رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (9)


11-7-2026 | 12:26

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

(استعمار، واستيطان، وانتداب) ثلاث كلمات صنعت «مساحيق لغوية»، وأسهمت فى تغييب الوعى وخيانته، كما قال الدكتور عبدالوهاب المسيرى.

قلنا فى السابق إن دور «الصهيونى الوظيفى اللغوي»، ذلك المترجم أو الإعلامى أو الأكاديمى أو الكاتب الذى يتبنى المصطلحات المضللة دون تفكير نقدي، أو بوعى كامل، يسهم فى تمرير «النموذج المعتل» وتجميله فى العقل العربي، إنه، كما قال المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري، «يشارك فى خيانة الوعي».

 

 

ومقابل كلمة (Mandate)، أو ما يمكن وصفه بـ«الانتداب النبيل»، فإن الأصح والأدق أن يُترجم المصطلح إلى «التفويض الاقتلاعي». أما الترجمة العربية التى استُخدمت، فهى «الانتداب»، وهى كلمة مشتقة من الجذر (ندب)، الذى يوحى بالوكالة المؤقتة أو الندب لإنجاز مهمة محددة ونبيلة. إنها كلمة تخفف من حدة الأمر والفرض، وتضفى على العملية مسحة من «الشرعية الدولية» و«الهدف النبيل».

أما الحقيقة التاريخية، فهى أن الانتداب البريطانى على فلسطين كان الغطاء القانونى والدولى لتنفيذ «وعد بلفور» المشؤوم، أى منح فلسطين لمن لا يملكها. وكان الأجدر والأدق، والأكثر أمانةً تاريخية، أن يُترجم المصطلح إلى «الوصاية الاستعمارية»، أو «التفويض الاقتلاعي»، أو «الأمر الإحلالي»، فهذه المصطلحات تنقل حقيقة أن الأمر لم يكن «وكالةً نبيلة» لمساعدة شعب على النهوض، بل كان تفويضًا من القوى الاستعمارية الكبرى لاقتلاع شعب من أرضه، وإحلال شعب آخر مكانه.

فالصهيونى الوظيفى اللغوى هو من يكرس مصطلح «الانتداب» البراق، ويخفى خلفه جريمة «التفويض الاقتلاعي» التى كانت الأساس القانونى للنكبة الفلسطينية والعربية فى مايو عام 1948.

ثانيًا: التفسير البنيوى للتضليل

ونتساءل: لماذا تعمدوا ذلك؟

يرى المفكر الموسوعى الدكتور عبدالوهاب المسيرى أن اللغة ليست مجرد وعاء محايد للأفكار، بل هى «وعاء العقيدة»، و«أداة تشكيل الوعي»؛ فاللغة تحمل فى طياتها رؤية للعالم، وقيمًا، وأحكامًا مسبقة، والسيطرة على لغة شعب ما تعنى السيطرة على طريقة تفكيره وإدراكه للواقع.

فالترجمة العربية للمصطلحات المرتبطة بالمشروع الصهيونى لم تكن «بريئةۛ» أو «عشوائية» على الإطلاق، بل كانت عملية منهجية ومدروسة تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية خطيرة، وهي:

1 - تمرير «النموذج المعتل» وتطبيعه، بجعل مصطلحاته تبدو مقبولة ومألوفة ومطمئنة فى الأذن العربية. فعندما نسمع كلمات مثل «استعما» و«مستوطنة» و«انتداب»، فإنها لا تستفز الوجدان، ولا تثير الغضب بالدرجة نفسها التى تثيرها كلمات مثل «استحواذ» و «مغتصبة» و«تفويض اقتلاعي» إنها «مساحيق لغوية» تخفى بشاعة الجريمة، وتجعل الحديث عنها ممكنًا دون اشمئزاز أخلاقي.

2 - تسكين المقاومة وإخماد جذوتها، فعندما تسمى العدو «مستعمرًا»، أى بانى حضارة، فإنك تخفف من حدة المواجهة الأخلاقية معه، وتقلل من بشاعة أعماله، مقارنةً بتسميته «مخربًا» أو «مغتصب الهوية» أو «لص الأرض» أو «قاتل الأطفال». فالمصطلحات الناعمة تخلق «منطقة رمادية» أخلاقية، وتجعل من السهل القبول بالأمر الواقع، أو على الأقل عدم مواجهته أو مقاومته بكل ما أوتينا من قوة.

