يظل جيل كأس العالم 1990 أحد أكثر الأجيال رسوخا وإلهاما فى ذاكرة الكرة المصرية، فهو الجيل الذى كسر العقدة وأعاد الفراعنة إلى المحفل العالمى بعد غياب دام 56 عاماً، مسطرا ملاحم كروية خالدة أمام عمالقة القارة العجوز فى الملاعب الإيطالية، وفى قلب تلك الرحلة التاريخية برز اسم الكابتن عادل عبدالرحمن، النجم الذى عاش تفاصيل الإعجاز خطوة بخطوة، وشهد كواليس صناعة جيل استثنائى لا تزال الجماهير تتغنى بأمجاده حتى اليوم، وفى هذا الحوار الخاص يفتح لنا نجم النادى الأهلى والمنتخب السابق صندوق ذكرياته ليحدثنا عن رحلة التحدى وكواليس التصفيات الإفريقية الشاقة ومباراة التأهل التاريخية أمام الجزائر، وكذلك الدور الأسطورى للراحل محمود الجوهرى فى صياغة هذا الإنجاز، ورؤيته الفنية للفارق بين منظومة كرة القدم فى الماضى والحاضر، وحظوظ المنتخب الوطنى الحالية فى مونديال 2026.
ماذا يمثل لك التأهل إلى كأس العالم 1990 بعد غياب طويل عن المونديال؟
التأهل إلى كأس العالم 1990 كان بمثابة تحقيق حلم كبير لكل لاعب فى ذلك الجيل، لأننا كنا ندرك جيداً قيمة هذا الإنجاز وحجم المسئولية الملقاة على عاتقنا، ومنتخب مصر كان غائبا عن كأس العالم منذ عام 1934 ولذلك كان هناك شغف كبير لدى اللاعبين والجماهير بإعادة اسم مصر إلى أكبر بطولة كروية فى العالم، وعلى المستوى الشخصى أعتبر المشاركة فى هذا الإنجاز من أهم المحطات فى حياتى الكروية لأن الوصول إلى كأس العالم هو حلم أى لاعب، وما يجعل هذا التأهل أكثر قيمة أننا حققناه بعد مشوار صعب ومنافسة قوية وفى ظروف لم تكن سهلة كما هى الآن، لذلك ظل هذا الإنجاز محفورا فى ذاكرتى وذاكرة كل أفراد هذا الجيل، لأنه لم يكن نجاحا رياضيا فقط، بل كان مصدر فخر لكل المصريين الذين انتظروا هذه اللحظة لسنوات طويلة.
كيف أثرت طبيعة كرة القدم فى تلك الفترة وقلة الاحتكاك بالمدارس الأوروبية على أداء منتخب مصر فى مونديال 1990؟ وهل كان بإمكان جيلكم تحقيق نتائج أفضل لو توفرت الإمكانات المتاحة للاعبين حالياً؟
فى فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت كرة القدم مختلفة تماماً عما نراه اليوم، فلم تكن هناك وسائل تواصل أو منصات رقمية تتيح للاعبين متابعة نجوم العالم بشكل يومي، كما لم تكن المباريات الودية والاحتكاكات الدولية متاحة بالقدر الموجود حالياً، لذلك كنا نواجه العديد من اللاعبين العالميين للمرة الأولى داخل الملعب بعدما كنا نشاهدهم فقط فى لقطات محدودة عبر التلفاز، الجيل الحالى يمتلك أفضلية كبيرة لأن معظم اللاعبين يتابعون المنافسين باستمرار، وبعضهم يلعب فى دوريات أوروبية أو يواجه نجوما عالميين بشكل متكرر، وهو ما يمنحهم خبرات أكبر ويقلل من رهبة المواجهات الكبرى، أما فى جيلنا، فكانت مواجهة منتخبات بحجم هولندا وإنجلترا وأيرلندا تجربة مختلفة تماماً لأن الاحتكاك المباشر مع هذه المستويات لم يكن متاحا بشكل مستمر.
وأعتقد أنه لو كانت لدينا فى ذلك الوقت نفس الإمكانات المتوفرة حالياً من حيث الاحتكاك الدولى والمعسكرات الخارجية والمباريات الودية القوية ووسائل تحليل الأداء الحديثة لكان بإمكاننا تحقيق نتائج أفضل فى كأس العالم، ورغم ذلك أرى أن منتخب 1990 قدم أداء مميزا للغاية أمام مجموعة كانت من أقوى مجموعات البطولة، ونجح فى الظهور بصورة نالت احترام الجميع، ومن وجهة نظرى ما حققه جيل 1990 يظل أفضل من نتائج مشاركة 2018، خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار قوة المنافسين والظروف المختلفة التى أحاطت بكل جيل.
