أعلنت وزارة الدفاع الروسية، فى بيان لها، أن الضربات الجوية على العاصمة «كييف» جاءت ردًا على الهجمات الأوكرانية الأخيرة التى استهدفت البنية التحتية لمنشآت الطاقة الروسية، مما ألحق أضرارًا بالغة بأكبر مصافى النفط، وشبكات توزيع الوقود، والمحطات الفرعية، وتسبب فى أزمة وقود فى جميع أنحاء البلاد. وفى هذا السياق، أكد الكرملين عزمه مواصلة التصعيد وزيادة الضغط العسكرى على أوكرانيا، مشددًا على أن العمليات العسكرية ستستمر حتى تحقيق الأهداف التى أعلنتها موسكو.
ورغم تعرض أوكرانيا لمئات الهجمات الجوية واسعة النطاق منذ بدء الحرب، فإن هجوم هذا الأسبوع كان مميتًا بشكل استثنائى، ويعود ذلك جزئيًا إلى الأهداف التى اختارتها موسكو، وهى مبانٍ سكنية، والأسلحة المتطورة التى استخدمتها، بما فى ذلك 496 طائرة مسيرة، و24 صاروخًا باليستيًا من طراز «إسكندر»، وأربعة صواريخ من طراز «زيركون»، وفقًا للقوات الجوية الأوكرانية.
ولا يزال اعتراض الصواريخ الباليستية يمثل تحديًا كبيرًا، فمع أن أوكرانيا تمتلك عدة بطاريات باتريوت، فإنها تواجه نقصًا مستمرًا فى الصواريخ اللازمة لها، وقد تفاقم هذا النقص بسبب الصراع فى إيران، الذى أدى إلى تحويل بعض الشحنات المخصصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وقد حث الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، الحلفاء على إرسال المزيد من أنظمة الدفاع الجوى، وطلب من الولايات المتحدة تراخيص لتصنيع صواريخ باتريوت للدفاع الجوي.
وردًا على التصعيد الروسى، تعرضت مدينة بيلغورود الروسية ومحيطها لهجوم صاروخى أوكرانى أدى إلى تضرر البنية التحتية للطاقة وانقطاع إمدادات المياه والغاز. وفى المقابل، أعلنت مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، كايا كالاس، أنها ستقترح حزمة عقوبات جديدة على موسكو تستهدف الكيانات الداعمة للصناعات الدفاعية الروسية، بما فى ذلك الشركات المصنّعة لمكونات طائرات «شاهد» و«جيران» المسيرة، كما جدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، دعوته إلى وقف إطلاق النار، وتأتى هذه التطورات فى ظل تعثر المساعى الدبلوماسية منذ آخر لقاء مباشر بين مسئولين روس وأوكرانيين فى جنيف خلال فبراير الماضى، وتحول الاهتمام الدولى لاحقًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وقال الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والدولية: إن «الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة جديدة فى ضوء قيام القوات الأوكرانية باستهداف العمق الروسى بطائرات مسيرة وصواريخ بعيدة المدى أدت إلى سقوط ضحايا، ودمار فى الأقاليم الجنوبية الروسية، كما تسببت فى حدوث أزمة وقود فى المدن الروسية، بما فى ذلك موسكو، بسبب استهداف مصانع تكرير النفط فى ضواحى العاصمة وخارجها، وعلى الرغم من أن الرد الروسى على هذه الهجمات كان حاسمًا كمًا ونوعًا، وطال العاصمة الأوكرانية كييف، فإنه لا يزال فى حدود ما يمكن وصفه بمحاولة موسكو البقاء فى دائرة الفعل ورد الفعل، رغم مطالبة الشارع الروسى بإبداء مزيد من الحسم فى التعامل مع التهديدات الأوكرانية».
وأوضح «السيد» أن «حرص القيادة الروسية يعود إلى إبقاء الوضع فى إطار المجابهة مع أوكرانيا قيد السيطرة، وعدم السماح بخروجه عن أطره المقررة إلى الحقائق الموجودة على الأرض، والتى يمكن حصرها فى ثلاثة عوامل: أولًا- تقدم القوات الروسية فى معظم محاور القتال، مع إحكام سيطرتها على مدينة «كونستانتينوفكا»، ما يفتح الطريق نحو «سلوفيانسك»، آخر معاقل القوات الأوكرانية فى دونيتسك. ثانيًا- إدراك القيادة العسكرية الروسية نقص أعداد القوات الأوكرانية، رغم حصولها على إمدادات عسكرية غربية متطورة. ثالثًا- ترى موسكو أن التهديدات الأوروبية بالمواجهة بحلول 2030 لن تُترجم إلى حرب مباشرة، وأن الغرب سيواصل استنزاف روسيا عبر إطالة أمد النزاع».
فى المقابل، تلجأ أوكرانيا إلى التصعيد عبر استهداف العمق الروسى، بما فى ذلك ضرب منشآت مدنية وعمليات تخريب داخل الأراضى الروسية، وتجنيد عملاء فى مختلف الأقاليم، إضافة إلى تضييق الخناق على شبه جزيرة القرم التى باتت شبه محاصرة. كما تسعى، فى ظل تراجع قواتها فى الميدان، إلى توسيع رقعة الحرب عبر تهديدات ومحاولات لجر بيلاروسيا ودول مجاورة إلى الصراع، وصولًا إلى دفع حلف الناتو نحو مواجهة مباشرة مع روسيا.
أما فيما يتعلق بالموقف الغربى، أشار «أديب» إلى حرص القيادة الأوكرانية على مواصلة تقديم نفسها على أنها خط الدفاع الأول، وأنها تقوم بحماية أوروبا من الأطماع الروسية، وبالتالى المطالبة بزيادة حجم المساعدات المالية، وقد حصلت أوكرانيا مؤخرًا على دفعة مالية قدرها 3 مليارات دولار من قرض يبلغ مجموعه 93 مليار دولار أقره قادة الاتحاد الأوروبى فى آخر اجتماع لهم، كما تمكنت من إقناع القادة الأوروبيين بالضغط على واشنطن للعودة إلى موقف أكثر انخراطًا فى مواجهة روسيا، وبرز جليًا بعض التراجع فى مواقف الإدارة الأمريكية خلال قمة السبع الصناعية مؤخرًا، حيث أبدى الرئيس ترامب تأييدًا لمواقف أوكرانيا فى المواجهة مع روسيا.
وتابع: بروكسل وواشنطن تواصلان فرض عقوبات اقتصادية وتجارية على روسيا، وانعكس ذلك جزئيًا فى ملاحقة ناقلات النفط والبواخر التجارية الروسية التى ترفع أعلام دول أجنبية بهدف تعطيل الصادرات الروسية من موارد الطاقة والقمح والشعير وغيرها، كما تمارسان ضغوطًا على الدول التى تتعاون مع روسيا فى المجالات التجارية مثل الصين والهند ودول آسيا وبريكس بهدف وقف شراء الغاز والنفط الروسى، وبالتالى الحد من عائدات العملة الصعبة إلى الخزينة الروسية.
وأكد أن «موسكو لا تزال قادرة على احتواء العقوبات الاقتصادية والتجارية من خلال اتخاذ اجراءات فورية تقلل من تأثيرها على الاقتصاد الروسى، كما أنها لا تبدى أى بوادر للتراجع عن تحقيق أهدافها المتمثلة فى السيطرة على كامل الأراضى فى الأقاليم الأربعة التى ضمتها إلى قوام الأراضى الروسية، وضمان عدم وجود أى تهديد للأمن القومى الروسى من الأراضى الأوكرانية».