«المصوّر»، من جانبها، كان حاضرة فى المشهد، لتوثق «دقائق التبرع»، لحظة تلو الأخرى، وترصد رحلة كيس الدم منذ التبرع حتى وصوله للمريض، وهى رحلة تحمل فى تفاصيلها مشاهد إنسانية، إمكانات تقنية، اعتمادات مصرية وعالمية، وكوادر بدرجة عالية من الكفاءة، ليكون فى يد المريض كيس دم فعال وآمن.
داخل قسم «التبرع»، يجلس «أحمد»، أحد المتبرعين المنتظمين بالدم مستغرقا فى ملء استبيان يضم معلومات شخصية وأسئلة عن حالته الصحية، عملية ملء الاستبيان لم تستغرق دقائق معدودة، ليبدأ بعد ذلك فى الخطوة الثانية، «توقيع الكشف الطبى» عليه، والتى تحدث خلالها عن قصته مع التبرع.
منذ 18 عامًا، وتحديدًا كل 3 أشهر طوال السنوات تلك، اعتاد «أحمد» على تلقى اتصال هاتفى من بنك الدم يذكره بموعد التبرع والتأكد من صلاحيته للتبرع، وعن هذه الرحلة، قال: اقتنعت بفكرة التبرع لأهمية الدم وأن حالات كثيرة تحتاجه، وضعت نفسى مكان مريض بالمستشفى ينتظر كيس الدم، أيضا عندما عرفت بأن هناك فصائل معينة تزيد بها المشكلة، قررت أبدأ التبرع، مساعدة الحالات؛ كبارا أو أطفالا، وشجعنى أكثر عندما وجدت بالمركز رعاية جيدة، نظافة، عدم قلق من العدوى كما يتخوف البعض، الاهتمام بالتبرع والتأكد من صلاحيته للتبرع.
بعد سنوات من التبرع المنتظم، الوضع أصبح أكثر إنسانية، أكثر شعورا بالواجب والمسئولية، عندما أصبح «أحمد» منذ ثلاث سنوات مرتبطا بالتبرع لطفل يعانى من مرض الثلاسيميا، يرى أنه أصبح مسئولا عن روح، أكثر ارتباطا به، ورغم التواصل تليفونيا أكثر من مرة من الأهل والطفل للتعبير عن امتنانهم وشكرهم له، لكنهما لم يلتقيا ولو مرة واحدة، فقط يتبرع فى اليوم المحدد ليأخذ كيس الدم دورته فى الفحص حتى يأتى الطفل لتلقى الدم.
«أحمد»، وبنبرة هادئة، قال: «أصبحت أشعر بالمسئولية تجاه هذا الطفل، إحساس أن دمى يجرى فى عروقه، ينقذ حياته، يخفف آلامه، إحساس لا يوصف، وأكثر من مرة يحاول الأهل ترتيب موعد حتى نلتقى، لكن للأسف لم تسمح الظروف حتى الآن، ولعل أكثر مرة مؤثرة، كنت فى رحلة سفر خارج القاهرة، وحان موعد التبرع، فما كان إلا أن قررت العودة من السفر لأجله، وعندما عرف الأهل بذلك اتصلوا لشكرى وقتها كثيرا.
وتابع: التبرع بالدم له أكثر من فائدة، فائدة روحية وربانية بغية الثواب والأجر، وفائدة جسدية من تجدد خلايا الدم، وإجراء تحاليل أعرف نتيجتها بعد أسبوعين، وفائدة تتعلق بالإحساس بأهميتى لهذا الطفل، فأتعامل وكأننا شخص واحد، وشجعت كثيرين على التبرع المنتظم من هذا المنطلق، وأطلب منهم الحضور للمركز وتقييم المكان والتجربة».. وهنا انتهى «أحمد» من حديثه ليبدأ عملية التبرع بالدم والتى لا تستغرق سوى دقائق معدودة.