كيف تقارن بين نظام التصفيات المؤهلة لكأس العالم فى جيلكم ونظام التصفيات الحالى؟ وهل أصبح التأهل للمونديال أسهل أم أصعب؟
بالتأكيد هناك فارق كبير بين نظام التصفيات فى جيلنا والنظام الحالى، فخلال فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت المنافسة أكثر صعوبة لأن عدد المقاعد المخصصة للقارة الإفريقية فى كأس العالم كان محدودا للغاية، حيث كانت القارة تحصل على مقعدين فقط فى بعض النسخ وهو ما كان يجعل طريق التأهل شاقا للغاية، وكنا نخوض مباريات قوية أمام منتخبات من الصف الأول فى إفريقيا ولم تكن هناك مساحة كبيرة للتعويض أو ارتكاب الأخطاء، فكل مباراة كانت بمثابة نهائى وكان على المنتخب أن يحافظ على مستواه طوال مشوار التصفيات حتى ينجح فى انتزاع إحدى البطاقات القليلة المتاحة، أما الآن فقد ارتفع عدد المقاعد المخصصة للمنتخبات الإفريقية بشكل كبير وأصبحت فرص التأهل أكبر مقارنة بالماضي، وهذا لا يعنى أن المهمة سهلة، فالمنافسة ما زالت قوية، لكن من المؤكد أن فرص الوصول إلى كأس العالم أصبحت أفضل مما كانت عليه فى جيلنا، ورغم صعوبة الطريق وقتها فإن تلك الظروف ساهمت فى صناعة جيل قوى من اللاعبين كان يمتلك شخصية كبيرة وإصرارا استثنائيا على تحقيق حلم الوصول إلى المونديال.
إلى أى مدى كانت مجموعة مصر فى مونديال 1990 صعبة؟ وهل شعرتم أن المنتخب كان قريباً من التأهل إلى الدور الثانى؟
لا شك أن مجموعة مصر فى كأس العالم 1990 كانت من أقوى المجموعات فى البطولة كلها، فقد كنا نواجه منتخبات تمتلك تاريخا كبيرا وإمكانات فنية هائلة منها منتخب هولندا الذى كان بطل كأس الأمم الأوروبية عام 1988 ويضم مجموعة من أفضل اللاعبين فى العالم آنذاك، بينما كانت إنجلترا من القوى الكروية الكبرى ويضم الدورى الإنجليزى وقتها نخبة من أبرز نجوم الكرة العالمية، أما منتخب أيرلندا فكان يعيش واحدة من أفضل فتراته الكروية، وكان يحتل مركزًا متقدما فى التصنيف العالمى ويقدم مستويات قوية للغاية، ورغم قوة المنافسين نجح المنتخب المصرى فى تقديم أداء مشرف وفرض نفسه أمام الجميع، تعادلنا مع هولندا وأيرلندا، ودخلنا المباراة الثالثة أمام إنجلترا وما زالت فرصنا قائمة فى المنافسة على التأهل، وهذا فى حد ذاته يؤكد أن المنتخب كان على مستوى الحدث ولم يكن مجرد ضيف فى البطولة، وأعتقد أننا كنا قريبين للغاية من تحقيق إنجاز تاريخى والتأهل إلى الدور الثانى، ومباراة إنجلترا حسمت بتفاصيل صغيرة وخطأ واحد استغله المنافس لتسجيل هدف المباراة الوحيد، ولو نجحنا فى الخروج بنتيجة إيجابية أو استثمار بعض الفرص التى أتيحت لنا، لكانت فرصتنا فى العبور للدور التالى كبيرة جداً، لذلك أرى أن جيل 1990 قدم بطولة قوية أمام منتخبات من الصف الأول عالمياً، وكان على بعد خطوات قليلة من كتابة صفحة جديدة فى تاريخ الكرة المصرية.
وما الدور الذى لعبه الجنرال الجوهرى فى إعداد المنتخب لمونديال 1990؟ وكيف نجح فى تجهيز اللاعبين رغم محدودية الاحتكاك الدولى فى ذلك الوقت؟
الكابتن محمود الجوهرى كان صاحب دور محورى فى وصول المنتخب إلى كأس العالم والظهور بصورة مشرفة فى مونديال 1990، فى تلك الفترة لم تكن المنتخبات تخوض عددا كبيرا من المباريات الدولية أو المعسكرات الخارجية كما يحدث الآن لذلك كان التحدى الأكبر هو كيفية إعداد اللاعبين فنياً و بدنياً ونفسياً لمواجهة منتخبات من أعلى مستوى فى العالم، والجوهرى كان يمتلك رؤية واضحة وخطة عمل منظمة واتخذ قرارات جريئة من أجل مصلحة المنتخب، من بينها إيقاف مسابقة الدورى لفترات محددة حتى يمنح اللاعبين فرصة أكبر للتجمع والتدريب والاستعداد بالشكل المطلوب، هذا الأمر ساعد الجهاز الفنى على تنفيذ برنامجه التدريبى بصورة كاملة، ورفع معدلات الانسجام بين اللاعبين قبل خوض البطولة، كما حرص الجوهرى على تجهيز الفريق نفسياً للتعامل مع أجواء كأس العالم، وغرس الثقة فى نفوس اللاعبين رغم قوة المنافسين، ونتيجة لهذا الإعداد الجيد ظهر المنتخب بصورة قوية أمام منتخبات كبيرة مثل هولندا وإنجلترا وإيرلندا نجح فى تقديم مستويات جعلت الجميع يشيد بما قدمه المنتخب المصرى فى تلك البطولة، لذلك أرى أن جزءا كبيرا من نجاح جيل 1990 يعود إلى التخطيط الجيد والانضباط الذى فرضه الكابتن محمود الجوهرى منذ بداية رحلة الإعداد وحتى نهاية المونديال.