ولقد صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على عدوان المشركين وإيذائهم صبراً لا مزيد عليه، فلم يقابلوا العدوان بالعدوان، ولا الإيذاء بالإيذاء، بل كانوا يشرحون للكفار تعاليم الإسلام شرحا تنفتح له القلوب، ويبينون لهم حقائق الدين بيانا تخضع له العقول، ورغم هذا كان المشركون في تعنت شديد وقسوة بالغة نحو المسلمين، والمسلمون يزدادون إيمانا إلى إيمانهم كلما أوذوا في سبيل الله.
واستمر صبر النبي وأصحابه على ألوان الاضطهاد والإيذاء مدة ثلاث عشرة سنة، حتى أذن الله تعالى لنبيه في الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، فكانت هجرته فاتحة عهد جديد، أسس فيه دولة القيم والأخلاق، وأرسى فيه دعائم الإنسانية والرحمة في أرقى صورها وأكمل مظاهرها.
ولقد ظلت الهجرة بعد ذلك ذكرى عظيمة، تبعث في نفوس المسلمين معانى سامية، وعواطف كريمة، تحثهم على التضحية في سبيل الحق عن طيب خاطر، وتذكرهم بمواقف الصحابة الكرام، وما كان منهم من بذل وتضحية وإيثار.
فهذا صهيب بن سنان الرومي رضى الله عنه، الذي كان من أغني أغنياء مكة، وأوسعهم تجارة وكسبا، لكنه حين عرف طريقه للحق، ترك الدنيا وما فيها لأجل الله تعالى.
لقد كان من المفترض أن يصحب صهيب رسول الله وصاحبه أبا بكر الصديق ليكون ثالث ثلاثة في رحلة الهجرة إلى المدينة، لكن قريشا لم تمكنه من ذلك، وضيقت عليه طريق الخروج من مكة، وحاور صهيب وداور، حتى استطاع أن يفلت من الحصار، لكن قريشا أرسلت خلفه من يعود به، فأدركوه في طريقه للمدينة، ولم يكد يواجههم حتى بادروه قائلين: «جئتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، ثم تريد الآن أن تنطلق بنفسك ومالك».
وهنا تظهر عظمة «صهيب»، حين يجيب: «إن شئتم دللتكم على مالي وتتركوني وشأني»، فقبلوا منه، ودلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته فأخذوها.
واستأنف صهيب رحلته إلى المدينة وحيدا سعيدا، وكان رسول الله جالسا بين أصحابه حين أقبل عليهم صهيب الرومي، ولم يكد رسول الله يراه حتى ناداه متهللا: «ربح البيع يا أبا يحيى».
لقد اشترى «صهيب» نفسه المؤمنة بكل ثروته، ليضرب مثلا لمن بعده أن المال لا يصنع رجالا، وأنه إذا بقي للإنسان إيمانه وضميره وإرادته، فليذهب المال، ولتذهب الدنيا كلها، ولقد نزل القرآن الكريم يخلد موقف صهيب رضي الله عنه بقوله تعالى: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه واللَّه رءوف بالعباد» [البقرة: 207].
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يخرج من بيته جهارا نهارا في طريق الهجرة، ليقف عند الكعبة مناديا على بطون قريش ورجالاتها: «أيها الناس، إني مهاجر خلف رسول الله، فمن أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني عند هذا الوادي»، فما تبعه منهم أحد.
وأيا كان ما تسمعه عن قوة الفاروق وبأسه، فإنه لم يكن ليبلغ القدر الذي يهزم به بلدا كاملا برجاله وعتاده، فلماذا إذن تحداهم بهذا الوجه السافر؟ ولماذا خافت قريش من رجل واحد، وجبنت أن تصده وتمنعه إنقاذا لهيبتها وكرامتها بعد هذا التحدي؟
إن السر في إيمان عمر، وليس في قوة عمر، وهكذا الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، فتملؤها طمأنينة وثقة، وتلقي في النفس قوة وعزما، وتغلف المنطق بالحزم القاطع، فلا يملك الناس أمام ذلك إلا الخضوع والاستسلام.
ولا تزال نسائم الهجرة النبوية وذكرياتها وعِبَرُها تتجدّد على الأمّة الإسلامية في كل عام، ولم يزل الدُعاة المهديّون من الأمّة يرون أنفسهم في هجرةٍ لا تتوقف، لأنّ مشقة الحياة وصعابها لا تنقضي، ولأنّ صراع الحق والباطل قائمٌ قيامَ هذه الدنيا، وفي الهجرة من عظيم المعاني ما هو عُدّة لأبناء الإسلام في ذلك الصراع المستمرّ.
