لماذا نكتب عن الطبقة المتوسطة الآن؟ وما هى أهميتها للمجتمع؟ وهل لها دور كبير تقوم به لبناء الأوطان؟ وكيف ومتى أصبحت تلك الطبقة هى الحامى للشخصية والهوية المصرية وكيف تحمى التراث من الاندثار؟ وهل الطبقة المتوسطة فى مصر تتآكل؟ تساؤلات عديدة قبل أن نحاول الإجابة عنها علينا أن نعرف أولا ما هى الطبقة المتوسطة؟، فى البداية كلنا يعلم أن أى مجتمع ينقسم إلى ثلاث طبقات رئيسية هى: الطبقة العليا والطبقة الوسطى والطبقة الدنيا التى نعرفها جميعا بطبقة الفقر، وفى الماضى القريب كانت الطبقة المتوسطة تنقسم إلى مستويين ولكن اليوم أصبحت تنقسم إلى ثلاثة أقسام: متوسطة عليا ومتوسطة وسطى ومتوسطة دنيا، وهذا التقسيم الجديد لم يقتصر فقط على الطبقة المتوسطة، ولكنه ظهر أيضا فى الطبقة العليان، وكلما زاد التقسيم فى الطبقة الواحدة فهو دليل على وجود خلل أو خطر اجتماعى،
والطبقة المتوسطة كما نعرف تتكون من المثقفين والموظفين سواء الحكومة أو القطاع الخاص والأطباء والمهندسين والمعلمين والمهنيين والحرفيين أصحاب الدخل الثابت ويعيشون حياة مستقرة، وهى تحمل مسئولية التوازن بين الطبقات ومن ثم يعتمد عليها فى التوازن الاقتصادى والسياسى بين طبقات المجتمع الواحد، فهى المحرك الرئيسى سواء فى الإنتاج أو الاستهلاك بالإضافة إلى أنها أكبر طبقة تدفع الضرائب، وفى العالم عندما تتزايد نسبة الطبقة الوسطى فهذا دليل على نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية فى تحقيق العدالة وتوزيع الدخل وتنمية المجتمع ككل، والعكس قد يحدث فى بعض الدول بشكل ما المقصود منه إحداث فجوة داخل المجتمع الواحد، وهو الأمر الذى أدى إلى ما يسمى بثورات الربيع العربى، ونعلم جميعا أن هناك بعض الدول غير قادرة على العودة مرة أخرى لسابق عهدها، وبالنسبة لنا فى مصر فالأزمات الاقتصادية لها تأثير سلبى واضح على الطبقة المتوسطة نتيجة أسباب كثيرة سوف نتحدث عنها، وهنا يجب أن نطرح سؤالا مهماً وهو أليس من المفترض أن يكون التأثير السلبى أكبر على أبناء الطبقة الدنيا أو الفقيرة أكثر كما كان يحدث فى مصر قبل يناير 2011؟ والإجابة عن التساؤل أن حزمة الإجراءات الاجتماعية التى قام بها الرئيس السيسى على مدار سنوات بداية من حياة كريمة وتكافل وكرامة والقضاء على العشوائيات وغيرها من المبادرات التى تعمل كلها لصالح الطبقة الدنيا، لذلك لا نجد نفس الصور التى كانت موجودة قبل 2011 ولا نجد حالات الاستغلال الإعلامى الخارجى بورقة الفقر فى مصر كما كان يحدث فى الماضى، ولكن اليوم مع تزايد الأزمات الاقتصادية أصبحت الطبقة المتوسطة تعانى كثيرا لأنها الشريحة الأكبر فى المجتمع، وهى من تتحمل العبء الأكبر فى فاتورة الإصلاح الاقتصادى، وهذا الكلام واقع يعلمه الجميع بما فيها الحكومة نفسها، ووضح ذلك من التصريحات الحكومية دون إيجاد حلول حقيقية لدعم هذه الطبقة سوى المبادرات التى يطلقها الرئيس السيسى لحماية الطبقة المتوسطة فى مصر سواء طبيا أو تعليميا أو بحد أدنى للأجور وغيرها من الأفكار التى يحرص الرئيس على طرحها وتطبيقها ولكنها يجب أن يتوازى معها خطط واستراتيجيات من الحكومة لتعديل السياسة الاقتصادية القائمة بهدف زيادة الإنتاج والتصنيع المحلى وفتح آفاق جديدة للتصدير لإنعاش قيمة الجنيه المصرى مرة أخرى، لأن فكرة الاعتماد على جذب الاستثمار الأجنبى فقط ليست حلا لبناء اقتصاد وطنى يعلى من قيمة الجنيه بل يزيد من الفجوة بين أبناء الطبقة المتوسطة ويقلص عددها وهو خطر كبير على المجتمع المصرى على مدار السنوات القادمة.
