تُشكل الهوية الأفريقية بُعداً تاريخياً وثقافياً أصيلاً في الهوية العُمانية المعاصرة، وهي نتاج قرون طويلة من التمازج الحضاري والهجرات المتبادلة بين سلطنة عُمان وساحل شرق أفريقيا (المنطقة السواحلية)، هذا الارتباط لم يكن مجرد علاقة تجارية عابرة، بل تحول إلى دمج ديموغرافي وثقافي عميق تجلى في بلوغ النفوذ العُماني ذروته عندما نقل السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي عاصمة إمبراطوريته من مسقط إلى زنجبار عام 1832م.
تبلورت مكونات الهوية العُمانية الأفريقية من خلال اعتمادها إلى عدة ركائز أساسية،أولها: الجذور التاريخية والسياسية، حيث بدأت الصلات العُمانية بشرق أفريقيا منذ عصور ما قبل الإسلام، وتوطدت بهجرات عربية منظمة في القرن الثامن الميلادي، ثم ساهم العُمانيون في تحرير ساحل شرق أفريقيا من الاستعمار البرتغالي، وفي عهد الدولة البوسعيدية، أصبحت زنجبار والمدن الساحلية الأفريقية امتداداً جغرافياً وسياسياً حيوياً لعُمان، ثم جاءت الدعوة الوطنية من قبل المغفور له السلطان قابوس بن سعيد عام 1970، لجميع العُمانيين في الشتات الأفريقي للعودة والمساهمة في بناء الدولة الحديثة، واستجاب آلاف العُمانيين الأفارقة وعادوا إلى وطنهم الأم حاملين معهم إرثاً ثقافياً فريداً .
والمؤكد أن هوية عُمان الأفريقية تُمثل اليوم نموذجاً فريداً لـ "الهوية العابرة للمحيطات"؛ فهي تمنح سلطنة عُمان عمقاً استراتيجياً وثقافياً يميزها كجسر يربط بين شبه الجزيرة العربية والقارة الأفريقية القائمة على التسامح والتعايش المشترك والافتخار بالتنوع الثقافي.
وارتكازاً على هذه الهوية الأفريقية لسلطنة عُمان، تأتي أهمية الزيارة التي قام بها الرئيس بول كاجامي رئيس جمهورية رواندا إلى سلطنة عُمان الرواندي يومي 7و8 سبتمبر 2026، مستندة إلى علاقات دبلوماسية تعود إلى عام 1982م .لتؤكد مجدد أن مسقط وكيجالي يمثلان رافعة قوية للتمازج الحضاري العميق، وتجسد الاهتمام المتبادل بتطوير العلاقات بينهما، وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الشراكة بين عُمان ورواندا .
فرواندا تلك الدولة التي تقع شرق وسط القارة الأفريقية، تتميز بتضاريسها المرتفعة، استطاعت أن تحقق نهضة اقتصادية بعد جهود كبيرة، وعُمان تلك الدولة التي بنت مجدها وحضارتها منذ مطلع السبعينيات وتواصل نهضتها المتجددة بقيادة السلطان هيثم بن طارق، بحكمة واقتدار وسط عالم يموج بالصراعات.
ولعل الإرثٍ التاريخي بين مسقط وكيجالي مستمد من الروابط العُمانية بشرق أفريقيا، التي أسهمت عبر القرون في بناء جسور من التواصل التجاري والإنساني والثقافي، وتشكّل أرضية إيجابية للعلاقات المعاصرة بين سلطنة عُمان ورواندا، القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والانفتاح على بناء شراكات مستقبلية .
عمل البلدان على تعزيز علاقاتهما الثنائية عبر زيارات الوفود الرسمية، حيث قام أوليفييه ندوهونجيره وزير الخارجية والتعاون الدولي الرواندي بزيارة إلى سلطنة عُمان خلال الفترة من 10 إلى 11 يناير 2026م، على رأس وفد ضم أربعة وزراء روانديين آخرين، هم وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار، ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي، ووزير الدولة لشؤون البنية الأساسية، والرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الرواندي.
وأسهمت الزيارة في عقد لقاءات مع عددٍ من الوزراء والمسؤولين لتبادل الرؤى والأفكار لتعزيز العلاقات الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة، وشهدت التوقيع على عدد من الاتفاقيات وبرامج التعاون في مجالات النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، من بينها مذكرة تفاهم بين مجلس التنمية الرواندي وشركة مطارات عُمان لإدارة المطارات، بهدف تعزيز التعاون في مجالات تطوير وإدارة المطارات وتبادل الخبرات واستكشاف فرص الاستثمار في قطاع الطيران والبنية الأساسية المرتبطة به .
كما تمّ التوقيع على برنامج تعاون في مجال الخدمات اللوجستية وتطوير وتشغيل الموانئ البرية "الموانئ الجافة" والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد، إلى جانب برنامج تعاون في مجال مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية الأساسية ومشروعات وخدمات الذكاء الاصطناعي.
ووقّعت سلطنة عُمان في أبريل 2025م مذكرة تفاهم مع رواندا تتعلق بتعزيز التعاون في مجال الاتصالات وتنمية الاقتصاد الرقمي، وذلك في إطار مشاركة سلطنة عُمان في أعمال ملتقى القمة العالمية للذّكاء الاصطناعي في أفريقيا الذي عُقد في كيجالي .