داخل قسم التبرع يقف الدكتور محمد فاضل، رئيس القسم، مساعد مدير عام الخدمات لشئون التبرع والعلاقات العامة، والذى شرح لـ«المصوّر» خطوات التبرع، وقال: البداية تكون بتسجيل بيانات المتبرع، ثم الكشف الطبى بمراجعة إجابات المتبرع فى الاستبيان وقياس الضغط ونسبة الهيموجلوبين، ولدينا سجل للمتبرعين المنتظمين، يتم التواصل معهم فى موعد تبرعهم ومراجعة أى أسباب تتطلب تأجيل التبرع، أيضا المرضى بالنسبة لنا لهم أكثر من تصنيف، منهم مريض يحتاج دم مرة واحدة لعملية جراحية مثلا، ومريض يحتاج نقل دم بصفة منتظمة ويحتاجون متبرعين منتظمين لهم نفس الفصيلة الممتدة تجنبا للأجسام المضادة، فالمريض الواحد يحتاج على مدار السنة أكثر من متبرع بنفس الفصيلة، فالمريض يحتاج إلى دم شهريا، والمتبرع يتبرع كل ثلاثة أشهر، ونتمنى زيادة أعداد المتبرعين عموما، وكذلك المتبرعون المنتظمون، لأنه لا تزال توجد فجوة بين حجم الاحتياج والدم المتوفر؛ فعدد كبير من المرضى يجدون مشكلة فى الحصول على الدم.
بعد التبرع يدخل كيس الدم فى سلسلة خطوات بداية بقسم المشتقات والفصل لكرات دم حمراء وبلازما وصفائح دموية، بعد ذلك يتم فحص العينات ويشمل فحص الفيروسات وفحص الحمض النووى، الخطوة المميزة أيضا تتم بالمعمل المرجعى.
الدكتورة داليا محمد عبدالسلام، رئيس المعمل المرجعى لكرات الدم الحمراء، هى الأخرى تحدثت عن تفاصيل مهمتها داخل المركز، وقالت: المعمل مسئول عن حل جميع المشكلات الخاصة باختبارات التوافق أو تحديد الفصائل غير الواضحة بالنسبة للمرضى، منها عمل الفصائل الممتدة لأصحاب الأمراض المزمنة، ونوفر لهم أكياس دم من متبرعين شرفيين منتظمين، وعددهم نحو 3 آلاف مريض على مستوى الجمهورية سنويا، وهناك نحو 700 متبرع شرفى منتظم، المعمل أيضا يجرى كشفًا وتحديدًا للأجسام المضادة، هذا إلى جانب تحضير عينات ضبط الجودة وتوزع على بقية المراكز البالغ عددها 28، وترسل نتائج تلك العينات للمعمل المرجعى لضبط الجودة على مستوى الجمهورية والتأكد من مطابقتها للمعايير السليمة، والمعمل حاصل على اعتماد الإجاك المصرى «الأيزو» لعامى 2024 و2025، وبصدد الحصول عليه لعام 2026، كما أنه حاصل على الاعتماد الأمريكى أربع مرات على مدار عشر سنوات منذ 2016 حتى 2026.
نهاية الرحلة تكون فى قسم الصرف ووصول كيس الدم للمريض، وبحسب الدكتور رحاب عمر، رئيس قسم الصرف، نائب مدير خدمات نقل الدم، فإنه «يتم صرف الدم ومشتقاته، وللصرف لا بد من توفر طلب من المستشفى يحتوى على بيانات المريض والمطلوب من الدم ومشتقاته، وتوفر مع الطلب عينة دم، ويتم تسجيل بيانات المريض على السيستم، ثم تحديد الفصيلة، ثم إجراء اختبار التوافق، وكذلك إجراء اختبار أجسام مضادة لكل العينات بشكل روتينى؛ فالمركز القومى حاصل على اعتماد الجمعية الأمريكية لبنوك الدم، وهذا أعلى اعتماد على مستوى العالم، وبعد الانتهاء يتم تسليم كيس الدم للمريض مع إرشادات للحفاظ على سلسلة التبريد لأكياس الدم، وعملية الصرف تستغرق من 60 إلى 90 دقيقة، لأنه يتم إجراء 3 اختبارات، وفى بعض الحالات تزيد فى حالة أن النتيجة أظهرت إيجابية الأجسام فيتم التحويل على المعمل المرجعى».