فاليوم نحن نعانى من اتساع الفجوة بين الطبقات خاصة العليا والمتوسطة وهو أمر ظاهر للجميع ولم يكن متواجدا بين أبناء المجتمع المصرى حتى بعد سياسة الانفتاح التى قام بها الرئيس السادات فى السبعينيات أو حتى فى سنوات حكم الرئيس مبارك، ولكن فى السنوات الأخيرة زادت الظاهرة والتى حولت المجتمع إلى شريحتين «مصر وإيجيبت»، وهنا لن أتحدث عن حالة التفاوت الرهيب فى الأسعار بمئات الملايين من الجنيهات فى العقارات أو عشرات الملايين فى أسعار السيارات وغيرها وإن كان هذا التفاوت يراه البعض استثمارا وحالة عرض وطلب رغم حالة الاستفزاز لشريحة كبيرة من المجتمع والتى لا يمكن للحكومة السيطرة عليها، ولكن هناك جزءاً آخر يسهم بشكل كبير فى ازدياد هذه الظاهرة ويتوغل فى المجتمع ويدخل لكل بيت ويمكن وضع خطط للسيطرة عليه وإعادة تحقيق التوازن وتمسك المجتمع بالقيم والأخلاق ألا وهو عنصر الفن أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية، والذى تراجع دوره بشكل كبير فى الفترة الأخيرة بإنتاج أعمال درامية وأفلام ليس لها أى علاقة بالمجتمع المصرى ولا قيم المجتمع بل أغلبها أعمال تزيد من الفجوة بين أبناء المجتمع وتركز على تعميق شريحة «إيجيبت» فى المجتمع، فنرى نماذج لا يستطيع المواطن المتوسط الوصول لها فترسخ فى ذهن المواطن فكرة الحلم الذى لا يمت إلى الواقع بأى صلة، فالمصريون لا يسكنون الفيلات والقصور ولا يركبون السيارات الفارهة بالملايين ولا يرتدون تلك الملابس ولا يعيشون تلك الحياة التى تتمتع بحرية غير مسئولة، فكل هذه الأفكار ليس لها أى علاقة بالواقع الذى نحياه، وعلى الجانب الآخر نجد ظاهرة أخرى تتصدر وهى أعمال البلطجة وتصوير أبطال تلك الأعمال كقدوة للشباب فى المجتمع، وهو الأمر الذى انعكس جليا على نوعيات الجرائم التى انتشرت فى المجتمع مؤخرا، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل زادت إلى الحفلات الغنائية وما يحدث بها من انهيار لكل قيم وأخلاقيات المجتمع سواء من ملابس المطربين أنفسهم أو أسعار التذاكر أو ما يحدث من انتهاكات خطيرة لقيم المجتمع والتى تلقى رواجا على وسائل التواصل الاجتماعى لتصدير صورة أن هذا هو المجتمع المصرى وسط صمت رهيب من المسئولين، وأرفض كل من يحاول أن يهرب من مسئوليته بجملة (أن الجمهور عايز كده) فهذه الجملة دليل على الفشل والعجز الفكرى خاصة أن هناك أعمالا درامية تم إنتاجها، عن بطولات مصرية أو عن فترة ما بعد الثورة مثل سلسلة «الاختيار» وغيرها والتى نجحت جماهيريا أو حتى حفلات فنية مثل الأوبرا ومحكى القلعة وغيرها والتى تكون كاملة العدد وبها نجوم كبار، فالمجتمع اليوم فى أحوج ما يكون إلى الفن كعنصر من القوة الناعمة المصرية بهوية الشخصية المصرية وليس فن «إيجيبت» الذى يفكك المجتمع ويمحى الهوية المصرية، نحن فى أشد الاحتياج إلى أمثال العبقرى الراحل أسامة انور عكاشة بأعماله العظيمة التى أسهمت على مدار عقود فى ترسيخ قواعد الطبقة المتوسطة فى المجتمع.