3 - الاحتقار المخفى وإذلال الذات فالمترجمون الوظيفيون، أو «الصهاينة الوظيفيون لغويًا»، تعمدوا، بوعى أو تحت تأثير الاستلاب الذى يعيشونه، اختيار ألفاظ تحتقر الذات العربية والإسلامية. فالمستعمر، فى الترجمة العربية، هو الذى يبنى ويعمر، بينما نحن، أصحاب الأرض الأصليون، نبدو وكأننا نهدم، أو نتخلف، أو نعيش فى الخراب. والمستوطنة هى رمز الحضارة والتقدم، بينما قرانا ومدننا ترمز إلى «التخلف» و«الفوضى». وهذا التضاد اللغوى يرسخ فى اللاوعى الجمعى صورة «الدونية» و«التخلف» فى مقابل «التفوق» و«التحضر» للعدو. إنها عملية «إبادة رمزية» تسبق الإبادة المادية وتوازيها.

ثالثًا: من هو الخاسر فى معركة المصطلحات؟

الخاسر الأكبر فى هذه المعركة الصامتة والشرسة هو كل من سمح لهذه المصطلحات المضللة أن تسكن لسانه وقلمه ووعيه، سواء كان فردًا عاديًا، أو مثقفًا، أو إعلاميًا، أو سياسيًا؛ لأنه بذلك يؤدى إلى عدة مآلات خطيرة، هي:

يفقد القدرة على التسمية الدقيقة فمن لا يستطيع تسمية عدوه، أو وصف جريمته بدقة، لا يستطيع مواجهته مواجهةً فعالة. فالتسمية الدقيقة هى الخطوة الأولى فى أى فعل مقاومة واعٍ. فعندما تسمى «الاحتلال» «استعمارًا»، فإنك تضلل نفسك وجمهورك عن طبيعته الإحلالية والإجرامية الحقيقية.

2 - يسهم فى الإبادة الرمزية فقبل أن تُهدم البيوت فى فلسطين، وقبل أن تُقتلع أشجار الزيتون، وقبل أن يُقتل الأطفال، هُدمت مفردات «الحق، والعدالة، والأرض، والملكية» فى القواميس العربية عبر الترجمة المزيفة، إنها عملية «محو للذاكرة اللغوية» تجعل الأجيال الجديدة تنشأ على مفاهيم مشوهة، فلا تعرف حقيقة ما حدث لأرضها وشعبها.

يشارك فى خيانة الوعى الجماعي؛ لأنه يقدم للأمة صورة مشوهة عن عدوها، وعن طبيعة الصراع، وعن أبعاد الجريمة. وهذا التزييف للوعى هو أخطر ما يمكن أن يصيب أمة تواجه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا إحلاليًا.

خلاصة هذا الفصل هى ضرورة «الهندسة اللغوية الجديدة»؛ لأن «الصهيونى الوظيفي» اليوم، بكل تجلياته، ولا سيما فى مجالات الإعلام والترجمة والأكاديميا، هو الذى يصر على استخدام هذه «المساحيق اللغوية» و«الترجمات المضللة»؛ لتبرير الارتباط بكيان احتقارى واستغلالى وإجرامي. إنه يدافع عن مصطلح استعمار بدلًا من «احتلال إحلالى استئصالي»، وعن كلمة «مستوطنة» بدلًا من «مغتصبة»، وعن كلمة «انتداب» بدلًا من «وصاية اقتلاعية».

إن استعادة الكلمات الحقيقية والصادمة، مثل: اغتصاب، وإحلال، ومحو، وإبادة، واستيلاء، واقتلاع، وسطو، هى «الفعل الهندسى الأول» والضرورى فى إعادة بناء «جدار الوعي» العربي، الذى حاولوا هدمه بالترجمات المضللة والتضليل المنهجي. إنها معركة تحرير اللغة قبل تحرير الأرض؛ فلا يمكن أن نحرر أرضًا ونحن نستخدم لغة من اغتصبها ليصف لنا جريمته.

إن المصطلح الأدق والأكثر تعبيرًا عن جوهر المشروع هو «الاحتلال الإحلالى الاستئصالي»؛ فالمشروع الصهيونى لا «يستعمر» الأرض بمعنى «يعمرها»، بل «يغتصبها»، ولا «يستغل» السكان، كما فى الاستعمار التقليدي، بل «يمحوهم» و«يستأصلهم» و«يحل محلهم». إنه نظام يقوم على «الاحتقار الوجودي» للآخر، ويرى فيه «شيئًا» يجب إزالته، وفى الأرض «سلعة» يجب السطو عليها.

إن الخسارة الأكبر تبدأ من اللغة؛ فمن يملك اللغة يملك القدرة على تعريف الجريمة، ومن فقد لغته ووعى معانيها فقد القدرة على تسمية الجلاد باسمه الحقيقى.

(يتبع)

أخبار الساعة

الاكثر قراءة