فمِن هذه المعاني وأَولاها بالتقديم وأشدها مناسبةً لما نعيشه في أيامنا هذه؛ تعزيز الحقّ بالقوّة، فقد كانت الهجرة النبوية نُقلةً من سِنِي الضعف والاضطهاد إلى دَور القوّة والعزّة. فـ«أجلى ما يتراءى للناظر من المعاني السامية في الهجرة هو تعزيز الحقِّ بالقوّة؛ لأنّ الحقّ كثيرًا ما يكون عُرضةً للضياع إزاء اعتداء المعتدين إذا لم تكن هناك قوّةٌ تحميه وتذبّ عنه».
لقد قضى رسول الله وأصحابه أعواما يشرحون فيها الدّين الحقّ للمشركين شرحًا أبان الجادّة لكل أحد، وقامت به الحجّة الباهرة على كل نفْس، «وعظيم صبرهم أمام ما لقوا في سبيل الحقّ من صنوف العنَت فخرٌ خالدٌ لهم مدى الدهر، وأسوةٌ حسنة وأمثولةٌ عليا للذين يجاهدون لإعلاء كلمة الدِّين ويسعون في أن يعيدوا إليه مجدَه وجِدّته بعزائمَ لا تعرف الخنوع والاستسلام ولا التواكل والتكاسل»، فـ«كانت الهجرة مبدأ عهد جديد ملؤه العزّة للمسلمين، وهو عهد بدء دفع العدوان على الحق بالقوّة، حيث آخى النبي بين المهاجرين والأنصار، وكان هذا التآخي بين الأصحاب أول نُواة تنبت منها القوّة المنشودة ضدّ المعتدين».
وفي ثنايا صفحات تلك التضحية تأتي المناسبة؛ لتذكّرنا بالتأييد الإلهي لنبيّنا صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الباهرة في رحلة الهجرة، بدءًا من «مغادرته لمنزله المبارك بمكة، وإقامته في غار ثور، وتعقُّب سُراقةَ له عليه السلام، ومروره بخيمة أمّ مَعبَد، وحلوله بالمدينة المنوّرة» إلى غير ذلك مما هو مشروحٌ باستفاضة في كتب السيرة العَطِرة.
ومن معاني الهجرة الشريفة: التذكيرُ بجهاد النبي والصحابة الكرام في سبيل الدعوة إلى الحقّ، «ففي هجرته عليه السلام ومثابرة الصحابة رضيَ الله عنهم لملاحقته ومناصرته بكل ما لهم مِن حَول وطَول إلى أن شادوا صرحَ هذا الدّين ورفعوا أعلامَه في جميع البقاع والأصقاع أكبر عِظةٍ نتّعظ بها وأعظم عبرةٍ نعتبر بها، وبها يُعلَم كيف يكون النهوض بالحقّ وكيف يكون الصلاح والإصلاح».
والتذكير بجهاد النبي وأصحابه ونصر الله تعالى لهم إنْ هو إلا «تذكيرٌ للأمّة بواجبهم نحو أنفسهم، ونحو بيوتهم، ونحو إخوانهم، ونحو أوطانهم، لينهضوا جميعًا لتقويم الأوَد، وإصلاح الفاسد، ورأب الصدع بما يُرضي الله تعالى ورسوله».
وإنَّ من أجلّ الجهاد في عصرنا دفع الشبُهات عن معالم الإسلام وعقائده وأحكامه، فـ«المؤمن المخلص يرى بنوره الذي يسعى بين يديه أنّ دعاة السوء وأعوان الشيطان قد اندسُّوا بين كل طائفة، وانتشروا في كل مكان، متلفّعين بغير أزيائهم، تغريرًا منهم لأصحاب القلوب الصافية، يسعون على مراحلَ في زعزعة الإسلام واستزلال أقدام المسلمين.
وأقلّ ما يجب على المؤمن المخلِص إزاء هؤلاء أن يسهرَ على كل ما يبدو ويبدرُ منهم في سبيل ما هم فيه من وجوه الإغواء، فيناقشُهم حتى يفضحَهم في غايتهم ومقاصدهم مهما تظاهروا بالبحث البريء، وليست الغفلة شأنَ المؤمن الصادق في إيمانه».
على هذه المحاور العظيمة دارت معاني الهجرة، وهي حقيقةٌ بالاستظهار والتمثُّل، وأن تكون منارًا لنا في درب الدعوة إلى الله التي هي رحلة العمر كلِّه.
فيوم الهجرة الشريفة يوم عظيم، ينبغي على كل مسلم أن يستشعر فيه قيم التضحية، والصبر، والبذل، والعطاء، والمحبة، والثبات على المبادئ، إنّ احتفاء المسلمين بالهجرة هو «تجديدٌ للعهد الذي قطعوه على أنفسهم بالتمسّك البالغ بشرع الله الأغرّ في كل صغير وكبير، ولا دِينَ لمن لا عهدَ له».