لم تكن أسيوط مجرد مدينة جنوبية صماء، بل كانت بقعة تَضُج بالعديد من الحرف والمهن اليدوية التُراثية، والتى تعكس الهوية المصرية القديمة وثقافة المواطن الأسيوطى الأصيل، لذلك نجد أن من أهم تلك الحرف «الكِليم الأسيوطى العدوى»، نسبةً إلى قرية بنى عدى، كونها المنبع الرئيسى فى تأسيس تلك الحرفة وتميزها الدقيق فى إنتاج العديد من القطع ذات الأحجام والأشكال والألوان المختلفة، التى تنال إعجاب العديد من الأشخاص.
عن تعريف حرفة «الكِليم العدوى»، قال الدكتور وجدى نخلة، أستاذ الأشغال الفنية والتراث الشعبى المتفرغ، عميد كلية التربية النوعية بجامعة أسيوط سابقًا: فى البداية «كِليم» هى كلمة فارسية تعنى بساطًا أو منسوجًا للأرضيات، يتم نسجه بأسلوب اللحمات الملونة غير الممتدة فى عرض المنسوج، كما أطلق عليها أهل تركستان جيلام Gylam ومعناها «ذو الوجهين».
«د. وجدى»، أضاف أن الكِليم يُستخدم فى عدة أغراض، منها الزينة أو ما نسميه الديكور، ويستخدم كأغطية للأسرة، ويوضع تحت سروج الخيول والجِمال، أو كحقائب « خُرج » للجِمال، وأخيرًا فإن أهم استخدامات الكِليم، هو توظيفه كمفرش للأرضيات «بساط» أو كمُعلق حائطى، وتشتهر محافظة أسيوط بصناعة الكِليم اليدوى المُرسم «الجوبلان» فى قرى النخيلة ودرنكة وبالتحديد بنى عدى، حيث تشتهر تلك الحرفة بالتحديد بها، وذلك لاهتمام هذه القرية بتلك الصناعة من خلال استخدام الصوف الطبيعى، حيث يتم نسجه على أنوال خشبية بأيدى السيدات فى المنازل، بالإضافة إلى أنه من أهم الحرف اليدوية التُراثية فى مصر بشكل عام، نظرًا لشهرته بالجودة العالية، ودقة تصميمه، واستخدامه فى العديد من الأغراض المنزلية.
أما ما يتعلق بخصائص الكِليم وأهميته، فأوضح «نخلة» أن هناك العديد من المواصفات التى جعلت تلك الحرفة مختلفة عن غيرها من الحرف، وهى الخامات المُستخدمة من الصوف الطبيعى المغزول يدويًا، وتُضاف أحيانًا خامات مثل القطن أو ألياف الكتان حسب التصميم، ويتم تلوين الخيوط باستخدام أصباغ طبيعية لضمان ألوان ثابتة وجودة عالية، أما من حيث التصاميم، فهى مُستوحاة من التُراث المصرى القديم، وتتضمن أشكالًا هندسية وزخارف نباتية، علاوة على الألوان الدافئة والمبهجة «الأحمر، الأزرق، الأخضر، والأصفر»، ومن حيث الأنوال اليدوية، فتُصنع جميع القطع يدويًا باستخدام أنوال خشبية تقليدية، ويعتمد الحرفيون على تقنيات متوارثة لضمان الدقة والجودة، وبالنسبة لأهمية الكلِيم العدوى، فقد بلغت أهميته درجة كبيرة ثقافيًا، يُمثل تراثًا مصريًا أصيلًا، واقتصاديًا، يُعتبر مصدر دخل رئيسيا لعدد كبير من الأسر فى قرية بنى عدى، بيئيًا، يعتمد على مواد طبيعية وصديقة للبيئة.
وذكر أستاذ الأشغال الفنية والتراث الشعبى المتفرغ، أن هناك مراحل لصناعة الكِليم العدوى، تتمثل فى جمع الصوف، حيث يتم جزّ صوف الأغنام وإرساله إلى المصانع المتخصصة لتنظيفه وتجهيزه، الغزل، يُغزل الصوف يدويًا باستخدام مغازل يدوية لتحويله إلى خيوط مناسبة للنسيج، النسيج، وتُنسج الخيوط على أنوال خشبية بتقنيات خاصة للحصول على أنماط وألوان مميزة، ثم المرحلة الأخيرة التشطيب، بعد الانتهاء من النسيج، يُغسل الكليم وتُقص الخيوط الزائدة ليكون جاهزًا للاستخدام.
«تصاميم تتميز بالتنوع والجمال فى كل قطعة كِليم»، أمر آخر أكده «د. وجدى»، لافتا إلى أن تصاميم الكِليم جميعها مستوحاة من عناصر البيئة والثقافة المصرية، ومن أهم تلك الأشكال، الزخارف الهندسية، والتى تتضمن تصاميم هندسية مثل المثلثات، المربعات، والمعينات، وتُستخدم هذه الأشكال بنمط متكرر لخلق توازن بصرى، النقوش النباتية، وهى رسومات مستوحاة من الطبيعة، مثل أوراق الشجر والزهور، وتعكس روح البيئة الريفية وتضفى لمسة من الحيوية، وتُنسج غالبًا على خلفيات بألوان حيادية، والرموز التراثية، وتحمل رموزًا مصرية قديمة أو عربية، مثل النقوش الفرعونية والخط العربى، وتُظهر ارتباط «العدوى» بثقافة القرية التى يُصنع فيها وتاريخها العريق، ومشاهد الحياة اليومية، تُصمم هذه القطع لتكون أكثر تعبيرًا عن هوية المكان، والخطوط المستقيمة والمتقاطعة، ويعتمد بعضها على الخطوط المتوازية أو المتقاطعة بألوان متباينة، ويُستخدم هذا الأسلوب لإظهار الحِرفية العالية والدقة.
وأوضح عميد كلية التربية النوعية بجامعة أسيوط سابقًا، أنه على الرغم من جودة العدوى وتميزه، فإن هذه الحرفة تواجه تحديات تهدد استمرارها، كارتفاع أسعار المواد الخام، وعزوف البعض عن شراء المنتجات اليدوية التقليدية، ومع ذلك، تسعى جمعيات تنمية المجتمع فى بنى عدى إلى إحياء هذه الحرفة من خلال توفير المواد الخام وتدريب النساء على التصنيع، بهدف الحفاظ على هذا التراث الفريد، وتحديات الصناعة، من حيث ارتفاع أسعار المواد الخام وتكلفة الصوف والأصباغ الطبيعية على الصناعة، بالإضافة إلى قلة الطلب، وذلك مع انتشار المنتجات الصناعية الأرخص، تقل شعبية المنتجات اليدوية، وقلة الحرفيين، لأن هذا المجال يواجه نقصًا فى الأجيال الجديدة التى ترغب فى تعلم الحرفة، ويتم حل تلك المشكلة من خلال دعم الحرفيات وتوفير المواد الخام والتدريب، والمعارض، وتُنظم معارض محلية ودولية للترويج للمنتجات، بالإضافة إلى الترويج الرقمى، حيث بدأت بعض الجمعيات فى التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعى، ومحاولات التطوير من التعدد فى التصاميم وطرق الاستخدام من قِبل أعضاء هيئة التدريس بكلية التربية النوعية جامعة أسيوط المهتمين بالحفاظ على الحرف التراثية.