لم يصل «ريتاتروتايد»، أحد أكثر الأدوية التجريبية الواعدة في مجال خفض الوزن، إلى الصيدليات رسميًا بعد، ولم يحصل على موافقة أي جهة تنظيمية للاستخدام البشري في العالم، لكن سوقًا موازية سبقته إلى المستهلكين في أكثر من 100 دولة، عبر منتجات غير معتمدة تحمل اسمه وتسوق على الإنترنت قبل اكتمال تطويره.
وتقول شركة «إيلي ليلي»، المطورة للعقار، إنها رصدت أكثر من 14 ألف موقع وإعلان ومنشور على منصات التواصل وقائمة منتجات تروج لـ«ريتاتروتايد» بصورة غير قانونية في أكثر من 100 دولة، ما دفعها إلى نقل المواجهة من التحذير من المنتجات مجهولة المصدر إلى ملاحقة بائعيها أمام المحاكم.
وفي أحدث خطوات التصعيد، رفعت «إيلي ليلي» 6 دعاوى قضائية جديدة في الولايات المتحدة ضد صيدليات ومراكز وبائعين تتهمهم بتسويق وبيع منتجات غير معتمدة تحمل اسم «ريتاتروتايد»، رغم أن العقار لا يزال يخضع للمرحلة الثالثة من التجارب السريرية ولم يحصل بعد على تصريح للاستخدام البشري .
ولا تكمن المفارقة فقط في وصول منتجات تحمل اسم عقار تجريبي غير معتمد إلى المستهلك، بل في حجم الضجة التي سبقت إطلاقه، ودفعت بعض الباحثين عن خسارة الوزن إلى شراء منتجات تُعرض عبر الإنترنت تحت لافتة «للاستخدام البحثي فقط»، رغم مخاوف من استخدامها فعليًا لأغراض إنقاص الوزن.
وتستهدف الدعاوى الجديدة عددًا من الصيدليات والمنشآت والبائعين الأمريكيين، ضمن استراتيجية أوسع تقول «ليلي» إنها تستهدف سلسلة التجارة غير المرخصة بأكملها، وليس نقاط البيع النهائية فقط .
ولم تحصر الشركة تحركاتها في المسار القضائي، إذ طالبت منصات التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية، وشركات بطاقات الائتمان ومعالجة المدفوعات، إلى جانب شركات الشحن والخدمات اللوجستية، بقطع الخدمات التي تسمح باستمرار هذه التجارة، معتبرة أن انتشار المنتجات غير المعتمدة تحول إلى «أزمة صحة عامة ملحّة» تتجاوز قدرة شركة دواء واحدة على مواجهتها.
المفارقة الأبرز أن «ريتاتروتايد» أصبح معروفًا على نطاق واسع قبل أن يتحول أصلًا إلى دواء معتمد .
وتطور «إيلي ليلي» العقار لعلاج السمنة والسكري من النوع الثاني وعدد من الحالات المرتبطة بهما، ولا يزال ضمن المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي المرحلة التي تسبق عادة تقديم الملفات النهائية إلى الجهات التنظيمية للحصول على الموافقات اللازمة.
وتؤكد الشركة أنه لا يوجد حتى الآن أي دواء يحتوي على «ريتاتروتايد» حصل على موافقة تنظيمية للاستخدام البشري في أي مكان في العالم، لكن النتائج الواعدة التي أظهرها العقار في الدراسات السابقة غذّت اهتمامًا كبيرًا به، حتى بدأ اسمه يتداول على شبكات التواصل باختصارات مثل «ريتا ـ Reta»، في وقت يبدو فيه أن الطلب التجاري على العقار سبق الموافقات الطبية والتنظيمية اللازمة لطرحه رسميًا .
وبحسب مجلة «فورتشن» الأمريكية، وصلت الظاهرة إلى حد أن إحدى الجهات التي تواجه دعاوى من «ليلي» وفّرت أداة إلكترونية تساعد المستخدم على حساب جرعته من «ريتاتروتايد» بنفسه، رغم أن تحديد جرعات الأدوية يفترض أن يتم تحت إشراف طبي متخصص.
وتكشف الأرقام التي أعلنتها «إيلي ليلي» عن اتساع نطاق المواجهة؛ فالشركة تقول إنها أحالت أكثر من 200 شخص وجهة إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ووزارة العدل وسلطات إنفاذ القانون وهيئات تنظيمية أخرى، كما أبلغت عن أكثر من 14 ألف موقع وإعلان ومنشور وقائمة منتجات تسوّق «ريتاتروتايد» بصورة غير قانونية في أكثر من 100 دولة .
وتعكس تلك الأرقام سوقًا رقمية يصعب احتواؤها بالطريقة التقليدية؛ إذ يمكن إغلاق موقع أو حذف إعلان، قبل أن يظهر بائع آخر أو منصة جديدة تعرض المنتج نفسه تحت مسميات مختلفة.
وتحاول «ليلي» لذلك نقل المواجهة إلى ما وراء البائع نفسه، عبر استهداف البنية التي تسمح لهذه التجارة بالعمل، من منصات الإعلان والتواصل، مرورًا بشركات المدفوعات، وصولًا إلى خدمات الشحن والتوصيل .
السلطات الصحية الأمريكية بدورها اتخذت موقفًا واضحًا من «ريتاتروتايد»، وتؤكد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA أن العقار لا يمكن استخدامه قانونيًا في داخل الصيدليات بموجب القانون الفيدرالي، كما أنه لم تثبت بعد سلامته أو فاعليته لأي استخدام معتمد.
وتحذر الوكالة كذلك من أن الأدوية المركبة لا تمر بالمراجعة المسبقة نفسها التي تخضع لها الأدوية المعتمدة للتحقق من السلامة والفاعلية والجودة قبل طرحها .
وسبق للجمارك وحماية الحدود الأمريكية أن أعلنت ضبط شحنات من أدوية غير معتمدة، بينها «ريتاتروتايد»، في مؤشر على أن الظاهرة لم تعد تقتصر على إعلانات متناثرة عبر الإنترنت، وإنما ارتبطت أيضًا بسلاسل توريد وشحن تعبر الحدود.
ولا تقف وراء المواجهة اعتبارات صحية وتنظيمية فقط، بل رهانات تجارية ضخمة أيضًا؛ فإذا نجح «ريتاتروتايد» في اجتياز التجارب والحصول على الموافقات التنظيمية، تتوقع تقديرات نقلتها «فورتشن» أن تتجاوز مبيعاته السنوية 5.4 مليار دولار بحلول عام 2030 .
وهذا يجعل انتشار منتجات مجهولة المصدر تحمل اسم العقار خطرًا مزدوجًا بالنسبة إلى «إيلي ليلي»؛ فهي قد تعرض المستهلكين لمخاطر صحية من جهة، وقد تلحق من جهة أخرى ضررًا بسمعة دواء لم يدخل السوق رسميًا بعد، إذا ارتبط اسمه بآثار جانبية أو حوادث ناتجة عن مواد غير معتمدة أو غير موثوقة.
وهنا تكمن حساسية المعركة بالنسبة إلى الشركة الأمريكية؛ فهي لا تحمي منتجًا مستقبليًا فحسب، وإنما تدافع أيضًا عن أحد رهاناتها الكبرى في سباق عالمي محتدم على سوق أدوية السمنة، التي أصبحت من أكثر قطاعات صناعة الدواء جذبًا للاستثمارات والمنافسين والمستهلكين في السنوات الأخيرة .