رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الصراع الأمريكى الإيرانى.. العبث من المسرح إلى السياسة


11-7-2026 | 12:26

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

ظهر مسرح العبث كتيار درامى، فى منتصف القرن العشرين، كرد فعل على الدمار والقتل الذى نتج عن الحرب العالمية الثانية، ويؤكد هذا التيار الدرامى عبثية الوجود الإنسانى، وغياب المنطق، ويصور حالة التيه والانعزال، معتمدًا على فلسفة اللاجدوى، التى طرحها الأديب ألبير كامى، وبرزت عدة أسماء فى هذا التيار الدرامى العبثى، مثل صمويل بيكيت، يوجين يونسكو، هارولدبنتر، ويرتكز هذا المسرح العبثى على عدة مرتكزات أهمها غياب الحبكة التقليدية المنطقية، بروز أزمة اللغة والتواصل، الإغراق فيما يسمى (الكوميديا السوداء).

وإذا انتقلنا بتلك المرتكزات التى يتسم بها المسرح العبثى، من الدراما إلى عالم السياسة، لوجدناها تنطبق تماما على أسباب وأحداث ونتائج العدوان الصهيوأمريكى على إيران، ذلك العدوان الذى بدأ فى الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضى

 

 

أهم الأسباب المعلنة لهذا العدوان، تؤكد منع إيران من امتلاك السلاح النووى، رغم أن إيران منذ وجود نظامها الحالى – والذى بدأ بعد نجاح ثورة الخمينى 1979، وحتى الآن، لم تعلن أبدا نيتها أو رغبتها فى امتلاك القنبلة النووية، رغم قدرتها علمياً وعملياً على إنتاج تلك القنبلة، بعد أن وصلت بنسبة اليورانيوم المخصب إلى 60فى المائة، والنسبة المطلوبة لإنتاج القنابل النووية 90فى المائة، ويأتى التأكيد على عدم وجود النية أو الرغبة لدى الإيرانيين فى إنتاج القنبلة النووية، مستنداً على عاملين مهمين الأول وجود فتوى واضحة وصريحة من قائد الثورة الإيرانية الراحل الخومينى، بتحريم إنتاج السلاح النووى، وقد تأكدت تلك الفتوى بفتوى أخرى من المرشد الثانى للثورة على الخامنئى، والذى اغتالته أمريكا والكيان المحتل فى العدوان الأخير، أما العامل الآخر الذى يؤكد عدم نية أو رغبة إيران فى امتلاك القنبلة النووية، فينبع من بنود الاتفاقية التى وقعها الإيرانيون، مع الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما فى عام 2015، والتى وقع عليها أيضًا الدول الخمس الكبرى الصين، روسيا، إنجلترا، فرنسا، ألمانيا، وتسمح هذه الاتفاقية للدولة الإيرانية بتخصيب اليورانيوم بنسب صغيرة، ليتم استخدامه فى الأغراض السلمية، وجاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أثناء ولايته الأولى (2018)، وقرر إلغاء العمل بكل بنود هذه الاتفاقية، ولم يكتف بذلك بل راح يزيد من ضغوطات العقوبات على إيران، والتوسع فى تجميد أرصدتها بالخارج، والتى تصل إلى 100 مليار دولار، واستغلت إيران إلغاء هذه الاتفاقية، وراحت تتوسع فى تخصيب اليورانيوم، وترفع من نسب هذا التخصيب، حتى صارت قاب قوسين أو أدنى من إنتاج القنبلة النووية، ذلك الإنتاج الذى كان ينتظر قرار المرجعية الدينية الأعلى، المتمثلة فى المرشد الأعلى للثورة.

أى أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو الذى بدأ أولى خطوات هذا العبث السياسى، وافتقد الرئيس ترامب وجود الحبكة المنطقية، التى تساعده على إقناع الآخرين من الحلفاء وغيرهم، للاقتناع بأسباب هذا العدوان العبثى، مما جعل الحليف الأكبر إنجلترا، يصرح على لسان رئيس وزرائه ستارمر (هذه ليست حربنا، ولن نتورط فيها)، ولم يتوقف الأمر عند إنجلترا، ولكن كل دول الاتحاد الأوروبى رفضت التورط فى تلك الحرب العبثية، ورغم كل هذه الأصوات العاقلة، لم يسمع ترامب إلا صوته، وللأسف لم يكن هذا الصوت، إلا مجرد (صدى صوت)، رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو، والذى يحاول دوماً الهروب إلى الأمام، الهروب من قضايا الفساد التى تهدد بالقضاء على مستقبله السياسى، بل والقذف به إلى غياهب السجون، والهروب من أصوات المعارضة، التى تؤكد على أن نتنياهو مجرد فأر مذعور، يتخبط فى شباك اليمين المتطرف، الذى يقوده بن غفير وسموتريتش، كما يهرب نتنياهو إلى الأمام، تحت دعاوى تحقيق حلم الصهيونية العالمية، بتكوين إسرائيل الكبرى، حيث لم تكتف الصهيونية باغتصاب أراضى فلسطين العربية، وإنشاء الكيان المحتل عليها (مايو 1948)، ولكنها تسعى إلى اغتصاب مزيد من الأراضى العربية فى لبنان، الأردن، سوريا، العراق، مصر الجزيرة العربية.