الدكتورة فاتن مسعد، مدير عام خدمات نقل الدم القومية، قالت: «تتم عملية التبرع باستخدام وسائل وأدوات معقمة تفتح لأول مرة لصالح المتبرع، والتبرع يتم عن طريق التبرع المباشر فى مراكز خدمات نقل الدم المنتشرة على مستوى الجمهورية فى كل محافظة، بواقع 28 مركزًا، أو عن طريق التبرع داخل سيارات نقل الدم المتنقلة التابعة للخدمات والمنتشرة فى الشوارع والميادين العامة وفى الحملات المنظمة، وذلك تحت إشراف فريق طبى متخصص مدرب على أعلى المستويات».
الشروط الواجب توفرها فى المتبرع أوضحتها«د. فاتن»، قائلة: تبدأ رحلة التبرع باختيار المتبرع، فتوجد مواصفات طبية يجب أن تتوفر فى المتبرع حتى يكون لائقًا للتبرع، من بينها أسئلة كاملة عن تاريخه المرضى تستغرق نحو خمس دقائق، أيضا يتم عمل فحص الهيموجلوبين وقياس ضغط الدم للتأكد من صلاحيته لعمليه التبرع، يجب ألا يكون يعانى من أمراض مزمنة مثل السكر أو الضغط أو القلب أو الأمراض المناعية أو الفيروسات الكبدية، وبعد التأكد من كونه لائقًا للتبرع؛ فعملية التبرع نفسها لا تتجاوز عشر دقائق.
«التبرع» مجرد خطوة فى رحلة، تتلوها خطوة «تحرك كيس الدم»، والتى تتضمن تفاصيل عدة، قالت عنها «د. فاتن»: تُجرى كل الفحوصات على أكياس الدم التى يتم التبرع بها مرة أخرى باستخدام أحدث تقنيات فى الفحص السيرولوجى وعلى رأسها فحص الحمض النووى للاكتشاف المبكر للفيروسات الكبدية، فيروس «سى» و»بى» وكذلك الإيدز والزهرى لزيادة مأمونية أكياس الدم قبل تداولها للمرضى، ثم تتم عمل الفصيلة وعامل ريسوس لأكياس الدم المجمعة وكذلك فحص الأجسام المضادة لها، وهناك مرحلة تالية يفصل فيها كيس الدم الكامل إلى مشتقات كرة دم حمراء مكدسة وبلازما وصفائح دموية أو كرايو، وذلك للحفاظ على حيويتها ودرجة حرارة الحفظ المناسبة لها، وذلك لأن كل مكون له طبيعة خاصة طبقا للغرض الطبى منه».
«تكتمل رحلة كيس الدم بوصوله للمريض»، وعن هذه الخطوة قالت «د. فاتن»: تُصرف أكياس الدم الخالية من الفيروسات والصالحة للاستخدام بعد كل المراحل السابقة إلى قسم الصرف، ليتم بعد ذلك صرفها لكل مرضى التأمين الصحى ونفقه الدولة وكذلك المستشفيات الحكومية، ومرضى المستشفيات الخاصة كذلك طبقا للائحة مالية معتمدة من وزير الصحة بأقصى دعم ممكن لصالح المواطن، وكذلك يستفيد بها كل مرضى الثلاسيميا والهيموفيليا ومرضى نقل الدم المتكرر والغسيل الكلوى والأنيميا والسرطانات والحوادث والجراحات، ويتم الصرف بناء على طلب نقل دم مختوم من المستشفى وعينة من المريض وصورة البطاقة للمريض والمستلم، وذلك للتأكد من إعطاء الدم بصورة صحيحة للمريض تحت إشراف طبي.
مدير عام خدمات نقل الدم القومية، تحدثت كذلك عن إمكانات خدمات نقل الدم القومية قائلة: خدمات نقل الدم القومية والتابع لها 28 مركزا بمختلف محافظات الجمهورية تقوم بتجميع ما يوازى 50 فى المائة من إجمالى الدم المجمع فى وزاره الصحة، بما يعادل 500 ألف وحدة دم سنويا، و50 فى المائة الأخرى تتم عن طريق بنوك دم المستشفيات التجميعية، ويوجد لدينا المعمل المرجعى لكرات الدم الحمراء وهو معمل متخصص مميز فى شبكة خدمات نقل الدم والوحيد على مستوى الجمهورية الذى يقوم باختبارات فنية متخصصة لبعض المرضى صعب الوصول بكيس دم متوافق لهم بسبب تكوين أجسام مضادة لأسباب متعددة؛ فيقوم هذا المعمل بعملية فصل هذه الأجسام المضادة والتعرف عليها وإعطاء كيس دم متوافق مناسب للمريض، وهذا المعمل حاصل على اعتماد الإيجاك المصرى، مجلس الاعتماد المصرى أيزو سنتين متتاليين وجارٍ التجديد، أيضا خدمات نقل الدم تتم وفق نظام إلكترونى تربط الـ28 مركزًا، ونظام العمل يعتمد على الباركود، بمعنى أن كيس الدم عبارة عن رقم بداية من عملية التبرع حتى الصرف، أيضا نظام الجودة فى المشروع المصرى السويسرى يعتمد على نظام جودة محكم وفق معايير عالية لضمان مأمونية كل أكياس الدم الصادرة، ولدينا وحدة علاجية متخصصة لنقل الدم إلى المرضى، من مرضى أنيميا البحر المتوسط والهيموفيليا.
