لم يكن دستور عام 2014، الصادر في أعقاب ثورة 30 يونيو، إلا انعكاسًا للتحولات السياسية والحزبية والبرلمانية التي أفرزتها الثورة، والتي دشنت مرحلة جديدة في مسار بناء مؤسسات الدولة المصرية، وأرست أجواء تشريعية وتنفيذية غير مسبوقة، بعد أن شهدت البلاد واحدة من أهم المحطات في تاريخها الحديث.
وأفرزت ثورة 30 يونيو واقعًا سياسيًا جديدًا عزز من مفاهيم التعددية والمشاركة السياسية، ورسخ توجه الدولة نحو دعم مؤسساتها المدنية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على بنية النظام النيابي والحياة البرلمانية في مصر.
وأصبحت الحياة البرلمانية التي تشكلت بعد الثورة امتدادًا لهذا المسار السياسي، حيث وضع دستور 2014 نظامًا نيابيًا جديدًا قائمًا على توسيع المشاركة السياسية، وأوجد مقاعد جديدة بمجلس النواب باعتباره الغرفة الأولى للبرلمان، فيما ألغى في البداية مجلس الشورى، قبل أن تعيده التعديلات الدستورية اللاحقة إلى الحياة النيابية تحت مسمى مجلس الشيوخ.
مقاعد مجلس النواب بعد 30 يونيو
شهدت الحياة البرلمانية بعد ثورة 30 يونيو تطورًا ملحوظًا في هيكلها التمثيلي، حيث جرت أول انتخابات برلمانية في ظل دستور 2014، ليصل إجمالي عدد مقاعد مجلس النواب الحالي إلى 596 مقعدًا، منها 568 مقعدًا منتخبًا و28 مقعدًا معينًا بقرار من رئيس الجمهورية.
وجرت الانتخابات البرلمانية المتعاقبة وفقًا لأحكام دستور 2014 وتعديلاته، وكان آخرها انتخابات عام 2025، لتشهد الحياة البرلمانية ثلاثة فصول تشريعية هي الفصل التشريعي الأول خلال الفترة من 2016 إلى 2021، والفصل التشريعي الثاني من 2021 إلى 2026، فيما تشهد البلاد حاليًا الفصل التشريعي الثالث في دور الانعقاد الأول للفترة من 2026 إلى 2031.
كما عاد مجلس الشيوخ إلى المشهد النيابي عقب التعديلات الدستورية، حيث شهد فصلًا تشريعيًا أول خلال الفترة من 2020 إلى 2025، فيما يشهد حاليًا فصله التشريعي الثاني الممتد من 2025 إلى 2030.
مقاعد مجلس الشعب قبل 30 يونيو
ويمتد تاريخ الحياة النيابية في مصر إلى نحو 136 عامًا، تعاقبت خلالها 32 هيئة نيابية حملت أسماء متعددة، من بينها مجلس الأمة ومجلس الشعب ومجلس النواب ومجلس الشورى ومجلس الشيوخ، وعكست في مجملها تطور التجربة البرلمانية المصرية عبر العقود.
وتراوح عدد أعضاء هذه الهيئات النيابية بين 75 عضوًا و458 عضوًا، وصولًا إلى 596 عضوًا في مجلس النواب الحالي، بما يعكس التطور الذي شهدته مؤسسات التمثيل الشعبي في مصر على مدار تاريخها.
وقبل ثورة 30 يونيو ظل مجلس الشعب المؤسسة التشريعية الرئيسية في البلاد، وكان يضم في آخر تشكيلاته الانتخابية 508 مقاعد، منها 498 مقعدًا بالانتخاب و10 مقاعد يعينها رئيس الجمهورية.
ومع التحولات التي أعقبت الثورة، جاء مجلس النواب بصورته الحالية ليكون الأوسع من حيث المشاركة والتمثيل، مع اتساع دوره التشريعي والرقابي في إطار الصلاحيات الدستورية المقررة له.
ويرى مراقبون أن زيادة عدد المقاعد البرلمانية تعكس توجهًا نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية والحزبية والفردية، بما يتيح تمثيلًا أوسع لمختلف فئات المجتمع داخل المؤسسة التشريعية.
مجلس النواب واختصاصاته
يُعد مجلس النواب، وفقًا لدستور 2014، الغرفة الأولى للبرلمان المصري، ويتولى مجموعة من الاختصاصات الدستورية تشمل سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، فضلًا عن ممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
ويتألف المجلس من 568 عضوًا منتخبًا على الأقل يتم اختيارهم عن طريق الاقتراع العام السري المباشر تحت إشراف قضائي، إلى جانب عدد من الأعضاء يعينهم رئيس الجمهورية بما لا يتجاوز 5% من إجمالي عدد الأعضاء.
وتقسم الجمهورية إلى أربع دوائر انتخابية لنظام القائمة المغلقة المطلقة و143 دائرة انتخابية للنظام الفردي، بإجمالي 448 مقعدًا للنظام الفردي و120 مقعدًا للقوائم، إضافة إلى ما لا يزيد على 28 مقعدًا يعينهم رئيس الجمهورية.
ويُنتخب رئيس مجلس النواب من بين أعضاء المجلس في الجلسة العامة الأولى لدور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي، كما يتم انتخاب الوكيلين قبل الشروع في تشكيل اللجان النوعية للمجلس.
وتبلغ مدة المجلس خمس سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ أول انعقاد له، على أن تُجرى انتخابات المجلس الجديد خلال الستين يومًا السابقة على انتهاء مدته.
كما يختص المجلس بالفصل في صحة عضوية أعضائه، ولا يجوز إسقاط العضوية إلا في حال فقدان الثقة والاعتبار أو فقدان أحد شروط العضوية أو الإخلال بواجباتها، ويصدر القرار في هذه الحالة بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، كما يتولى المجلس قبول استقالات أعضائه.
وأقر الدستور مجموعة من الضمانات والحصانات لأعضاء مجلس النواب، حيث لا يؤاخذ العضو على الآراء والأفكار التي يبديها أثناء أداء عمله داخل المجلس أو لجانه، كما لا يجوز، في غير حالات التلبس بالجريمة، اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد عضو مجلس النواب إلا بعد الحصول على إذن مسبق من المجلس، وذلك في إطار الضمانات الدستورية المقررة لأداء الدور التشريعي والرقابي للنواب.