كما استطاع نتنياهو إقناع ترامب، بالعمل على تدمير كل القوى الكبرى فى منطقة الشرق الأوسط، ليصبح الكيان المحتل القوة الأكبر، والأهم أن هذا الكيان سيقوم برعاية المصالح الأمريكية فى المنطقة، حتى تتفرغ أمريكا لصراعها الحتمى مع الصين وروسيا، وابتلع ترامب كل هذه الأوهام العبثية، واخترع ما يسمى الديانة الإبراهيمية، تلك الأفكار التى تجعل من الأديان السماوية العظيمة (سمك لبن تمر هندى)، بما يتنافى مع قدسية تلك الأديان.

ويواصل دونالد ترامب تلك الكوميديا السوداء، التى تميز مسرح العبث، من خلال مشاركته الهمجية فى اغتيال العشرات من قادة إيران، وفى مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئى، بل اغتيال عشرات الفتيات الصغيرات فى مدرستهن، إضافة إلى تدمير ونسف الكثير من الهيئات والمؤسسات الإيرانية، ورغم كل هذا العنف والقتل والتدمير، لم يستطع ترامب وحليفه نتنياهو تحقيق الانتصار الحاسم على إيران، فلم يتم تغيير النظام، ولم تخرج الجماهير معارضة لهذا النظام، ولم يعلن الجيش الإيرانى العجز أو الاستسلام، بل إن خبراء العسكرية فى العالم، يؤكدون على أن إيران قد حققت (النصر الاستراتيجي).

ذلك النصر الذى أجبر أمريكا إلى الجلوس على مائدة المفاوضات فى سويسرا، وبعد جهد كبير من الوسيط الباكستانى، ثم الوسيط القطرى، وبمساعدة مصر وتركيا، استطاع الطرفان الأمريكى والإيرانى، التوصل إلى اتفاق مبدئى، يسمح لكل منهما بأن يزعم أنه قد حقق أهدافه من تلك الحرب، وتبرز أهم مبادئ، ذلك الاتفاق فى ضرورة توقف الكيان المحتل عن الاعتداء على لبنان، وانسحابه من جنوب لبنان، والتأكيد على حرية الملاحة فى مضيق هرمز، والإفراج عن نسبة مهمة من أموال إيران المجمدة، والتأكيد على أن إيران لن تنتج أبدًا السلاح النووى، ونص الاتفاق على أن يجرى الطرفان مباحثات لمدة ستين يومًا للوصول إلى اتفاق نهائى، يتم إقراره من مجلس الأمن، وراح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رغم هذا الاتفاق الذى أشاد به هو شخصيًا، يعمل على تفجير أهم بنود هذا الاتفاق، من خلال خطوات عبثية يصعب على رواد مسرح العبث (بيكيت، يونسكو، بنتر)، التفكير فيها، فراح يدفع إلى عقد اتفاق بين لبنان والكيان المحتل، مستغلاً رغبة النظام اللبنانى الرسمى فى فصل المسار اللبنانى عن المسار الإيرانى، وانتهى الأمر إلى اتفاق إطارى بائس، ينص على إعادة انتشار قوات الاحتلال فى جنوب لبنان، واشترط نزع سلاح حزب الله، لكى يفكر فى الانسحاب من لبنان، وأكد على دور الدولة اللبنانية فى حصر السلاح بيد الجيش فقط، وكل هذه الخطوات تدفع حتمًا إلى حرب أهلية جديدة فى لبنان، مما جعل رئيس البرلمان نبيه يرى يحذر من الفتنة.

كما راح ترامب يربط الإفراج عن أموال إيران المجمدة، بشراء بضائع أمريكية، ورفضت إيران هذا التوجه.

كما راح ترامب يسعى لعمل ممر داخل مضيق هرمز بعيداً عن الممر، الذى حدده الحرس الثورى الإيراني، مما جعل إيران تهدد بغلق المضيق مرة أخرى، وكل هذا العبث، يعنى أن ترامب يعمل على تفريغ هذا الاتفاق من أهم مضامينه، ولم يكتف بذلك ولكنه يواصل تصريحاته الكثيرة والمتناقضة، والتى تقول الشىء وعكسه فى ذات الوقت.

ويصل عبث ترامب إلى ذروته، من خلال إجبار دول الخليج على دفع كل تكاليف هذه الجرب العبثية، سواء بإعادة بناء القواعد الأمريكية فى هذه الدول، أو إعادة إعمار ما تم تدميره فى إيران.

ولن يقف كل هذا العبث إلا بتحرك إقليمى وآخر دولى، التحرك الاقليمى يتم من خلال توافق مصرى تركى إيرانى باكستانى سعودى، وينطلق هذا التوافق لإنجاز توافق آخر ومهم مع الصين وروسيا، وإذا ما تحقق هذا سيتم تحجيم الكيان المحتل، وكبح جماح العبث الترامبى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة