تثير التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه روسيا تساؤلات بشأن مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، في ظل تقارير عن تقليص المساعدات العسكرية والتقنية لكييف، بالتزامن مع تفاهمات بين واشنطن وموسكو.
وتأتي هذه التطورات بينما تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط احتمالات تجدد المواجهة العسكرية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن وجود صفقة سياسية محتملة تعيد ترتيب الملفات بين القوى الكبرى.
وفي تطور لافت، أعلنت واشنطن اتفاقًا مع موسكو يسمح للأخيرة بتصدير كميات كبيرة من الديزل، في خطوة أثارت استياء كييف، التي اعتبرتها مؤشرًا على تخلي الولايات المتحدة عنها، بالتزامن مع استمرار الضربات الروسية في الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مسؤولية استمرار الصراع، مؤكدًا أن أوكرانيا تحتاج إلى رئيس جديد قادر على إنهاء الحرب مع روسيا.
ويتزامن ذلك مع تقارير عن تقليص الدعم الأمريكي لكييف، إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين في «البنتاجون» تلقيهم رسالة بضرورة إبطاء خدمة «ستارشيلد» المقدمة للجيش الأوكراني، مشيرة إلى أن قرار تقييد وصول أوكرانيا إلى نظام الاتصالات صدر من داخل البيت الأبيض.
كما نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول أوكراني قوله إن بلاده لم يتبقَّ لديها سوى صاروخين من منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي، بعدما كانت تمتلك عشرة صواريخ استُخدمت في الهجمات الأخيرة، في ظل تراجع مخزون الأسلحة الدفاعية المستخدمة في التصدي للصواريخ الروسية.
وفي المقابل، يتزامن تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، وتجدد المؤشرات على احتمال استئناف الولايات المتحدة ضرباتها ضد إيران، لا سيما مع تعثر الجهود السياسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية.
وتطرح هذه التطورات تساؤلًا محوريًا: هل تمهد واشنطن وموسكو لتفاهم سياسي أوسع، تتراجع بموجبه الولايات المتحدة عن دعم كييف، مقابل تخلي روسيا عن دعم طهران أو تقليصه؟ أم أن ما يحدث لا يتجاوز إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في ظل تعدد جبهات الصراع؟.
موسكو تقدم إغراءات
في غضون ذلك، قال الدكتور نبيل رشوان، خبير الشؤون الروسية، إن روسيا تقدم إغراءات متعددة للولايات المتحدة بهدف إبعادها عن دعم أوكرانيا، في ظل سعي موسكو إلى إنهاء الحرب بشروط تتضمن تنازلات أوكرانية واسعة.
وأوضح رشوان، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن هذه الإغراءات شملت عروضًا تتعلق بالمعادن الأرضية النادرة، وإنشاء نفق يربط الشرق الأقصى الروسي بولاية ألاسكا عبر مضيق بيرنج، إلى جانب مقترحات للتعاون في أسواق الطاقة، مشيرًا إلى أن واشنطن تمثل طرفًا مؤثرًا في معادلة الصراع الأوكراني.
وأضاف أن توجه الإدارة الأمريكية نحو التقارب مع موسكو يرتبط بطبيعة تفكير بعض المسؤولين والمبعوثين الأمريكيين، الذين ينظرون إلى العلاقات الدولية من منظور الصفقات التجارية والاستثمارات، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إنهاء النزاع، لكن وفق تصور يتطلب من كييف تقديم تنازلات كبيرة.
صفقة الديزل الروسي
وبشأن الاتفاق الأمريكي الروسي المتعلق بتصدير الديزل، أكد رشوان أن المشكلة لا تكمن في الصفقة ذاتها، وإنما في توقيتها وسياقها السياسي، موضحًا أن الكميات المتداولة، لا تكفي احتياجات الولايات المتحدة سوى لفترة قصيرة.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبق أن تحدث عن عدم حاجته إلى الديزل الروسي، وأن الهدف من طرح كميات إضافية في السوق العالمية هو خفض أسعار النفط، في ظل تداعيات الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز والتصعيد مع إيران.
هل تتخلى واشنطن عن كييف مقابل ابتعاد موسكو عن طهران؟
وحول احتمالات وجود تفاهم أمريكي روسي تتراجع بموجبه واشنطن عن دعم أوكرانيا مقابل تقليص موسكو دعمها لإيران، قال رشوان إن هذا الاحتمال وارد، لكنه شدد على أن صفقة الديزل لم تتضمن، وفق المعلومات المتاحة، أي إشارة إلى إيران أو إلى الدعم الروسي المقدم لها.
وأضاف أن الولايات المتحدة ربما أرادت إظهار قدرتها على التأثير في مستوى الدعم المقدم إلى كييف، من خلال تقليص بعض المعلومات الاستخباراتية أو إبطاء خدمات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
أزمة صواريخ باتريوت
وفيما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن تراجع مخزون أوكرانيا من صواريخ «باتريوت» إلى صاروخين فقط، أكد الخبير الروسي أن كييف تواجه بالفعل مشكلة في توافر هذه الصواريخ، في ظل الاستهلاك الكبير لها خلال المواجهات العسكرية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تمتلك مخزونًا من صواريخ «باتريوت»، لكنها تحتاج إلى الاحتفاظ بكميات كافية لضمان أمنها واستعداد قواتها المسلحة، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يحد من قدرتها على توفير المزيد من الصواريخ لأوكرانيا.
وأضاف أن بعض الدول الأوروبية تقدم لكييف صواريخ فائضة عن احتياجات قواتها المسلحة، لكن هذه الإمدادات لا تكفي لسد احتياجاتها الدفاعية، في ظل استمرار الهجمات الروسية.
روسيا لن تتخلى بسهولة عن دعم إيران
وعن احتمالات تخلي موسكو عن دعم طهران، قال رشوان إن روسيا تعد الطرف الأكثر قدرة على تقديم مساعدة مؤثرة لإيران، مستفيدة من الجوار الجغرافي عبر بحر قزوين.
وأوضح أن الدعم الروسي يشمل معلومات استخباراتية، إلى جانب إمكانية تقديم تقنيات عسكرية تساعد إيران في تطوير صناعاتها الدفاعية، لكنه شدد على أن العلاقة بين البلدين لا تعني وجود تحالف كامل أو تطابق في المواقف، إذ تحتفظ طهران بحساباتها المستقلة وترفض أحيانًا مقترحات روسية.
واختتم رشوان بالتأكيد على أن موسكو تساعد إيران، ليس بالضرورة انطلاقًا من الرغبة في دعمها وحدها، وإنما أيضًا بهدف زيادة الضغوط على الولايات المتحدة وإشغالها بملفات أخرى، بما قد يسهم في إبعادها، بدرجة أو بأخرى، عن الحرب في أوكرانيا.