إلى استخدام الحضارة كأداة رئيسية فى بناء المستقبل وتعزيز مكانة مصر الدولية، وهذا هو جوهر البعد الحضارى والقيادة الثقافية، والبناء على الإرث للقوة الناعمة، فالمتحف أولاً: عبارة عن مركز عالمى لحماية وصون التراث، والمكسب الأساسى هنا فى الحفاظ على الآثار، حيث يضم المتحف أكبر مركز للترميم والحفظ فى الشرق الأوسط، ويشمل 17 معملاً متخصصًا بأحدث التقنيات، وهذا المركز يضمن حماية الإرث الثقافى من التلف أو الاندثار، وفقًا لأعلى المعايير العالمية، ويتحول إلى مركز إشعاع إقليمى وعالمى للبحث العلمى والتدريب فى مجالات صون التراث.
وهذا لا شك يدعم المطالبة بآثارنا فى الدول الأخرى، حيث إن هذا المستوى الرفيع من حفظ وصون التراث يعزز من قدرة مصر وموقفها الأخلاقى والقانونى فى المطالبة باستعادة آثارها المنهوبة والمهربة، والموجودة فى الخارج بطرق غير مشروعة.
كيف نستثمر المتحف كقوة ناعمة جبارة لمصر؟
بالفعل المتحف هو منصة مهمة للقوة الناعمة لمصر ثقافيًا ودبلوماسيًا، ورسالة للبناء المستقبلى، ويطل المتحف على العالم بواجهته المعمارية الفريدة كرمز للقدرة المصرية على الجمع بين عظمة الماضى وروح الابتكار، ويرسل رسالة قوية للعالم بأن مصر تبنى مستقبلها على أساس تاريخها التليد، ما يعزز من مكانتها السياسية والثقافية على المستوى الدولى، كما أنه يعتبر استثمارًا فى الوعى والهوية الوطنية، والذاكرة الحضارية المجيدة، فمن خلال العرض القصصى المبتكر للآثار والبرامج التعليمية فى متحف الطفل، يتم غرس الوعى بأهمية التراث، وضرورة البناء عليه للمستقبل، فى نفوس الأجيال الجديدة.
وكيف نحقق الاستدامة مع افتتاح المتحف خاصة أن التنمية المستدامة أحد اهتماماتك العلمية؟
بدمج الإرث مع الاستدامة، وحصد المكتسبات البيئية بالتنمية المستدامة، حيث يعتبر المتحف المصرى الكبير نموذجًا تطبيقيًا لالتزام الدولة المصرية بأهداف التنمية المستدامة العالمية والبيئية، لكونه يجسد مفهوم المبنى الأخضر، إذ حقق الريادة البيئية وحاز شهادات عالمية بذلك، وحقق مكاسب بيئية، بحصوله على الشهادة الذهبية للبناء الأخضر والاستدامة وفقًا لنظام الهرم الأخضر المصرى، مما يجعله أول متحف أخضر صديق للبيئة فى إفريقيا والشرق الأوسط، ويعكس ريادة مصر فى تطبيق المعايير البيئية، كما حقق المتحف نموذج كفاءة استخدام الموارد، اعتمادًا على تقنيات البناء المستدام، مثل استخدام الطاقة الشمسية على أسطح مناطق الانتظار، وتطبيق نظم متقدمة للتحكم فى المناخ والإضاءة لترشيد الاستهلاك فى الكهرباء والمياه، مما يضمن تشغيلاً بكفاءة عالية، وأقل أثر بيئى سلبى، بما يدعم رؤية مصر فى التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
أخيرًا شهادة من خبير إدارة مشروعات.. كيف تلخص ثمار افتتاح المتحف فى كلمات؟
خلاصة القول، إن المتحف المصرى الكبير هو مشروع استراتيجى متعدد الأبعاد يستخدم التراث كقوة دافعة للتنمية الشاملة، حيث إنه يجمع بين حماية الإرث الثقافى العظيم، عبر الترميم والحفظ، وبين البناء عليه للمستقبل عبر تعزيز الاقتصاد المستدام، والريادة البيئية، ليضع مصر بثقة على مسار القيادة الثقافية والسياحة العالمية، بمعنى آخر يحقق الاستدامة الثقافية والاجتماعية، بصون الإرث المستدام، لأن حفظ وترميم الآثار فى جوهرها عملية استدامة ثقافية، حيث يجرى الحفاظ على الإرث الثقافى للأجيال القادمة، وهذا هو البناء الحقيقى للمستقبل على أساس الماضى، كما أن تصميم المتحف وفق الإتاحة الشاملة فى جميع قاعاته ومرافقه، يضمن سهولة ووصول الحركة من كل فئات المجتمع، خاصة من ذوى الهمم، وهذا يؤكد أن الإرث الحضارى والثقافى متاح للجميع دون تمييز، وهو أساس قوى للعدالة الاجتماعية ضمن إطار التنمية المستدامة، والخلاصة أننا أمام لحظة تاريخية فارقة فى حياة مصر المعاصرة، لها ما بعدها، وستعود بالنفع الكبير سياحيًا وثقافيًا واقتصاديًا، فضلاً عن تعزيز مكانة مصر على المستوى الدولى.