«د. فاتن»، أوضحت أن «المركز القومى لنقل الدم حاصل على الاعتماد الأمريكى من جمعية بنوك الدم الأمريكية، وهى أعلى جهة اعتماد على مستوى العالم لبنوك الدم منذ 2014 حتى الآن، وهذا يؤكد على الالتزام بكل معايير الجودة العالمية فى تجميع أكياس الدم منذ التبرع حتى صرف كيس الدم»، مشيرة إلى أنه «يجب أن نحفز سياسة التبرع بالدم الطوعى الشرفى طوال أيام السنة حتى تتم الاستفادة المزدوجة منها لصالح المتبرع الذى يتم عمل كل الفحوصات اللازمة لهم، بالإضافة إلى الفوائد الصحية التى تعود عليه من عملية التبرع، مثل تقليل الإصابة بأمراض القلب والجلطات وتنشيط الدورة الدموية، وكذلك نخاع العظم لإنتاج كرات دم حمراء صحيحة حيوية طازجة، بالإضافة إلى التكافل الاجتماعى والعائد النفسى والدينى الذى يقوم به هذا المتبرع بهذا العمل الإنسانى النبيل للاستفادة منه لصالح المرضى والمحتاجين لنقل الدم بصفة منتظمة، لذا سياسة التبرع المنتظم كل أربعة أشهر هى الغاية المثلى لتوفير الدم بصفة مستمرة للمرضى فى السلم والطوارئ، ولا قدر الله الحروب».
وتعليقًا على تسجيل الرقم القياسى بموسوعة «جينيس»، فيما يخص «التبرع بالدم»، قالت «د. فاتن»: يعد إنجازًا مهمًا، وهذه ليست المرة الأولى التى تصنع فيها وزارة الصحة والسكان التاريخ؛ فقد سبق وحصلت خدمات نقل الدم القومية على هذا الإنجاز القياسى أول مرة عام 2016 بتحقيق أكبر عدد متبرعين خلال 8 ساعات، ليعود الإنجاز مرة أخرى اليوم فى 2026، ليؤكد للعالم أجمع الريادة المستمرة لوزارة الصحة المصرية فى المجالات المختلفة.
وتابعت: نسبة المتبرعين المنتظمين نحو 25 فى المائة من المتبرعين بصفة عامة، ونسعى لزيادة هذه النسبة؛ فالتبرع المنتظم كل ثلاثة أشهر للرجال وأربعة أشهر للسيدات، بواقع مرتين تبرعًا على الأقل سنويا، أهميته تتمثل فى ضمان استمرارية إمداد الدم؛ فكيس الدم «كرات الدم الحمراء»، العمر الافتراضى لها 35 يومًا وبحد أقصى 42 يوما، وهذا معناه الحاجة باستمرار إلى تجديد الأرصدة وتجديد لكميات الدم المجمعة، وهنا فائدة المتبرع المنتظم هى الحفاظ على استمرارية عملية التبرع، خاصة أنه يوجد مرضى يحتاجون إلى نقل دم باستمرار وبصفة منتظمة بواقع مرتين شهرين للمريض الواحد، لذا فالتبرع المنتظم هى الغاية الأساسية ونشجع المواطنين على التبرع المنتظم مرتين أو ثلاث مرات سنويا لضمان الإمداد المستمر لأكياس الدم طوال العام، سواء فى حالات الطوارئ أو لأصحاب الأمراض المزمنة.