وقد كثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن ماهية الاقتصاد المصرى واتجاهاته، مما يدفعنا إلى طرح سؤال مهم حول طبيعته بين الرأسمالية والاشتراكية واقتصاد السوق الحر.
وتتمتع مصر بوضع اقتصادى جيد بفضل برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى بدأ عام 2016، حيث استطاعت تحقيق قدر من التوازن الاقتصادى المستهدف، وتعزيز الاستدامة المالية، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية.
وقد وصف دستور عام 2014 هوية النظام الاقتصادى المصرى بأنه «اقتصاد سوق حرة منضبطة». وهذا التوصيف يترك مساحة واسعة للاجتهاد فى فهم الهوية الاقتصادية للدولة، الأمر الذى يجعل البحث فى هذا الموضوع ضرورة وطنية.
وهناك خلاف مزمن بين من يرون أن نظام السوق الحر قادر على تحقيق التنمية الاقتصادية بكفاءة، وبين من يؤمنون بأن دور الدولة أساسى ولا غنى عنه فى عملية التنمية. فالفريق الأول يركز على حالات فشل الدولة، بينما يركز الفريق الثانى على حالات إخفاق السوق، وغالبًا ما ينتهى النقاش بتغليب الأيديولوجيات المسبقة على التفكير الاقتصادى الموضوعي.
ويظل السؤال مطروحًا: ما أوجه القصور فى اقتصاد السوق؟ وما حدود قصور الدولة؟ وهل يمكن الاستفادة من التجارب الدولية للوصول إلى صيغة أكثر توازنًا؟
فى البداية، لا شك أن اقتصاد السوق ينجح فى تخصيص الموارد بكفاءة عندما تتوافر المنافسة الكاملة، إلا أن هذه الشروط لا تتحقق دائمًا، كما أن آليات السوق لا تضمن العدالة فى توزيع الدخل والثروة.
وفى المقابل، هناك أدوار لا يمكن تركها لآليات السوق وحدها، مثل الأمن القومي، والدفاع، والقضاء، وغيرها من الوظائف السيادية للدولة.
كما أن الدولة تستطيع أن تؤدى دورًا إيجابيًا فى المجالات التى يعجز السوق أو يمتنع القطاع الخاص عن الاستثمار فيها، مثل البنية التحتية، والخدمات الأساسية، وبرامج العدالة الاجتماعية، وهو ما يمثل ركيزة أساسية فى المجتمعات الساعية إلى التنمية.
ولا يوجد مجتمع يعتمد اعتمادًا كاملًا على الدولة أو على السوق؛ فقد أثبتت التجارب فشل سيطرة الدولة المطلقة كما حدث فى العديد من الدول الاشتراكية، بينما أفرزت المبالغة فى الرأسمالية تحديات تتعلق بالبيئة والعدالة الاجتماعية.
وماذا يعنى ذلك بالنسبة لمصر؟ الحقيقة أن النظام الاقتصادى المصرى لا يختلف جوهريًا عن معظم النظم الاقتصادية الحديثة، فهو اقتصاد مختلط يجمع بين دور الدولة وآليات السوق.
غير أن الممارسات العملية تكشف عن خلل فى توزيع الأدوار بين الدولة والسوق، وإلا فكيف يمكن تفسير استمرار تدخل الدولة فى توفير بعض السلع وطرحها فى الأسواق التى يفترض أن تعمل فيها المنافسة بكفاءة؟
لقد بات العالم اليوم أمام نماذج اقتصادية متنوعة، ولكل منها ظروفه ومقومات نجاحه. وما يناسب دولة قد لا يناسب أخرى، لذلك ليس من الصواب فرض نموذج اقتصادى واحد على جميع الدول، خاصة فى ظل اختلاف البيئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتتجه بعض الدول إلى المزج بين النظامين؛ بما يحافظ على دور الدولة فى توجيه الاقتصاد، مع صون الملكية الخاصة وتشجيع الاستثمار والمنافسة.
وقد سعت الدولة المصرية فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى مواءمة دور القطاع الخاص مع استراتيجيتها الاستثمارية، مع الاستمرار فى الالتزام باقتصاد السوق، مع مراعاة العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطن، باعتباره محور التنمية.
كما اتجهت الدولة إلى تشجيع الاستثمار الخاص فى قطاعات استراتيجية، منها التطوير العقاري، والصناعة، والنقل، واستخراج الموارد الطبيعية، بما يسهم فى رفع معدلات النمو، وتحسين كفاءة المالية العامة، وزيادة قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات، مع احتفاظ الدولة بدورها التنظيمى والاستراتيجي.
إن وجود رؤية اقتصادية واضحة، وفهم دقيق لديناميكيات السوق، والعمل على تنمية رأس المال مع الحفاظ على دور الدولة، أسهم فى تشكيل ملامح اقتصاد الجمهورية الجديدة.
ويقوم هذا النموذج على استعادة الدولة لدورها فى وضع الأطر المنظمة للنشاط الاقتصادي، مع إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص للمشاركة فى الاستثمار والإنتاج فى إطار اقتصاد سوق منضبط.
كما ينبغى التمييز بين مفهوم الطلب الكلى والطلب النهائى عند تقييم السياسات الاقتصادية، حتى تكون الرؤية أكثر دقة فى قياس أداء الاقتصاد.
إن وجود نص دستورى لا يكفى وحده للحكم على طبيعة التجربة الاقتصادية؛ فالعبرة بالتطبيق والسياسات. وقد عانى العالم من سلبيات كل من الاشتراكية والرأسمالية، وهو ما يستوجب ترك الباب مفتوحًا أمام تطوير نموذج اقتصادى مصرى يحقق التوازن بين دور الدولة ودور القطاع الخاص.
ولم يعد الاقتصاد الاشتراكى وحده يمثل الأمل فى القضاء على الفقر، كما لم تعد الرأسمالية وحدها طريقًا مضمونًا لتحقيق الرفاهية. فالتجارب أثبتت أن الشعوب تبحث فى المقام الأول عن العدالة، وفرص العمل، والحياة الكريمة، والمشاركة العادلة فى ثروات أوطانها.
ولم تكن مصر بمنأى عن هذه التجارب؛ فقد مرت بمرحلة الاشتراكية، ثم الانفتاح الاقتصادي، وصولًا إلى اقتصاد السوق، وهو ما يؤكد أن الهدف ليس الانحياز إلى مدرسة اقتصادية بعينها، بل اختيار السياسات التى تحقق مصلحة المواطن.
إن هوية الاقتصاد المصرى لا تحتاج إلى إعادة تعريف بقدر ما تحتاج إلى إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والسوق؛ بحيث تقوم الدولة بما لا يستطيع السوق القيام به، وتترك للقطاع الخاص المجالات التى يجيدها، على أن يكون المعيار الحاكم هو الصالح العام، بعيدًا عن الأيديولوجيات المسبقة، مع إدارة متوازنة للسياسات المالية والنقدية، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وعدم السماح بظهور الأسواق الموازية، وتعزيز دور القطاع الخاص دون إقصاء دور الدولة.
ويبقى السؤال الذى يستحق أن نتوقف عنده: هل أصبحنا نعرف حقًا ماهية اقتصادنا المصري؟