وفي إطار تعزيز الربط الجوي بين البلدين، تمّ خلال الزيارة الإعلان عن إطلاق رحلات مباشرة بين مسقط وكيجالي، حيث بدأ طيران السلام بتسيير أولى رحلاته المباشرة بين مسقط وكيجالي في رواندا بتاريخ 21 يوليو 2026م، بمعدل رحلتين أسبوعيًا، وهو ما يُعزّز فرص التواصل المباشر بين البلدين ويدعم تنمية العلاقات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية.
وعلى الصعيد السياسي، التقى بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في سبتمبر 2025م بوزير الخارجية الرواندي في نيويورك، بالتزامن مع أعمال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار التواصل المستمر بين البلدين وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك .
نحو شراكة اقتصادية واستثمارية تنتهج كل من مسقط وكيجالي سياسة تقوم على الانفتاح وبناء الشراكات، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وتركّز على تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة، كما تربط رواندا علاقاتها الدولية بالدبلوماسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات والمشاركة الفاعلة في جهود حفظ السلام، وتشارك في عدد من المنظمات الدولية والإقليمية، من بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومجموعة شرق أفريقيا، إضافة إلى عضويتها في الكومنولث.
ولا شك أن زيارة الرئيس الرواندي لسلطنة عُمان ستفتح آفاقاُ واعدة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية ورفع حجم التبادل التجاري، لا سيما في ضوء تعزيز الربط الجوي وتوقيع عدد من الاتفاقيات وبرامج التعاون في مجالات اللوجستيات وربط سلاسل الإمداد، وتتوافر فرص متعددة للتعاون والاستثمار بين البلدين، تشمل التجارة والطاقة والطاقة المتجددة وقطاع التعدين والموانئ البرية والمطارات والضيافة والمجال الصحي والتعليم .
وثمة محطات اقتصادية وتجارية عدة شهدتها علاقات مسقط وكيجالي، من بينها مشاركة أكثر من 80 شركة عُمانية من قطاعات صناعية متنوعة في معرض المنتجات العُمانية "أوبكس 2020" الذي أقيم في كيجالي في مارس 2020م؛ لتعزيز التبادل التجاري واستهداف السوق الرواندي، وشملت المنتجات المعروضة منتجات غذائية وبلاستيكية ومواد بناء وغيرها.
وعلى هامش هذا المعرض، تم توقيع اتفاقيتين تجاريتين، الأولى بين شركة تاترونك الشرق الأوسط للخدمات الفنية وشركة الراشدي للتجارة العامة، وتتعلق بتصدير منتج عمان تك للأنابيب الحارة والباردة، والثانية بين الشركة الوطنية للصناعات الدوائية وشركة صن انتربريز الرواندية، وتتعلق بتسجيل المنتج وتسويقه وتوزيعه في السوق الرواندي عبر مختلف الصيدليات والمستشفيات .
وفي إطار الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، تم توقيع اتفاقية الخدمات الجوية في عام 2023م، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 12 يناير 2026م، إضافة إلى مذكرة التفاهم في مجالات الاتصالات وتقنية المعلومات وتنمية الاقتصاد الرقمي الموقعة في أبريل 2025م، ومذكرة التفاهم بين مجلس التنمية الرواندي وشركة مطارات عُمان لإدارة المطارات، وبرنامجي التعاون في مجال الخدمات اللوجستية والموانئ البرية، ومجال مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية الأساسية ومشروعات وخدمات الذكاء الاصطناعي، وجميعها في يناير 2026م.
تُعد رواندا، الواقعة شرق أفريقيا، من الدول التي شهدت تحولًا سريعًا واستقرارًا نسبيًا بعد عقود من الاضطرابات، وهي دولة حبيسة تبلغ مساحتها 26,338 كيلومترًا مربعًا، وعاصمتها كيجالي، وتحدها أوغندا وتنزانيا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية .
وتُعرف رواندا بطبيعتها الجبلية التي أكسبتها لقب "بلد الألف تلة"، كما يشكّل قطاع السياحة، ولا سيما سياحة الطبيعة، ركيزة أساسية في اقتصادها، مع ما تتميز به من منتزهات وطنية تضم الغوريلا الجبلية النادرة. ويُعد الاقتصاد الرواندي من الاقتصادات سريعة النمو في أفريقيا، حيث يعتمد تقليديًا على الزراعة التي تشمل من أبرز محاصيلها البن والشاي والذرة والبطاطس، إلى جانب الاهتمام المتزايد بقطاعات الخدمات، ولا سيما تكنولوجيا المعلومات والسياحة والخدمات المالية، في إطار تنفيذ رؤية "رواندا 2050" التي تستهدف تحويل رواندا إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار وتحقيق مكانة دولة ذات دخل مرتفع، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار والمؤتمرات في شرق أفريقيا. تتمتع رواندا بفرص استثمارية في عددٍ من القطاعات، من بينها الزراعة والثروة الحيوانية والسياحة والضيافة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصناعة والطاقة والأدوية، إلى جانب تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة والبنية الأساسية. إجمالاً يمكن القول أن التطوّرات المُتسارعة في العلاقات العُمانية الرواندية تمثل أرضية مواتية لتعزيز التعاون الثنائي خلال المرحلة المُقبلة، والاستفادة من الفرص المتاحة في قطاعات التجارة والاستثمار والطاقة واللوجستيات والطيران والتقنية والسياحة، بما يدعم المصالح المشتركة ويفتح آفاقًا أوسع للشراكة بين عُمان وجمهورية رواندا.